على طرقٍ مدمّرة، وبين بيوتٍ تحولت إلى ركام، عاد آلاف الغزيين إلى مناطقهم، رغم الغياب شبه الكامل لمقومات الحياة. لم تكن عودتهم ثمرة تحسّن في الظروف، بل قرارًا واعيًا اتخذه أناس أنهكتهم الغربة، فاختاروا غزة… مهما كان الثمن.
هنا، لا يتحدث العائدون عن رفاهية أو أمان، بل عن كرامة وانتماء لا يقبلان المساومة. لم يجدوا بيوتًا بانتظارهم، بل جدرانًا مهدّمة، وشوارع بلا بنية تحتية، وخدمات شبه معدومة. لا مياه منتظمة، ولا كهرباء، ولا مدارس أو مراكز صحية تعمل بكامل طاقتها. ومع ذلك، عبروا بوابة رفح، ووطئت أقدامهم غزة من جديد.
يروي العائدون أن تجربة النزوح لم تكن مجرد انتقال جغرافي، بل كسرًا نفسيًا عميقًا. الاكتظاظ، فقدان الخصوصية، الاعتماد الكامل على المساعدات، والخوف الدائم من المجهول؛ عوامل دفعت كثيرين إلى تفضيل العودة، رغم المخاطر، على حياة معلّقة خارج الوطن.
ويرى مختصون اجتماعيون أن هذه العودة تعكس رغبة جماعية في استعادة السيطرة على الحياة، ولو في حدّها الأدنى، بعد أن سُلبت من الناس لفترات طويلة.
وتحمل عودة الأهالي رسالة واضحة تتجاوز البعد الإنساني إلى السياسي: غزة ليست مساحة مؤقتة يمكن تفريغها، وأهلها ليسوا أرقامًا قابلة للنقل. فبالنسبة لكثيرين، يعني الخروج مرة أخرى بداية اقتلاع جديد لن يسمحوا بتكراره.
ويؤكد العائدون أن قرارهم ليس تحديًا للموت، بل رفضًا لحياة معلّقة في المجهول، وإصرارًا على البقاء حيث الجذور والذكريات.
“لن نخرج منها بعد اليوم، ما رأيناه خارج غزة موت لا يمكن النجاة منه”، بهذه الكلمات تختصر المواطنة لمياء ربيع لحظاتها الأولى بعد العودة، ومرارة العامين اللذين عاشتهما خارج القطاع عقب سفرها للعلاج مع زوجها، الذي توفي في الخارج.
تقول ربيع لـ”قدس برس”: “لم تكن لحظات الانتظار للدخول سهلة. خلال التحقيق قالوا لي إنهم سيحضرون بقية أولادي ويوصلوننا إلى الدولة التي نختارها. ساوموني على أطفالي لتهجيرنا”.
وتضيف أنها تعرضت لتفتيش قاسٍ وإهانات داخل غرف التحقيق الإسرائيلية المقامة على طريق العائدين عبر معبر رفح البري.
وتساوي ربيع لحظة احتضانها لابنتيها، بعد عامين من الغياب القسري، بكنوز الدنيا كلها.
ولا يختلف الحال كثيرًا لدى هدى أبو عابد، التي قالت: “الحمد لله أن عدتُ لها، ولن أخرج منها”، واصفة حبها للقطاع بقولها: “نار غزة ولا جنة غيرها”.
وأكدت أبو عابد لـ”قدس برس” أن جنود الاحتلال فتشوا جميع أغراضهم تفتيشًا ذاتيًا ومهينًا، دون أي مراعاة للحقوق أو الكرامة الإنسانية.
وأضافت: “صادروا كل شيء تقريبًا باستثناء الملابس، وحققوا معنا وسألونا عن كل ما جرى في غزة ونحن خارجها، رغم أننا لا نعلم شيئًا”.
وأشارت إلى أن معاملة الجانب المصري والطاقم الأوروبي كانت جيدة، لكنها استدركت: “الاحتلال أذلّ الناس، وحاول منعنا من العودة، وعرض علينا التوجه إلى أماكن أخرى”.
وشددت بالقول: “هل العودة للأهل والأحباب ندم؟ لا وألف لا. حتى لو دُمّرت بيوتنا، فبلدنا غير كل البلاد”.
من جانبه، أكد الكاتب والمحلل السياسي محمد أبو قمر أن القيود المفروضة على معبر رفح لا يمكن فصلها عن الأهداف الإسرائيلية منذ اللحظة الأولى للحرب على قطاع غزة، حيث جعل الاحتلال من التهجير هدفًا مركزيًا، وسخّر تحركاته العسكرية والسياسية لتحقيقه، بما في ذلك سيطرته على المعبر في السابع من مايو/أيار 2024.
وأوضح أبو قمر، في حديثه لـ”قدس برس”، أن الهدف الأساسي من هذه السيطرة كان منع عودة المواطنين إلى القطاع، مقابل فتح مسار واحد للخروج عبر معبر كرم أبو سالم، في سياق واضح لدفع السكان نحو المغادرة القسرية.
وأضاف أنه رغم دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ، وما نصّ عليه من إعادة فتح معبر رفح في مرحلته الأولى، فإن الاحتلال ماطل في تنفيذ هذا البند، وربطه بشكل متعمد بملف الأسرى، خلافًا لما ورد في نص الاتفاق، في محاولة لعرقلة فتح المعبر لأطول فترة ممكنة.
وبيّن أن ضغوط الوسطاء دفعت الاحتلال في نهاية المطاف إلى فتح المعبر، لكنه حاول قصر عمله على اتجاه واحد فقط، قبل أن تصرّ مصر على تشغيله في الاتجاهين، وهو موقف يُحسب لها، حيث جرى الاتفاق على أن يكون عدد العائدين مساويًا لعدد المغادرين.
وأشار أبو قمر إلى أن الاحتلال لجأ لاحقًا إلى وضع عراقيل إضافية، أبرزها تقليص أعداد المغادرين، وبالتالي الحد من أعداد العائدين، إضافة إلى إخضاع العائدين لإجراءات تفتيش عبر بوابات إسرائيلية، ما أفقد المعبر طابعه المصري-الفلسطيني، وحوّله فعليًا إلى نموذج مشابه لمعبر كرم أبو سالم أو معبر إيرز سابقًا.
وشدد على أن هذه السياسات تهدف إلى إفراغ اتفاق إعادة فتح معبر رفح، وفق اتفاقية عام 2005، من مضمونه، وإظهار الاحتلال كجهة تحكم نهائية في المعبر، ضمن أجندة سياسية وأمنية، ورسائل داخلية يوجهها رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو لحكومته اليمينية المتطرفة، خاصة في عام انتخابي.
بدوره، أكد رئيس الهيئة الدولية للدفاع عن حقوق الشعب الفلسطيني “حشد”، صلاح عبد العاطي، أن شهادات العائدين تكشف عن نمط ممنهج من الإذلال الجماعي والعقاب النفسي عند حاجز التفتيش الإسرائيلي أمام معبر رفح.
وأوضح أن الانتهاكات شملت الضرب، والتفتيش الجسدي المهين، والتقييد لساعات طويلة، وسلب المتعلقات الشخصية، والتهديد بالقتل أو الاعتقال، إضافة إلى إعادة حافلات كاملة بعد السماح لها بالوصول، حيث سُمح بدخول حافلة واحدة فقط من أصل ست، دون أي مبرر قانوني.
وأشار عبد العاطي إلى خطورة الشهادات التي تحدثت عن مشاركة عناصر من ميليشيات مسلحة مدعومة من الاحتلال في عمليات التفتيش والتنكيل، ما يشكل تصعيدًا خطيرًا وتفويضًا غير قانوني لممارسة الانتهاكات بحق المدنيين.
وأكد أن هذه الممارسات ترقى إلى مستوى المعاملة القاسية واللاإنسانية والمهينة، المحظورة بموجب اتفاقية جنيف الرابعة، والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، وتشكل انتهاكًا جسيمًا لكرامة الإنسان الفلسطيني، لا سيما النساء وكبار السن والمرضى.
وختم عبد العاطي بالتشديد على أن فتح معبر رفح بهذه الشروط يظل شكليًا، ويمثل انتهاكًا لاتفاقية المعابر لعام 2005، وللقانون الدولي الإنساني، ولقرارات مجلس الأمن، داعيًا الوسطاء والمجتمع الدولي إلى تحمل مسؤولياتهم القانونية والأخلاقية، والضغط لضمان فتح المعابر، وحرية الحركة بكرامة، ورفع الحصار عن قطاع غزة.
في غزة، العودة ليست نهاية المعاناة، لكنها بداية موقف. موقف يقول إن هذه الأرض، مهما اشتد عليها الخراب، لا تُترك. فهؤلاء العائدون لا يبحثون عن حياة سهلة، بل عن حياة لهم… في غزة، وإلى الأبد.
وسيطرت “إسرائيل” على المعبر الحدودي، في أيار/مايو 2024، بعد نحو تسعة أشهر من اندلاع الحرب على غزة. وتوقفت الحرب بشكلٍ هش بعد وقف إطلاق نار دخل حيز التنفيذ في أكتوبر (تشرين الأول)، بوساطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب. وكانت إعادة فتح المعبر من المتطلبات المهمة ضمن المرحلة الأولى من خطة ترمب الأوسع نطاقاً، لوقف القتال بين الاحتلال وحركة حماس.
ومنعت قوات الاحتلال الإسرائيلي عشرات الفلسطينيين من العودة إلى قطاع غزة عبر “معبر رفح” في خرق جديد لاتفاق وقف إطلاق النار، وسط شهادات صادمة أدلى بها العائدون فور وصولهم.
وذكرت مصادر صحفية، أن 30 عائدًا من أصل 42 فلسطينيًا حاولوا دخول قطاع غزة مساء الاثنين، مُنعوا من الدخول وأُعيدوا إلى الجانب المصري، بعد إخضاعهم للتحقيق في أكثر من نقطة خلال رحلة العودة.
وأوضحت المصادر أن مسلحين مقنّعين تابعين للاحتلال أوقفوا العائدين عند حاجز يبعد نحو 500 متر عن معبر رفح، قبل أن يتم تسليمهم إلى نقطة تابعة لقوات الاحتلال، حيث جرى التحقيق معهم ومصادرة أغراضهم الشخصية.
وفي السياق ذاته، أعلنت “وزارة الداخلية والأمن الوطني” في غزة أنها تابعت إعادة عمل معبر رفح بعد فتحه، الاثنين الماضي، مشيرة إلى مغادرة 8 مواطنين من المرضى ومرافقيهم قطاع غزة، فيما وصل إلى القطاع في ساعة متأخرة من الليل 12 مواطنًا فقط، بينهم 9 نساء و3 أطفال، حيث قُدمت لهم الرعاية الفورية واستُكملت إجراءات وصولهم.
وأكدت الوزارة أن ما جرى يعكس استمرار الاحتلال في انتهاك اتفاق وقف إطلاق النار، وتهديده المباشر للعائدين إلى القطاع.
QUDS PRESS INTERNATIONAL NEWS AGENCY