بعد ثلاث سنوات على هجوم 7 تشرين ثاني/أكتوبر 2023، الذي كشف عن إخفاقات واسعة النطاق في المنظومة الأمنية الإسرائيلية، لا تزال نظريات المؤامرة التي ظهرت في أعقابه تنتشر على نطاق واسع عبر وسائل التواصل الاجتماعي الإسرائيلية، مستقطبةً ملايين المشاهدات، ومتداخلةً بصورة متزايدة مع الانقسامات السياسية داخل إسرائيل.
وفي تقرير له، حلّل موقع /FakeReporter/ (المراسل المزيف) العبري، المتخصص في رصد المعلومات المضللة، الخطاب المتداول على وسائل التواصل الاجتماعي منذ 7 أكتوبر 2023 وحتى الذكرى السنوية الثالثة للهجوم، راصدًا ثلاث روايات رئيسية تتمحور حول اتهامات بالخيانة الداخلية، وإنكار أحداث الهجوم أو التقليل من حجمها، وادعاءات بأن الأجهزة الأمنية الإسرائيلية سمحت عمدًا بوقوعه بهدف إسقاط حكومة بنيامين نتنياهو.
وأشار التقرير إلى أن هذه الادعاءات انتشرت بصورة أساسية عبر منصات “إكس” و”فيسبوك” و”تلغرام”، وحصد بعضها عشرات الملايين من المشاهدات.
اتهامات بالخيانة الداخلية
تتمحور إحدى أبرز نظريات المؤامرة حول مزاعم بوجود خيانة من داخل “إسرائيل”. ووفقًا للتقرير، بدأت هذه الرواية بالانتشار في 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، واستمرت خلال السنوات الثلاث التالية، وروّجت لها حسابات مؤيدة للحكومة، متهمةً مسؤولين ومؤسسات إسرائيلية بتسهيل الهجوم عمدًا في محاولة لإسقاط حكومة نتنياهو.
وتبدلت الجهات المستهدفة بهذه الاتهامات بمرور الوقت؛ إذ ركزت الروايات الأولى على الجيش الإسرائيلي، ولا سيما طياري سلاح الجو وكبار المسؤولين الأمنيين في الجيش وجهاز الأمن الداخلي “الشاباك” وجهاز الاستخبارات الخارجية “الموساد”، قبل أن تمتد إلى المتظاهرين المناهضين للحكومة.
ومع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية، اتسعت دائرة الاتهامات لتشمل شخصيات سياسية، من بينها زعيم حزب الديمقراطيين يائير غولان. وأفاد التقرير بأن مقاطع الفيديو التي تروّج لرواية “الخيانة من الداخل” حصدت مجتمعة عشرات الملايين من المشاهدات وملايين الإعجابات.
روايات تنكر الهجوم أو تقلل من حجمه
تتمثل الرواية الثانية في محاولات إنكار أحداث 7 أكتوبر أو التقليل من حجمها، وقد انتشرت بعض هذه الادعاءات خارج إسرائيل أيضًا. وتزعم روايات متداولة أن إسرائيل، ورئيس الوزراء بنيامين نتنياهو على وجه الخصوص، كانا على علم مسبق بالهجوم، وأن الجيش استخدم ما يُعرف بـ”توجيه هانيبال” لقتل مدنيين إسرائيليين عمدًا ثم تحميل الفلسطينيين مسؤولية مقتلهم.
ويُعد “توجيه هانيبال” إجراءً عسكريًا إسرائيليًا مثيرًا للجدل، ارتبط بمنع أسر الجنود الإسرائيليين، حتى عندما ينطوي التدخل العسكري على مخاطر جسيمة على حياتهم.
وقد أصبحت الادعاءات المتعلقة باستخدام هذا التوجيه خلال هجوم 7 أكتوبر جزءًا متكررًا من نظريات المؤامرة المتداولة على الإنترنت. غير أن التساؤلات بشأن طبيعة إطلاق النار الإسرائيلي خلال المعارك تختلف عن الادعاءات غير المثبتة بأن إسرائيل دبّرت الهجوم أو نفذت المجزرة عمدًا.
كما سعت روايات أخرى إلى التشكيك في أعداد القتلى الإسرائيليين، مدعيةً أن السلطات الإسرائيلية بالغت فيها عمدًا. ووفقًا للتقرير، انتشرت هذه الادعاءات دوليًا بسرعة خلال الأيام الأولى التي أعقبت الهجوم، وظلت متداولة خلال السنوات اللاحقة.
اتهامات بتعمد الإخفاق لإسقاط نتنياهو
أما الرواية الثالثة، فتزعم أن الجيش الإسرائيلي تعمّد عدم الاستجابة للهجوم على نحو فعّال بهدف إسقاط حكومة نتنياهو. وتتراوح هذه الادعاءات بين اتهام المسؤولين الأمنيين بتجاهل التحذيرات مسبقًا، والزعم بأن سلاح الجو الإسرائيلي تقاعس عن التدخل خلال الساعات الأولى للهجوم.
وأشار التقرير إلى أن هذه الرواية اكتسبت طابعًا سياسيًا متزايدًا، وعادت إلى الواجهة مع اقتراب الانتخابات، في ظل استمرار الأسئلة المتعلقة بالإخفاقات الأمنية التي سمحت لمقاتلين بقيادة حركة حماس باختراق الحدود المحيطة بقطاع غزة.
غياب الإجابات الرسمية يغذي نظريات المؤامرة
وأوضح موقع “FakeReporter” أن استمرار هذه النظريات يرتبط، جزئيًا، ببقاء أسئلة جوهرية بلا إجابات حاسمة بشأن الإخفاقات الأمنية التي سبقت الهجوم ورافقته، فضلًا عن غياب تحقيق رسمي شامل، وهو ما أتاح المجال لانتشار تفسيرات غير موثقة للأحداث.
وحذّر التقرير من أن هذه الروايات قد تشكل خطرًا متزايدًا خلال فترة الانتخابات، عبر التأثير في النقاش السياسي، وتقويض الثقة بالمؤسسات العامة، وتعميق الانقسامات داخل المجتمع الإسرائيلي.
وحدد التقرير تحولات أوسع في طبيعة نظريات المؤامرة، مشيرًا إلى أن روايات ظهرت في البداية بصورة عفوية وسط الارتباك الناجم عن الإخفاقات الأمنية، باتت تُستغل بصورة متزايدة لتحقيق أهداف سياسية. كما أسهم غياب التفسيرات الموثوقة في خلق فراغ معلوماتي استغلته ادعاءات تفتقر إلى الأدلة.
ولفت الموقع إلى أن بعض هذه الروايات تدفع الإسرائيليين إلى النظر إلى الخصوم السياسيين والمتظاهرين والمؤسسات العامة بوصفهم أعداء، بدلًا من اعتبارهم أطرافًا في خلاف سياسي أو مجتمعي.
ونقل التقرير عن نير روزين، الرئيس التنفيذي لموقع “FakeReporter”، قوله: “في صباح الهجوم الذي وقع في 7 أكتوبر، بدأ مستخدمو وسائل التواصل الاجتماعي بطرح تساؤلات بشأن الإخفاق الأمني الذي كان يتكشف أمام أعينهم، لكن هذه التساؤلات تحولت، بتشجيع من جهات سياسية ذات مصالح خاصة، إلى نظريات مؤامرة وأكاذيب مغرضة انتشرت عبر الإنترنت كالنار في الهشيم”.
وأضاف روزين أن استطلاعات الرأي تشير، بحسب قوله، إلى أن شريحة واسعة من الإسرائيليين، بمن فيهم عدد كبير من مؤيدي أحزاب الائتلاف الحاكم، باتوا يصدقون صيغة من صيغ نظرية “الخيانة من الداخل”.
وقال: “هذا هو تحديدًا خطر نظريات المؤامرة؛ إذ إنها تستغل أسئلة حقيقية تستحق البحث والتقصي، ثم تستبدل السعي إلى إجابات قائمة على الأدلة برواية لا تستند إلى أساس موثوق”.
وحذّر روزين من أن التعرض المتكرر لهذه الادعاءات قد يدفع الجمهور إلى التعامل معها باعتبارها حقائق ثابتة، خصوصًا عندما يضخّمها سياسيون ومؤثرون وشخصيات بارزة على الإنترنت.
وأضاف أن آثار هذه النظريات لا تقتصر على الفضاء الرقمي، بل تمتد إلى تقويض ثقة الجمهور بمؤسسات الدولة وتعميق الانقسامات داخل المجتمع الإسرائيلي.
وأطلقت “كتائب القسام” الجناح العسكري لحركة المقاومة الإسلامية “حماس”، في السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023 عملية “طوفان الأقصى” بهجوم واسع استهدف مواقع عسكرية ومستوطنات إسرائيلية في محيط قطاع غزة، وتم خلاله أسر عدد من جنود الاحتلال ومجنديه ونقلهم إلى القطاع.
وجاءت العملية في سياق عقود من الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية والحصار المفروض على قطاع غزة منذ عام 2007.
وأعقب العملية شنّ “إسرائيل” حرب إبادة غير مسبوقة على قطاع غزة، مازالت مستمرة منذ ثلاث سنوات، وترافقت مع قصف وعمليات عسكرية واسعة وحصار وتهجير جماعي وتدمير واسع للبنية التحتية.
وبحسب بيانات وزارة الصحة في غزة، استشهد أكثر من 73 ألف فلسطيني في القطاع، فيما خلصت لجنة التحقيق الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة إلى أن السلطات والقوات الإسرائيلية ارتكبت أفعالًا ترقى إلى الإبادة الجماعية بحق الفلسطينيين في غزة.
وشكّل الهجوم ضربة كبيرة للمنظومة الأمنية والعسكرية الإسرائيلية، وأسفر عن مقتل نحو 1200 شخص واحتجاز 251 آخرين ونقلهم إلى القطاع، وفقًا للحصيلة الإسرائيلية.
كما كشف الهجوم عن إخفاقات استخباراتية وعسكرية واسعة في تقدير قدرات المقاومة الفلسطينية والاستعداد للهجوم والتعامل معه، ما فجّر أزمة ثقة بالمؤسسة الأمنية والحكومة الإسرائيلي.
SOURCE: QUDS PRESS INTERNATIONAL NEWS AGENCY