أثارت مقاطع مصورة نشرها صناع محتوى عقب دخولهم مخيم اليرموك للاجئين الفلسطينيين، جنوبي دمشق، استياء بين عدد من أبناء المخيم، بعدما قدمت بعض المقاطع المنطقة بوصفها كتلة مدمرة غير قابلة للسكن، وذهبت إلى طرح إزالة المخيم وإقامة تنظيم عمراني جديد مكانه.
ويرى الأهالي أن تصوير الأبنية المهدمة، ولا سيما في المناطق الأشد تضررا أو المتاخمة للمخيم، ثم تعميم المشهد على كامل اليرموك، يقدم صورة مجتزأة لا تعكس تفاوت الأضرار بين شارع وآخر وبناء وآخر، ويحول معاناة السكان وحقوقهم العقارية إلى مادة لجذب المشاهدات وصناعة “الترند”.
ليست كل الأبنية مهدمة
وقال الناشط أبو ياسر برهم، وهو من أبناء مخيم اليرموك، إن ما يردده بعض صناع المحتوى عن ضرورة إزالة المخيم “كلام غير صحيح” مؤكدا أن اليرموك، على الرغم من الدمار والهدم اللذين طالا أجزاء منه، ما يزال قابلا للترميم وإعادة الحياة إليه.
وأضاف برهم لـ”قدس برس” أن فرقا هندسية معتمدة من الحكومة السورية كشفت في وقت سابق على أبنية المخيم، وحددت الأبنية التي تحتاج إلى إزالة بسبب خطورتها، بينما تبين أن بقية الأبنية صالحة للسكن أو قابلة للإصلاح والتدعيم.
وأكد أن الأفضل للعائلات التي ما تزال منازلها قائمة وصالحة، أو قابلة للترميم، أن تعود إليها، بدلا من البقاء تحت أعباء النزوح والإيجارات المرتفعة.
ودعا برهم صناع المحتوى إلى توخي الدقة، والتمييز بين الأبنية الخطرة التي ينبغي هدمها وبين الأحياء القابلة للاستعادة، قائلا إن “من يريد الشهرة وجمع الإعجابات وصناعة الترند، عليه ألا يفعل ذلك على حساب المخيم وأهله وحقهم في العودة”.
أصوات الإزالة تتكرر
من جهته، استغرب الناشط إبراهيم الشهابي تكرار الأصوات التي تتحدث، بين حين وآخر، عن إزالة مخيم اليرموك، مؤكدا أن واقع المخيم لا يمكن اختصاره في صور الأبنية المدمرة.
وقال الشهابي لـ”قدس برس” إن إحصائية سابقة للأبنية أظهرت أن نحو 80 في المئة منها صالحة للسكن أو قابلة للتأهيل، مقابل نحو 20 في المئة تتفاوت حالتها بين الضرر والحاجة إلى الهدم، مشددا على أن هذه النسبة تبقى تقديرا يحتاج إلى تحديث رسمي وكشف فني لكل بناء على حدة.
وأشار إلى أن بعض المقاطع المتداولة تصور مناطق تابعة لحي التضامن المجاور وتقدمها بوصفها جزءا من مخيم اليرموك، موضحا أن حدود المخيم تضم شارع فلسطين ومناطق واسعة ما تزال أبنيتها قائمة أو مأهولة.
وأضاف أن الدمار يتركز بصورة أكبر في المناطق التي شهدت حصارا ومعارك عنيفة، ولا سيما في بعض الجهات القريبة من شارع راما، بينما تمتد بعد ذلك أحياء وأبنية عاد إليها السكان أو بقيت قابلة للسكن.
وأكد الشهابي أن الأهالي لا يدخلون منازلهم المتضررة من دون الاستعانة بالجهات البلدية أو أصحاب الخبرة للكشف عليها، معتبرا أن الحديث المتكرر عن إزالة المخيم يثير مخاوف السكان من وجود جهات لا تريد لليرموك أن يستعيد حياته ونشاطه.
الضرر متفاوت والحكم للخبرة الفنية
وتكشف المعطيات المنشورة عن تفاوت واضح في تقدير حجم الضرر، إذ تتحدث تقارير ميدانية عن أضرار بدرجات مختلفة طالت أجزاء واسعة من اليرموك، لكنها تميز بين الدمار الكامل والضرر الجزئي والحاجة إلى الترميم، ولا تتعامل مع المخيم كله بوصفه مساحة غير قابلة للسكن.
كما تشهد بعض شوارع المخيم عودة تدريجية للعائلات وافتتاح محال وخدمات، إلى جانب نشاط ورشات إزالة الأجزاء الآيلة للسقوط وترميم المنازل المتضررة.
ويقول الأهالي إن هذه الوقائع لا تنفي حجم الكارثة، لكنها تنقض الأحكام الشاملة التي تساوي بين الأبنية المهدمة كليا وتلك القابلة للإصلاح.
ويرى مختصون في السلامة الإنشائية أن المظهر الخارجي وحده لا يكفي للحكم على البناء، وأن القرار يجب أن يستند إلى فحص الأساسات والعناصر الحاملة والتشققات والهبوط والتشوه، وتصنيف كل عقار ضمن فئات واضحة: صالح للسكن، قابل للتدعيم، أو واجب الإزالة.
عائدون: نريد إعادة البناء لا اقتلاع المخيم
ويؤكد اللاجئ الفلسطيني عامر عارف، من أبناء مخيم اليرموك، أن مطلب العائلات المهجرة ليس الحصول على مساعدات مؤقتة، بل العودة إلى المخيم وإعادة بناء منازلها.
وقال عارف إن الأهالي يريدون العودة إلى بيوتهم، داعيا الجهات الفلسطينية ووكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “أونروا” إلى دعم إعادة البناء وتهيئة شروط العودة.
وتعكس شهادة عارف تمسك أبناء المخيم به بوصفه مكانا للعيش وذاكرة جماعية، لا مجرد كتلة عمرانية يمكن محوها بقرار تنظيمي، مع إقرارهم بأن العودة الآمنة تتطلب إزالة الأبنية الخطرة وإعادة الخدمات الأساسية.
من جهته، قال إياد عبد الله، أحد أبناء المخيم، إن أسرته عادت لتجد منزلين تملكهما داخل اليرموك؛ أحدهما مدمر بالكامل، والآخر متضرر ومتصدع ويحتاج إلى تقييم وترميم.
وتظهر حالة عبد الله أن واقع الأبنية لا يقبل حكما واحدا، وأن التعامل الجدي مع المخيم يبدأ من دراسة كل منزل ومنح أصحابه فرصة الترميم أو إعادة البناء، بدلا من تعميم خيار الإزالة على منطقة تتفاوت فيها درجات الضرر بصورة كبيرة.
بدورها، قالت السيدة أم يزن، وهي من أبناء المخيم، إن الصور التي تركز على الشوارع الأشد دمارا لا تنقل الحياة اليومية للعائلات التي عادت، ولا تظهر المنازل التي رممها أصحابها بإمكاناتهم المحدودة.
وأضافت أم يزن أن منزل أسرتها، مثل منازل كثيرة في اليرموك، يحتاج إلى إصلاحات وخدمات أساسية، لكنه لا يحتاج إلى الإزالة، مؤكدة أن ما يشجع الأهالي على العودة هو توفير المياه والكهرباء والمدارس والمواصلات ودعمهم في ترميم بيوتهم.
ورأت أن مخيم اليرموك ليس مجموعة من الأبنية فقط، بل ذاكرة وحياة اجتماعية وحقوق لعشرات آلاف العائلات، محذرة من أن تتحول الدعوات غير المدروسة إلى إزالة المخيم إلى سبب جديد لقلق الأهالي على بيوتهم وملكياتهم.
بين السلامة وحق العودة
ولا يقلل رفض الدعوات العامة إلى إزالة مخيم اليرموك من ضرورة معالجة الأبنية الآيلة للسقوط، أو منع السكان من دخول العقارات الخطرة قبل الكشف عليها.
غير أن الأهالي يطالبون بأن تجري هذه العملية وفق تقارير فنية معلنة، وبمشاركة أصحاب الحقوق، مع ضمان الملكيات والتعويض العادل وحق العودة إلى الموقع نفسه.
كما يدعون المؤسسات السورية والفلسطينية ووكالة “أونروا” إلى نشر مسح إنشائي محدث، يبين بدقة أعداد الأبنية السليمة والقابلة للترميم والواجبة الإزالة، ويقطع الطريق أمام الأرقام المتضاربة والمحتوى المثير للجدل.
وبينما يحتاج اليرموك إلى مشروع واسع لإزالة الركام وترميم البنى التحتية وإعادة المدارس والمياه والكهرباء، يؤكد أبناؤه أن إعادة الإعمار لا تعني إزالة هوية المكان أو تهجير سكانه مرة أخرى، بل تأمين عودة آمنة تحفظ البيوت والحقوق والذاكرة الفلسطينية في دمشق.
SOURCE: NATIONAL IRAQI NEWS AGENCY