يحلّ عيد الأضحى على غزة للعام الثالث منذ بدء حرب الإبادة عام 2023، لكن دون أي من ملامحه التي عرفها الفلسطينيون لعقود. فالعيد الذي كان يرتبط بالأضاحي والزيارات العائلية وروائح الطعام، بات اليوم مناسبة ثقيلة تحضر فيها الخيام بدل البيوت، وطوابير المساعدات بدل الأسواق، والجوع بدل الفرح.
في قطاع يعيش واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في تاريخه، تحوّل الحصول على وجبة طعام إلى معركة يومية، بينما تبدو مظاهر العيد رفاهية بعيدة عن متناول معظم العائلات.
في مخيمات النزوح الممتدة من رفح إلى دير البلح وغزة والشمال، لم يعد الأطفال يتحدثون عن ملابس جديدة أو ألعاب أو أضاحٍ، بل عن الخبز والماء ووجبة تسدّ رمقهم. تقول أم محمد البدرساوي، النازحة من مدينة غزة، إن العيد كان مناسبةً لاجتماع العائلة وشراء الأضحية وتوزيع اللحوم، وإنه كان يحمل طقوساً لا تشبه أي مناسبة أخرى. اليوم، كما تقول، يأتي العيد محمّلاً بذكرى البيت المهدّم، وبأسماء الشهداء الذين كانوا يصنعون الفرح، وبعجز الأسرة عن تأمين قوت يومها.
وتضيف أن الانهيار الاقتصادي، وندرة السلع، وارتفاع تكاليف النقل، والحصار، واستمرار سقوط الشهداء، كلها عوامل سرقت من العيد أي معنى للبهجة.
أما مهدي حسونة، النازح في مواصي خان يونس، فيستعيد مشهداً كان يتكرر كل عام: شراء الأضحية قبل أيام من العيد، التفاف الأطفال حولها، وإدخال الفرح إلى البيت منذ لحظة وصولها. اليوم، كما يقول، لم يبقَ بيت ولا فناء ولا أضحية. ويضيف أن القدرة على شراء كيلوغرام واحد من اللحم باتت حلماً بعيداً، بعدما دُمّرت المدينة وتحولت مساحاتها المفتوحة إلى مخيمات مكتظة.
تاجر المواشي رامي دكّة، الذي دُمّرت مزرعته خلال الحرب، يصف وضع الثروة الحيوانية في غزة بأنه “الأقسى في تاريخ القطاع”. فالحرب لم تدمّر المزارع فقط، بل قضت على المواشي ومنعت إدخال الأعلاف، ما أدى إلى انهيار شبه كامل للقطاع. ويشير إلى أن سعر الخروف ارتفع من نحو 1500 شيكل قبل الحرب (450 دولاراً) إلى ما يقارب 15 ألف شيكل حالياً (نحو 5000 دولار)، ما جعل الإقبال على الأضاحي يتراجع إلى أقل من 5 بالمئة. ويؤكد أن ما يتوفر في الأسواق اليوم هو كميات محدودة من الإنتاج المحلي، في ظل غياب شبه كامل للعجول المستوردة.
ومع استمرار القصف والنزوح، فقدت غزة طقوس العيد معناها التقليدي. فبدلاً من التحضير لصلاة العيد والزيارات العائلية، ينشغل السكان بالبحث عن مكان آمن لأطفالهم، أو عن وجبة تكفي ليوم واحد. وتخيّم على آلاف العائلات ذكرى منازل مدمرة وأحبة غابوا، بينما يعيش الناجون في خيام تفتقر لأبسط مقومات الحياة.
في غزة اليوم، لا أضاحي ولا ملابس جديدة ولا موائد عامرة. هناك فقط عيد يحاول الناس أن يمرّ بأقل قدر من الألم، في انتظار يوم يعود فيه الفرح إلى بيوت لم يبقَ منها سوى الركام.
وبدأ اليوم الأربعاء أول أيام عيد الأضحى المبارك، بعد وقوف ملايين المسلمين على صعيد عرفات أمس الثلاثاء، بينما يستقبل الفلسطينيون العيد وسط ظروف استثنائية تُثقل حياتهم وتؤجل فرحتهم عاماً بعد عام.
SOURCE: QUDS PRESS INTERNATIONAL NEWS AGENCY