تتصاعد التساؤلات بشأن الآليات المعتمدة لتشكيل المجلس الوطني الفلسطيني، التابع لمنظنة التحرير الفلسطينية، في ظل اللجوء إلى مجمعات انتخابية وتفاهمات سياسية في عدد من دول الشتات، بدلًا من فتح باب الاقتراع المباشر أمام الفلسطينيين، وسط مخاوف من أن تفضي العملية إلى مجلس لا يعكس التنوع السياسي والاجتماعي للشعب الفلسطيني.
ويؤكد مراقبون أن الأزمة تتجاوز الجوانب التنظيمية إلى أسئلة أعمق تتعلق بمشروعية المجلس المقبل، وقدرته على تمثيل الفلسطينيين، والبرنامج السياسي الذي ستتبناه منظمة التحرير الفلسطينية خلال المرحلة المقبلة.
وقال الحقوقي الفلسطيني أيمن أبو هاشم لـ”قدس برس” إن الدعوة إلى الانتخابات جاءت قبل توفير الأرضية السياسية اللازمة لها، إذ لم يسبقها حوار فلسطيني جامع يعالج الانقسام القائم ويخفف حدة الاستقطاب بين الفصائل.
وأوضح أن أي عملية انتخابية تحتاج أولًا إلى اتفاق بشأن الوجهة السياسية العامة وآليات إدارة الصراع، حتى لا تفرز قيادة تعبّر عن رؤية فريق واحد وتزيد حدة الخلافات القائمة.
وأضاف أن القيمة الحقيقية للانتخابات تكمن في قدرتها على إنتاج قيادة تتولى مسؤولية المشروع الوطني بمشاركة مختلف القوى، وليس في إنجاز الاستحقاق من الناحية الشكلية فقط.
وعن الجانب القانوني، أشار أبو هاشم إلى وجود فجوة بين مبدأ الاقتراع المباشر والآلية المستخدمة في عدد من دول الشتات، حيث اقتصر الاختيار على مجمعات انتخابية لم تُعلن بصورة كافية أسس تشكيلها.
وتساءل عن المرجعية التي تحدد استحالة تنظيم الاقتراع في دولة معينة، معتبرًا أن لجنة الانتخابات المركزية هي الجهة التي يفترض أن تعد قوائم الناخبين وتدرس الظروف القانونية والفنية في كل بلد قبل اعتماد أي صيغة بديلة.
ولفت إلى أن بعض الساحات الفلسطينية في الخارج لا تواجه موانع ظاهرة تحول دون التصويت المباشر، ومع ذلك جرى الانتقال فيها إلى المجمعات الانتخابية، الأمر الذي يثير تساؤلات بشأن طريقة اختيار المشاركين والمرشحين.
وأشار إلى أن ما جرى في الكويت والبحرين واجه انتقادات من فلسطينيين رأوا أن المجمعات لم تتشكل بمشاركة كافية من مختلف التيارات والفئات الاجتماعية والجغرافية.
وأكد أن المستقلين يشكلون شريحة كبيرة من الفلسطينيين، إلا أن المجمعات التي تهيمن عليها القوى المنظمة قد لا تمنحهم حضورًا يتناسب مع وزنهم في المجتمع.
كما اعتبر أن التفاهم على اختيار 67 عضوًا من الداخل، بدلًا من الاحتكام إلى التصويت، يفتح نقاشًا حول عدالة توزيع المقاعد، ومدى استقلال المجلس عن تأثير الجهة التي تشرف على تشكيله.
ودعا أبو هاشم، في حال تعذر تنظيم الانتخابات فعليًا، إلى إسناد العملية إلى لجان مستقلة تضم ممثلين عن الفصائل والمستقلين والمؤسسات المجتمعية، وتضع قواعد واضحة ومعلنة لاختيار أعضاء المجمعات والمرشحين.
من جهته، قال الكاتب السياسي ورئيس تحرير مجلة “الهدف” (تتبع الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين) محمد أبو شريفة إن اختلاف مواقف الفصائل المشاركة في اللجان التحضيرية يرتبط بتباين برامجها وقراءتها للظروف الفلسطينية الراهنة، ولا سيما في ظل استمرار العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة.
وأوضح لـ”قدس برس” أن التعامل مع الاستحقاق الانتخابي بمعزل عن هذه الظروف يقلل من قدرته على إحداث إصلاح حقيقي، مشددًا على ضرورة إشراك القوى السياسية والفعاليات الثقافية والاجتماعية في صياغة المرحلة المقبلة.
ورأى أن الانتخابات يمكن أن تسهم في إصلاح المؤسسات إذا جاءت ضمن مسار ينهي الانقسام ويعيد بناء الوحدة الفلسطينية على قاعدة الشراكة، لا إذا تحولت إلى خطوة أحادية تعمق الخلاف الداخلي.
وأضاف أن تحديد مواعيد الاقتراع وآلياته كان ينبغي أن يأتي بعد لقاء وطني موسع، يتفق خلاله الفلسطينيون على قواعد العملية وضمان نزاهتها وشفافيتها، ويلتزمون باحترام ما تسفر عنه.
وحذر من احتكار القرار أو إخضاع الانتخابات لحسابات حزبية ضيقة، مطالبًا الجهة المشرفة عليها بالاضطلاع بمسؤوليتها تجاه الفلسطينيين في الضفة الغربية والقدس وقطاع غزة.
وأشار أبو شريفة إلى أن جوهر الخلاف يتعلق بحجم المشاركة الشعبية المطلوبة، وبكيفية اختيار أعضاء المجلسين الوطني والتشريعي والرئيس الفلسطيني، وليس بالخلاف على إجراءات فنية محدودة.
ولفت إلى مبادرة الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، المعروفة باسم “خارطة الطريق من أجل الإنقاذ الوطني”، والتي تقترح مرحلة انتقالية تهتم باحتياجات الفلسطينيين وتعزيز صمودهم، إلى جانب اجتماع الأمناء العامين وصوغ برنامج موحد يؤكد إنهاء الاحتلال وحق تقرير المصير.
وأوضح أن إجراء الانتخابات من دون تفاهمات وطنية وضمانات سياسية وأمنية قد يفتح مواجهة جديدة بشأن الجهة التي تملك الشرعية وحق التمثيل، مشيرًا إلى أن تشكيل المجلس في ظل اعتراض قوى مؤثرة سيضيف أزمة جديدة إلى الأزمات القائمة.
ويبقى قبول المجلس الوطني المقبل مرهونًا بوضوح آليات تشكيله واتساع المشاركة فيه، إذ لا يكفي اكتمال عدد أعضائه لإثبات قدرته على تمثيل الفلسطينيين، ما لم تستند العملية إلى قواعد شفافة وشراكة وطنية واسعة.
ويُعد المجلس الوطني الفلسطيني الهيئة التشريعية العليا لمنظمة التحرير الفلسطينية، والإطار التمثيلي الأوسع للشعب الفلسطيني في الداخل والشتات.
تأسس المجلس مع إنشاء منظمة التحرير عام 1964، ويتولى إقرار السياسات والبرامج العامة للمنظمة وانتخاب لجنتها التنفيذية، ما يجعل تركيبته مؤثرة في تحديد توجهها السياسي.
ويتشكل المجلس من ممثلين عن التجمعات الفلسطينية والقوى والفصائل والقطاعات المختلفة، وفق آليات انتخاب أو اختيار تختلف بحسب الظروف في كل ساحة.
وبلغ عدد أعضائه في إحدى أبرز تشكيلاته نحو 765 عضوًا، فيما يتركز الجدل حاليًا حول مدى شمول عملية التشكيل لمختلف القوى والمستقلين، وضمان تمثيل فلسطينيي الداخل والشتات، وآليات اختيار الأعضاء ومدى توافقها مع مبدأ التمثيل الشعبي.
SOURCE: QUDS PRESS INTERNATIONAL NEWS AGENCY