في عورتا، جنوب شرق نابلس، لا تبدو المقامات الدينية مجرد شواهد متناثرة في أرجاء البلدة، بل جزءًا من ذاكرتها التاريخية وهويتها المحلية؛ إذ تضم البلدة نحو 12 مقامًا تاريخيًا ودينيًا، من أبرزها مقامات العزير، والمفضل، والسبعين شيخًا، والمنصوري، والشيخ الزعبي، والشيخ سرور، والشيخ العجمي، إلى جانب مواقع أخرى تنتشر داخل البلدة ومحيطها.
لكن هذه المقامات لم تعد بالنسبة إلى أهالي عورتا مجرد أماكن مرتبطة بذاكرة دينية وتاريخية، إذ تحولت خلال السنوات الماضية إلى مواقع تشهد اقتحامات متكررة لمجموعات من المستوطنين، غالبًا في ساعات الليل أو الفجر، بحماية قوات الاحتلال الإسرائيلي، التي تغلق مداخل البلدة وتفرض إجراءات عسكرية ترافق دخول المستوطنين إلى تلك المواقع.
مقامات تختزن ذاكرة البلدة
ويقول الباحث في التاريخ من بلدة عورتا، عبد السلام عباد، إن المقامات المنتشرة في البلدة تمثل جزءًا مهمًا من تاريخها، مشيرًا إلى مقامات العزير والمفضل والمنصوري والعزيرات وغيرها، وما تحمله من روايات وذاكرة متوارثة لدى السكان.
ويشير عباد في حديثه لـ”قدس برس” إلى أن بعض هذه المقامات يعود في بنيته الحجرية إلى العهد المملوكي، وأنها تشكل جزءًا من المشهد التاريخي القديم للبلدة.
ويلفت إلى تزايد أطماع المستوطنين في هذه المواقع، في ظل محاولات ربطها بشخصيات دينية يهودية، وإعادة تقديمها وفق رواية مختلفة عن الرواية المحلية المتوارثة.
وتبرز في هذا السياق ثلاثة مواقع بصورة خاصة، هي مقام العزير، ومقام المفضل، ومقام السبعين شيخًا المعروف أيضًا بـ”العزيرات”، وهي من المواقع التي تكرر اقتحامها من قبل المستوطنين وإقامة طقوس دينية فيها.
من الرواية إلى الاقتحام
ولا تقف المسألة عند حدود اختلاف الروايات بشأن هوية أصحاب المقامات، كما يقول عباد، إذ يأخذ المشهد على الأرض شكلًا أكثر تعقيدًا، مع دخول قوات الاحتلال إلى البلدة قبل وصول المستوطنين، وانتشارها في الطرق والمداخل، وفرض قيود على حركة السكان، بالتزامن مع دخول الحافلات التي تقل المستوطنين إلى مواقع المقامات.
ويقول الناشط الشبابي حمزة قوارق إن اقتحامات عورتا لا تبدو “أحداثًا عابرة أو مرتبطة بمناسبة واحدة”، بل تتكرر بين حين وآخر، غالبًا خلال ساعات الليل والفجر، عندما تدخل مجموعات من المستوطنين إلى البلدة بحماية قوات الاحتلال، وتتوجه إلى المقامات لأداء طقوس دينية، وسط إجراءات عسكرية ترافق هذه الزيارات.
ويضيف قوارق أن قوات الاحتلال تنتشر في مداخل البلدة والطرق المؤدية إلى المقامات، وتفرض قيودًا على حركة الأهالي، فيما تدخل حافلات تقل مئات المستوطنين إلى البلدة، ويستمر وجودهم لساعات تمتد أحيانًا حتى الفجر.
ويشير لـ”قدس برس” إلى أن بعض الاقتحامات ترافقت مع إغلاق حاجزي عورتا ودير شرف، ما أدى إلى تشديد القيود على حركة المواطنين في المنطقة.
ولا تقتصر الإجراءات على إغلاق الطرق؛ فقد شهدت البلدة في اقتحامات سابقة إجبار أصحاب المحال التجارية على إغلاقها، بالتزامن مع انتشار قوات الاحتلال في الشوارع وتأمين دخول المستوطنين إلى المقامات، الأمر الذي يحول الزيارة إلى حدث يمس تفاصيل الحياة اليومية للسكان، ويجعل الحركة داخل البلدة مرتبطة بساعات الاقتحام وانتهائها.
بوابة لسلب الأرض
ومن زاوية أوسع، يرى الناشط في مقاومة الاستيطان بشار القريوتي أن التعامل مع المقامات لا ينبغي أن يُقرأ بمعزل عن الصراع على الأرض، مشيرًا إلى أن تحويل مواقع فلسطينية تاريخية إلى نقاط زيارة دينية للمستوطنين، ثم تأمينها عسكريًا، يمكن أن يتحول إلى مدخل لفرض حضور دائم في المكان.
وبحسب قراءة القريوتي، فإن الخطورة لا تكمن في إقامة الطقوس الدينية بحد ذاتها، وإنما في المسار الذي قد ينتج عنها عندما تتكرر الزيارات، وترافقها الحماية العسكرية، وتُغلق الطرق، ويُمنع أصحاب الأرض من الوصول أو الحركة بصورة طبيعية.
ومع تكرار المشهد، يقول القريوتي لـ”قدس برس”، يصبح الوجود الاستيطاني في المكان أمرًا متكررًا ومألوفًا، وتتحول الرواية الدينية إلى إحدى الأدوات التي يمكن استخدامها لتبرير السيطرة على مواقع جديدة من الأرض.
ويشير إلى أن تجربة عورتا، في هذا السياق، تستحق القراءة ضمن نمط أوسع في الضفة الغربية، حيث يجري توظيف مواقع دينية أو تاريخية في تثبيت روايات مرتبطة بالمكان، ثم تُستخدم هذه الروايات لتبرير إجراءات عسكرية أو فرض ترتيبات خاصة حول الموقع.
وتزداد خطورة الأمر، وفق هذه القراءة، عندما لا يبقى النشاط محصورًا داخل حدود المقام، بل يمتد إلى الطرق المحيطة به والأراضي المجاورة، بما يجعل المقام نقطة ارتكاز يمكن أن تتوسع حولها السيطرة تدريجيًا.
وتبدو قصة عورتا، في نهاية المطاف، حكاية صراع يتجاوز الحجر والقبة والضريح؛ إنها مواجهة بين ذاكرة محلية متوارثة، وروايات متنافسة على المكان، وإجراءات عسكرية تجعل حضور المستوطنين في المقامات مرتبطًا بإعادة ترتيب حياة البلدة نفسها.
وهكذا، تظل المقامات في عورتا، كما في غيرها من البلدات الفلسطينية، شاهدة على تاريخ البلدة، لكن الاقتحامات المتكررة تجعلها أيضًا شاهدة على معركة أخرى تدور حول الرواية والوجود والسيطرة على المكان؛ معركة يخشى الأهالي أن تبدأ من مقام، لكنها لا تنتهي بالضرورة عند حدوده.
SOURCE: QUDS PRESS INTERNATIONAL NEWS AGENCY