في ظل الجدل المتواصل بشأن آليات التمثيل الفلسطيني وحق الفلسطينيين في الخارج في اختيار ممثليهم، شدد الناشط الفلسطيني في أوروبا، الدكتور خليل عاصي، على أن إنشاء سجل انتخابي يضمن الاقتراع الحر والمباشر، بعيداً عن التعيين والمحاصصة، يمثل “ضرورة استراتيجية”، مؤكداً أن التحدي الوطني يتجاوز إجراء الانتخابات الفلسطينية أو تأجيلها إلى معالجة أزمة المشروع الوطني وغياب استراتيجية تحررية موحدة.
وقال عاصي، في تصريح خاص لـ”قدس برس”، مساء اليوم السبت، إن الانتخابات الفلسطينية، سواء أُجريت في موعدها المقرر أو أُجّلت إلى أيلول/سبتمبر 2027، لا تكفي وحدها لإحداث تغيير حقيقي في الساحة الفلسطينية، موضحاً أن الأزمة تتجاوز الاستحقاقات الانتخابية لتشمل طبيعة العلاقة بين الشعب والقوى السياسية، وموقع الإرادة الشعبية في مراكز صنع القرار الوطني.
وأضاف أن “الصندوق الانتخابي، على أهميته، لا ينهي الاحتلال، ولا ينتج تغييراً سياسياً حقيقياً، ولا يعالج الأزمات الفلسطينية المتراكمة”، معتبراً أن جوهر المأزق يتمثل في أزمة المشروع الوطني والقيادة، وغياب استراتيجية تحررية موحدة، واستمرار الانقسام الفلسطيني.
وفي معرض حديثه عن تداعيات تأجيل الانتخابات، تساءل عاصي عن مدى قدرة الأشهر العشرة المقبلة على تحقيق ما عجزت عنه عشرون عاماً من الحوارات الفلسطينية، التي لم تفضِ، بحسب تقديره، إلى تشكيل قيادة وطنية موحدة، أو بلورة استراتيجية تحررية، أو إنهاء الانقسام.
وحذّر من أن يتحول التأجيل إلى مجرد استراحة سياسية لإعادة ترتيب الأوراق وتموضع القوى الفلسطينية، تمهيداً لجولات جديدة من التنافس على النفوذ والتمثيل، بدلاً من استثماره في مراجعة المسار الوطني وتصحيح اختلالاته.
وفي المقابل، أشار إلى أن إجراء الانتخابات وفق الآليات التي كانت مطروحة قبل التأجيل كان من شأنه، وفق رؤيته، إعادة إنتاج الواقع الفلسطيني المأزوم، في ظل الاعتماد على المجمعات الانتخابية وما يرافق ذلك من مخاوف بشأن مدى تعبيرها عن الإرادة الشعبية، فضلاً عن وصول أعضاء إلى المجلس الوطني بالتعيين بدلاً من الانتخاب المباشر.
وشدد على أن تجاوز الأزمة يتطلب مراجعات وطنية جادة عبر حوار شامل لا يقتصر على القوى والفصائل السياسية، بل يشمل الشخصيات الوطنية المستقلة والقيادات المجتمعية والمؤسسات الشعبية، بما يعيد الاعتبار إلى الشعب الفلسطيني باعتباره مصدر الشرعية وصاحب الحق في اختيار ممثليه.
السجل الانتخابي مدخل لاستعادة الإرادة الشعبية
وفي سياق متصل، لفت عاصي إلى بروز حراكات شعبية فلسطينية في عدد من الدول الأوروبية، ولا سيما السويد والدانمرك، دفاعاً عن حق الفلسطينيين في انتخاب ممثليهم بالاقتراع الحر والمباشر، ورفضاً للتعيين والإقصاء والمحاصصة.
ودعا إلى تطوير هذه الحراكات والانتقال بها من دائرة الاحتجاج ورد الفعل إلى امتلاك زمام المبادرة، عبر وضع رؤية مستقلة وأدوات عملية تتيح للفلسطينيين في الخارج الإسهام في صياغة الخيارات الوطنية. واعتبر أن إعداد سجل انتخابي للفلسطينيين في الخارج ينبغي ألا يبقى مرتبطاً بموعد الانتخابات أو رهناً بقرارات رسمية قد تتأخر.
وأوضح أن المسؤولية الوطنية تقتضي أن تبادر الهيئات المختصة في منظمة التحرير الفلسطينية إلى وضع خطة عملية لإنشاء هذا السجل، بدءاً من أوروبا، تمهيداً لتمكين الفلسطينيين في الخارج من انتخاب أعضاء المجلس الوطني بالاقتراع الحر والمباشر.
وفي ظل غياب خطوات رسمية ملموسة، طرح عاصي إمكانية إطلاق مبادرة شعبية طوعية للتسجيل، تبدأ في إحدى الدول التي تضم جاليات فلسطينية كبيرة، مثل ألمانيا أو السويد أو الدانمرك أو هولندا، وفق إطار قانوني واضح يضمن حماية البيانات الشخصية وحقوق المسجلين.
وأكد ضرورة أن تكون المبادرة مفتوحة أمام جميع الفلسطينيين المستوفين لشروط التسجيل، وأن تحظى بدعم المؤسسات والاتحادات والتجمعات الفلسطينية، من دون أن تتحول إلى امتداد لأي جهة أو انعكاس لموازين القوى داخلها، مشدداً على أهمية بناء سجل شعبي مستقل تدعمه المؤسسات الفلسطينية.
وأضاف أن نجاح التجربة واستيفاءها متطلبات النزاهة والاستقلالية قد يفتحان المجال أمام تطويرها وتوسيعها لتشمل جاليات فلسطينية أخرى، والاستفادة منها في الاستحقاقات الوطنية والخدمات المجتمعية.
ونبّه إلى أن هذه المبادرة لا تستهدف إنشاء مؤسسات موازية لمنظمة التحرير الفلسطينية أو منازعتها مكانتها التمثيلية، وإنما توفير قاعدة شعبية وتنظيمية يمكن للجهات الوطنية المختصة الاستفادة منها في التحضير لانتخابات مباشرة.
ضمانات قانونية وثقة شعبية
وأشار عاصي إلى أن نجاح مشروع السجل الانتخابي لا يرتبط بالجوانب التقنية والقانونية وحدها، بل يتطلب أيضاً بناء ثقة شعبية واسعة وتعزيز الوعي بأهميته الوطنية، محذراً من أن غياب سجلات انتخابية واضحة للفلسطينيين في أوروبا يبقي آليات التمثيل عرضة للتفاهمات والمحاصصات، ويتيح إعادة إنتاج المجمعات الانتخابية تحت مسميات مختلفة.
وشدد على ضرورة تحديد الجهة المسؤولة عن إدارة المشروع، واعتماد قواعد شفافة للتسجيل والتحقق والرقابة، إلى جانب توفير إشراف مهني وقانوني يضمن حماية البيانات الشخصية ويحول دون احتكار السجل أو توظيفه لمصلحة أي طرف سياسي.
ورأى أن أهمية المشروع تتجاوز الاستعداد للانتخابات، لتشمل توثيق الحضور الفلسطيني في أوروبا، وتعزيز ارتباط الأجيال المتعاقبة بهويتها الوطنية، وتطوير الخدمات الموجهة للجاليات الفلسطينية، بما يعزز مشاركتها في الحياة الوطنية ويحفظ حقوقها وخصوصيتها.
وختم عاصي بالتأكيد أن السؤال المطروح لا يقتصر على موعد إجراء الانتخابات الفلسطينية، بل يمتد إلى ما يمكن للفلسطينيين أنفسهم فعله لامتلاك الأدوات التي تتيح لهم اختيار ممثليهم بإرادتهم الحرة. واعتبر أن بناء السجل الانتخابي للفلسطينيين في أوروبا استثمار استراتيجي لا ينبغي أن يبقى رهناً بالقرارات السياسية، بل يجب أن يتحول إلى مبادرة شعبية تسهم في صون الهوية الفلسطينية وتمكين أبناء الجاليات من المشاركة في صناعة القرار الوطني.
ويأتي هذا الطرح في سياق الجدل الفلسطيني المتواصل بشأن آليات انتخاب المجلس الوطني الفلسطيني، ودور الفلسطينيين في الخارج في تحديد شكل التمثيل الوطني، وسط مطالبات بإتاحة الاقتراع المباشر وتعزيز المشاركة الشعبية، بدلاً من الاعتماد على التعيين أو المجمعات الانتخابية.
ويعيد هذا الجدل طرح أسئلة تتعلق بشرعية المؤسسات الوطنية وآليات تجديدها، ومدى قدرتها على التعبير عن مختلف مكونات الشعب الفلسطيني في الداخل والشتات، في ظل استمرار الانقسام السياسي وتعثر جهود إعادة بناء الوحدة الوطنية.
SOURCE: QUDS PRESS INTERNATIONAL NEWS AGENCY