في أزقة البلدة القديمة بمدينة الخليل جنوبي الضفة الغربية، وعلى مقربة من الحرم الإبراهيمي الشريف، تحتضن المدينة مهرجان العنب السنوي، في مشهد يجمع بين الاحتفاء بمحصول ارتبط باسم الخليل منذ عقود، وتعزيز حضور الفلسطينيين في واحدة من أكثر المناطق الفلسطينية تعرضًا لإجراءات الاحتلال والقيود العسكرية.
ولا تبدو إقامة المهرجان في هذا المكان مجرد فعالية زراعية أو تراثية، إذ تحمل المناسبة دلالات اجتماعية واقتصادية ووطنية، من خلال إعادة الحركة إلى البلدة القديمة، ودعم أصحاب المحال والمزارعين والمنتجين، وتشجيع الفلسطينيين على زيارة المنطقة التي تعاني من تراجع الحركة التجارية نتيجة الحواجز والإغلاقات وإجراءات التضييق.
العنب.. ذاكرة الأرض ومصدر رزق
ويرتبط العنب ارتباطًا وثيقًا بالهوية الزراعية لمحافظة الخليل، التي تشتهر بزراعته وإنتاج عدد واسع من مشتقاته، فيما تحولت مواسم القطاف على مدار السنوات إلى جزء من الحياة الاجتماعية والتراثية للأسر الفلسطينية.
ومن خلال المهرجان، يجد المزارعون والمنتجون فرصة لعرض منتجاتهم والتعريف بها، فيما تتحول الفعالية إلى مساحة تجمع بين الزراعة والتراث والحرف الشعبية والمنتجات المحلية، وتفتح نافذة أمام الجمهور للتعرف على جانب من الموروث الذي تتميز به المحافظة.
لكن العنب بالنسبة للمزارع الخليلي لا يمثل محصولًا موسميًا فحسب؛ فهو علاقة يومية بالأرض، ومصدر دخل لعائلات، ورمز لاستمرار الفلسطيني في زراعة أرضه والحفاظ عليها رغم الظروف الصعبة.
إحياء البلدة القديمة
اختيار البلدة القديمة مكانًا للمهرجان يمنحه بعدًا إضافيًا، في ظل واقع تعيشه المنطقة منذ سنوات نتيجة القيود المفروضة على حركة الأهالي، والإغلاقات التي أثرت على النشاط التجاري، فضلًا عن اعتداءات المستوطنين والإجراءات العسكرية المتكررة.
ويهدف حضور الفلسطينيين في مثل هذه الفعاليات إلى إعادة الحركة إلى المكان، وإبقاء الأسواق والمحال مفتوحة أمام الزوار، وتشجيع الأهالي على الوصول إلى البلدة القديمة والتجول في أزقتها وأسواقها التاريخية.
فصمود البلدة القديمة لا يرتبط فقط ببقاء سكانها في منازلهم، وإنما يرتبط أيضًا باستمرار الحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية فيها؛ فكل فعالية تعيد الناس إلى المكان، وكل متجر يفتح أبوابه، وكل زائر يصل إلى المنطقة، يساهم في إبقاء البلدة حاضرة في المشهد الفلسطيني.
بالقرب من الحرم الإبراهيمي
وتكتسب إقامة المهرجان أهمية خاصة بسبب موقعه القريب من الحرم الإبراهيمي الشريف، الذي يمثل أحد أبرز المعالم الدينية والتاريخية في الخليل.
ويتعرض الحرم ومحيطه منذ سنوات لإجراءات إسرائيلية وقيود على حركة الفلسطينيين، إلى جانب إجراءات تستهدف، وفق جهات فلسطينية، تغيير معالم المنطقة وطابعها التاريخي والديمغرافي.
وفي ظل هذه الظروف، تبدو إقامة فعالية جماهيرية في محيط البلدة القديمة والحرم الإبراهيمي محاولة لإعادة توجيه الأنظار إلى المنطقة وسكانها، والتأكيد على أن المكان لا يزال جزءًا حيًا من المدينة، وليس مجرد منطقة محاطة بالحواجز والإغلاقات.
مهرجان يتجاوز موسم العنب
وبينما يحمل المهرجان اسمه المرتبط بالعنب، فإن رسالته تتجاوز الاحتفال بالمحصول إلى دعم منظومة كاملة من الحياة المحلية؛ من المزارع الذي ينتج العنب، إلى الأسرة التي تصنع مشتقاته، وصولًا إلى التاجر الذي يعرضها في أسواق البلدة القديمة.
كما تمنح الفعاليات من هذا النوع مساحة للحرفيين والمنتجين المحليين لعرض أعمالهم، وتشجع على شراء المنتجات الفلسطينية، بما يعزز الدورة الاقتصادية داخل المدينة ويدعم الفئات التي تعتمد على الزراعة والتجارة والصناعات المنزلية.
وهنا تتقاطع الثقافة مع الاقتصاد؛ فالحفاظ على التراث لا يكتمل من دون الحفاظ على الناس الذين يحملونه، وإحياء المكان لا يمكن أن ينفصل عن توفير مقومات الحياة لمن اختاروا البقاء فيه.
الحضور في مواجهة الإفراغ
وتواجه البلدة القديمة في الخليل تحديًا مستمرًا يتمثل في محاولات الحد من الحركة الفلسطينية في بعض مناطقها، الأمر الذي انعكس على الحياة التجارية والاجتماعية للسكان.
وإعادة تنظيم الفعاليات الثقافية والتراثية والزراعية في المنطقة تكتسب أهمية خاصة، كونها تخلق مناسبات يتواجد فيها الفلسطينيون في المكان، ويعيدون استخدام فضاءاته العامة وأسواقه وأزقته.
فالبلدة القديمة ليست حجارة تاريخية فقط؛ إنها بيوت يسكنها أهلها، ومحال يعمل فيها أصحابها، وأسواق لها ذاكرة، ومساجد ومعالم دينية، وأزقة تحمل تفاصيل حياة أجيال متعاقبة.
العنب في مواجهة الحواجز
وفي المشهد الخليلي، تبدو مفارقة واضحة: موسم العنب الذي يفترض أن يكون مناسبة للفرح والحصاد، يتقاطع مع واقع يواجه فيه المزارعون وأهالي البلدة القديمة قيودًا متعددة.
ومع ذلك، يستمر المزارعون في زراعة كرومهم، وتستمر العائلات في إنتاج مشتقات العنب، وتستمر الأسواق في استقبال المنتجات، فيما يحاول المجتمع المحلي خلق مساحات للحياة رغم الظروف المحيطة.
ومن هنا يتحول المهرجان إلى صورة مصغرة عن قدرة المجتمع على الاستمرار؛ فالاحتفاء بالمحصول هو احتفاء بالمزارع، ودعم المنتج هو دعم للأسرة، والوصول إلى البلدة القديمة هو إسناد لأهلها، وإبقاء الفعاليات فيها هو تأكيد على حضورها.
رسالة من قلب الخليل
وفي نهاية المطاف، يحمل مهرجان العنب رسالة تتجاوز أجواء الاحتفال؛ فهو يعيد وضع البلدة القديمة في قلب المشهد، ويمنح سكانها مساحة للتفاعل والحضور، ويقدم نموذجًا على أن الصمود لا يكون فقط في مواجهة الإجراءات العسكرية، وإنما أيضًا من خلال الحفاظ على تفاصيل الحياة اليومية.
ففي المكان القريب من الحرم الإبراهيمي، حيث تتصاعد محاولات تغيير المشهد وفرض وقائع جديدة، يختار الفلسطينيون أن يحافظوا على حضورهم من خلال الحياة نفسها: زراعة الأرض، وتسويق محصولها، وإحياء تراثها، وفتح الأسواق، واستقبال الزوار.
ويصبح العنب القادم من كروم الخليل جزءًا من حكاية أوسع؛ حكاية مدينة تحاول أن تبقي أبوابها مفتوحة، وبلدة قديمة ترفض أن تتحول إلى مكان مهجور، وأهالٍ يرون في استمرار الحياة أحد أشكال التمسك بالمكان والهوية.
SOURCE: QUDS PRESS INTERNATIONAL NEWS AGENCY