لم تعرفه أمه يومًا كما عرفه الناس لاحقًا من خلف الشاشة، بالنسبة إليها، لم يكن صوتًا ينتظره الملايين، ولا اسمًا تتناقله نشرات الأخبار، بل كان قبل كل شيء طفلًا هادئًا قليل الكلام، لا يخاصم إخوته، ولا يبوح كثيرًا بما يدور في داخله.
تستعيد أم صهيب الكحلوت أيام حذيفة من طفولته الأولى في السعودية، حيث وُلد عام 1985 في حي القصب بمنطقة سراة عبيدة جنوب المملكة، وعاش سنوات دراسته الابتدائية هناك، قبل أن تنتقل الأسرة إلى غزة عام 1998، وتستقر في مخيم جباليا.
كان الهدوء أول ما يلفت والدته في شخصيته. تقول لـ”قدس برس”، إنها لم تتذكر يومًا أنه تشاجر مع أخ أكبر منه أو دخل معه في مشادة، وكان قليل الكلام إلى درجة جعلتها تظن، في سنواته الدراسية الأولى، أنه لا يهتم كثيرًا بالدرجات.
لكن موقفًا صغيرًا في الصف الثالث الابتدائي كشف لها جانبًا آخر من شخصيته، فبعد انتهاء الامتحانات، كان والده، الذي يعمل مدرسًا، يستعد للعودة إلى المدرسة لمتابعة رصد الدرجات، حين أخبرها أن حذيفة حصل على 49.5 من 50 في الرياضيات. لم تتوقع الأم أن يكون نصف العلامة سببًا لكل ذلك الحزن؛ فقد بكى الطفل بحرارة، فيما كانت هي تحاول مواساته وتخبره بأنه متفوق وأنه من الأوائل.
يومها قال له والده، ممازحًا، إن الطفل الذي كانت أمه تظنه غير مكترث بالدرجات كان يبكي على نصف علامة.
تضيف أن تلك اللحظة جعلتها تدرك أن وراء هدوئه مشاعر كثيرة لا يُظهرها بسهولة، ليتحول من طفل هادئ إلى شاب يحمل أسئلة أكبر من عمره.
ومع انتقال الأسرة إلى غزة، بدأت البيئة الجديدة تترك أثرها في وعيه وشخصيته. وفي سنوات دراسته، ظهرت لديه اهتمامات مبكرة بدراسة الهندسة، قبل أن يتجه لاحقًا إلى دراسة أصول الدين.
وتستعيد والدته واقعة من سنواته الأولى في غزة، حين طلب من المدرسة، وهو في الصف الخامس، كتابة موضوع إنشائي عن المهنة التي يتمنى أن يعمل بها مستقبلًا؛ كتبت في ذهنها صورة طفل صغير يتحدث عن المستقبل، لكنها فوجئت باختياره الهندسة الكهربائية، متأثرًا بشخصية محمود أبو الهنود (قيادي في كتائب القسام استشهد 2001 بنابلس) ، والذي كان فاعلًا في العمل المقاوم آنذاك.
تتابع أن سنوات الانتفاضة والأحداث التي شهدتها غزة تركت بدورها أثرًا واضحًا في جيله، إذ كان يتابع ما يجري حوله ويشارك في الفعاليات العامة، بينما كانت الأسرة تراقب نمو شخصيته وتغير اهتماماته، لتظهر قدرته على الإلقاء والتحدث أمام الآخرين، حيث شارك في الإذاعة المدرسية، وتولى تقديم فقرات وفعاليات، وكان المدرسون يلاحظون طلاقته وقدرته على الحديث أمام الجمهور.
تستكمل والدته: بعد حصوله على الثانوية العامة بمعدل 92.5%، وجد نفسه أمام الخيارات المعتادة التي كانت تجذب المتفوقين، وفي مقدمتها الطب والهندسة، لكنه اختار أصول الدين، بناءً على توجيه الشيخ نزار ريان (استشهد بقصف منزله في جباليا 2009) حيث ترى والدته أن سنوات الدراسة في هذا التخصص عززت لديه هذا الجانب، وأضافت إلى شخصيته التي كانت تتشكل منذ الطفولة.
ومع مرور السنوات، بدأت الأسرة ترى ابنها يتحول تدريجيًا إلى شخصية عامة، بينما ظل داخل البيت قريبًا من الصورة الأولى التي عرفتها أمه: هادئًا، متواضعًا، قليل الحديث، ومحبًا لأسرته.
وتشير والدته إلى أنه، ومع ظهوره الإعلامي المتكرر، وخاصة خلال الحروب، أصبح صوته وصورته معروفين على نطاق واسع.
لكن الشهرة لم تكن بالنسبة إليه هدفًا، حيث إنه كان ينزعج من المديح، ففي إحدى المرات نقلت إليه سلامًا من سيدة وصفته فيه بالبطل، فطلب منها ألا تنقل إليه مثل هذه العبارات، وألا يخبره أحد بأن الناس يمدحونه، قائلًا: “لا تعينوا الشيطان عليّ”، كان يخشى، كما تفهم والدته، أن يتحول الاهتمام به إلى مصدر غرور، ولذلك كان يحاول الفصل بين الشخص الذي يظهر أمام الكاميرا، والإنسان الذي يعيش حياته اليومية بعيدًا عنها.
ولعل أكثر ما يلفت في شهادتها أن من كان يظهر للجمهور بصورة شديدة الحضور أمام الكاميرا، كان داخل أسرته شخصًا بسيطًا يشارك في أعمال المنزل، ويرتب وينظف ويغسل الأواني، ويستجيب لطلبات والدته دون تذمر.
تستعيد موقفًا بقي عالقًا في ذاكرتها: أيقظته ذات فجر، وطلبت منه أن يصعد إلى سطح المنزل لإصلاح أنابيب المياه بعد أن أتلفت، وكان يومها قد عاد من مهمة عسكرية ساعة الفجر، لكنه لم يتذمر أو يسأل لماذا عليه أن يفعل ذلك؛ استيقظ، صعد، أصلح ما يلزم، ثم عاد إلى النوم.
وفي حياته الأسرية، تصفه والدته بأنه كان حنونًا مع زوجته وأطفاله، حاضرًا في التفاصيل التي قد لا يراها الناس، كان، بحسب روايتها، لا ينتظر زوجته لتقوم بكل ما يتعلق بأطفالها، بل كان يحمل الصغير، يساعده في ارتداء حذائه، ويهتم بشؤونه اليومية.
أما الجانب الآخر فكان يظهر في البيت: ابنًا بارًا، وأخًا هادئًا، وزوجًا وأبًا يهتم بأسرته، خلافًا لما يظهر على الشاشة.
خلال حرب الإبادة على غزة، كانت أم صهيب تتابع نجلها خلال خطاباته بعين مختلفة عن عيون المشاهدين، فالناس كانوا ينتظرون البيان، والأخبار، والتطورات؛ أما هي فكانت تبحث عن شيء آخر: هل يبدو بخير؟ هل تظهر عليه علامات التعب؟ هل يبدو كاملًا كما اعتادته؟
تقول إنها كانت أحيانًا تعجز عن النظر مباشرة إلى الشاشة، فتكتفي بسماع صوته من الغرفة الأخرى، بينما يبقى قلبها معلقًا بما تسمعه.
وخلال الحرب، ازدادت مخاوف الأم مع الأخبار المتكررة التي كانت تتحدث عن استهدافه أو مقتله. لذلك لم تكن تطمئن إلى ما تسمعه من الآخرين، وكانت تنتظر ظهوره بنفسها.
تروي أنه في أحد اللقاءات التي أثارت قلقها، بدا عليها التأثر الشديد وهي تستمع إليه، وتقول إن شعورها كأم كان مختلفًا تمامًا عن شعور الجمهور، فلم تكن تسمع الكلمات فقط؛ كانت تسمع التعب الذي خلفته سنوات الحرب والقلق والخسارات.
مع الحرب، أصبح الانتظار أكثر قسوة. كانت والدته تترقب كل ظهور له، لا لتعرف فقط ما سيقال في البيان، وإنما لتتأكد من أنه ما زال حيًا.
تقول إنها كانت تراقب تفاصيل الصورة؛ حركة يده، وقوفه، ملامحه، وكل ما يمكن أن يطمئنها إلى أنه بخير، ومع استمرار الحرب وتزايد الضغوط والخسائر، بدأت تشعر بأن شيئًا ما تغير. كانت ترى التعب في صوته وهيئته، وتشعر بأن العبء الذي يحمله أصبح أثقل.
وتتابع أن كل قصف كان يصل إليها بطريقة مختلفة، وأنها كانت تشعر بألم ابنها حتى عندما لا يكون أمامها، لم تكن تعرف ما سيأتي، لكنها كانت تشعر بأن السنوات الطويلة من الحرب والقلق والخذلان تركت أثرها عليه.
وعن لحظة استشهاده، تقول أم صهيب إنها كانت وابنتها في مكان عام، ولم يكن معهما هاتف، إلا أن ما حدث أثار قلقها، فقد كانت تنتظر أحد أبنائها ليصطحبها وابنتها للبيت، ولكنه تأخر، وما إن وصل إليهما بعد وقت طويل بدا عليه القلق، لتستفسر عما حدث، دون أن يخبرها أحد بشكل مباشر عن الأمر؛ ظلت تسأل طوال الطريق، بينما كانت الإجابات مؤجلة إلى أن يصلوا إلى المنزل، وعندما عرفت، لم يكن الأمر فقدان شخص واحد فقط. كان الخبر يحمل معه سلسلة من الفواجع التي طالت العائلة بأكملها، ولم يبقَ سوى إبراهيم.
حتى لحظة الوداع لم تكن كما تتخيلها الأم. تقول إنها لم تتمكن من توديع أبنائها وأحفادها الذين فقدتهم الحرب، وإن كثرة الفقد جعلت الحزن أكبر من أن تستوعبه لحظة واحدة.
أما اللقاء الأول مع إبراهيم، نجل أبو عبيدة، فلم تكن لتصفه كلمات سوى تكرار الدعوات بأن يصبره الله ويربط على قلبه فقده لعائلته بأكملها.
وبعد رحيله، بقيت صورته في ذاكرة والدته مرتبطة بتفاصيل أبعد بكثير من الشاشة، فكل صورة تظهر له على مواقع التواصل تعيد إليها ابنًا تعرفه هي وحدها؛ الطفل الذي بكى يومًا على نصف علامة في الرياضيات، والشاب الذي كان يساعد في أعمال المنزل، والأب الذي كان يحمل أبناءه، والابن الذي لم يكن يحب المديح.
تقول إن أكثر ما يخفف عنها ألم الفقد أنها كانت تعرف أن سنوات الحرب أثقلت كاهله، وأنها كانت ترى في ملامحه ما لا يراه الآخرون، ولهذا، حين تستعيده اليوم، لا تتحدث فقط عن الرجل الذي عرفه العالم، بل عن طفل صغير ظل، في نظرها، حاضرًا خلف كل تلك الصور، فوراء الاسم الذي عرفته الشاشات، كانت هناك أم تعرف تفاصيل أخرى؛ تعرف صمته، وقلقه، وحنانه، وحرصه على ألا يكبر في عيون الآخرين أكثر مما ينبغي.
وبينما يكتب الناس سيرته من خلال ظهوره العام، تظل هي تكتبها من الذاكرة: من غرفة البيت، ومن مقعد المدرسة، ومن حكاية نصف علامة، ومن يد صغيرة كانت تمسك بأيدي إخوته، ومن ابن لم يكن كثير الكلام، لكنه ترك في قلب أمه من الحكايات ما يكفي لعمر كامل.
SOURCE: QUDS PRESS INTERNATIONAL NEWS AGENCY