تتصاعد اعتداءات المستوطنين في الضفة الغربية ضد القطاع الزراعي الفلسطيني، في مشهد يعكس سياسة ممنهجة تستهدف الأرض والإنتاج الزراعي ومصادر رزق آلاف العائلات الفلسطينية. وتتخذ هذه الاعتداءات أشكالاً متعددة، تشمل حرق محاصيل القمح، واقتلاع أشجار الزيتون المعمرة، وسرقة المحاصيل الزراعية، وإطلاق قطعان الأغنام للرعي الجائر داخل الأراضي المزروعة.
وتأتي هذه الانتهاكات في توقيت بالغ الحساسية، بالتزامن مع موسم حصاد القمح والاستعداد لموسم زيتون يُتوقع أن يكون من المواسم الواعدة، ما يضاعف حجم الخسائر الاقتصادية التي يتكبدها المزارعون الفلسطينيون.
ولا تقتصر آثار هذه الاعتداءات على الأضرار المباشرة التي تلحق بالمزارعين، بل تمتد لتطال الأمن الغذائي والاقتصاد الريفي الفلسطيني، في ظل اعتماد آلاف الأسر على الزراعة كمصدر دخل رئيسي، وسط ظروف اقتصادية صعبة وارتفاع معدلات البطالة والفقر.
استهداف الموسم الزراعي في ذروة الإنتاج
مع انطلاق موسم حصاد القمح، صعّد المستوطنون هجماتهم على الأراضي الزراعية، في محاولة لضرب الموسم في أكثر مراحله حساسية، عندما تكون المحاصيل جاهزة للحصاد بعد أشهر طويلة من العمل والإنفاق.
ويقول عبد الله أبو عواد، أحد مزارعي سهل ترمسعيا، إنّ المستوطنين أقدموا على سرقة محاصيل القمح بعد حصادها، ما حرم المزارعين من عائد الموسم بالكامل وألحق بهم خسائر مالية كبيرة، خاصة في ظل الارتفاع الملحوظ في تكاليف الزراعة والحراثة والبذار خلال العام الجاري.
وأضاف في حديثه لـ”قدس برس”، أن ما يجري لا يقتصر على تجريف الأشجار أو الاستيلاء على المحاصيل، بل يمثل “اقتلاعاً للحياة نفسها”، مؤكداً أن الأراضي المستهدفة مملوكة لفلسطينيين بوثائق رسمية، ولم تصدر بحقها أي قرارات مصادرة، ومع ذلك يُمنع أصحابها من الوصول إليها والعمل فيها، فيما يُسمح للمستوطنين بالتنقل فيها بحرية.
وأشار إلى أن اعتداءات المستوطنين تتكرر مع كل موسم حصاد، سواء للقمح أو الزيتون، بهدف ضرب مصدر رزق المزارعين ودفعهم بعيداً عن أراضيهم من خلال سرقة المحاصيل أو منعهم من الوصول إليها.
وفي بلدة سنجل المجاورة، يقول المزارع علي علوان إن مجموعات من المستوطنين هاجمت أراضي المواطنين في منطقة “شوريا” شرق البلدة، وسرقت محصول الشعير من أراضي المزارعين، في اعتداء يتكرر مع كل موسم زراعي ويستهدف بشكل مباشر مصادر رزق الأهالي.
وأضاف أن الانتهاكات لا تقتصر على السرقة، بل تشمل أيضاً إدخال قطعان الأغنام إلى حقول القمح، لا سيما في المناطق الشرقية والريفية، ما يؤدي إلى إتلاف مساحات واسعة من المحاصيل نتيجة الرعي الجائر، ويتسبب بخسائر فادحة للمزارعين ويهدد إنتاج القمح المحلي.
الزيتون.. خسارة تتجاوز قيمة الشجرة
ولم تسلم أشجار الزيتون من الاعتداءات المتواصلة، رغم أن الموسم الحالي يوصف بأنه واعد مقارنة بالعام الماضي، الذي شهد حالة ركود وانخفاضاً حاداً في أسعار زيت الزيتون بسبب ضعف التسويق وتراجع القدرة الشرائية.
ويؤكد مزارعون أن آمالاً كبيرة كانت معلقة على الموسم الحالي لتعويض جزء من خسائر العام الماضي، إلا أن تصاعد اعتداءات المستوطنين يهدد بتبديد هذه الفرصة من خلال استهداف الأشجار المثمرة والمعمرة.
ويقول المواطن محمد غانم من بلدة ترمسعيا شمال رام الله إن عائلته فوجئت بقيام مجموعة من المستوطنين باقتلاع نحو 70 شجرة زيتون ولوز معمرة، يزيد عمر بعضها على ستين عاماً، من الأراضي المحيطة بمنزلهم.
وأضاف لـ”قدس برس” أن هذه الأشجار لا تمثل مجرد مصدر إنتاج زراعي، بل تشكل جزءاً من تاريخ العائلة وذاكرتها الممتدة عبر الأجيال، إذ ورثها الأبناء عن الآباء والأجداد وحافظوا عليها لعقود طويلة.
وأوضح أن الخسارة لا تُقاس بعدد الأشجار أو قيمتها المادية فقط، بل بما كانت توفره من إنتاج سنوي يشكل مصدراً أساسياً للدخل، فضلاً عن الأضرار التي لحقت بالأرض الزراعية وحرمان العائلة من مورد اقتصادي ثابت كانت تعتمد عليه كل عام.
من جهته، قال المختص في شؤون مقاومة الاستيطان بشار القريوتي، إنّ تصاعد اعتداءات المستوطنين على محاصيل القمح وأشجار الزيتون في مختلف مناطق الضفة الغربية يعكس سياسة منظمة تستهدف ضرب مقومات الصمود الفلسطيني، خاصة في المناطق الريفية والزراعية القريبة من البؤر الاستيطانية”.
وأوضح القريوتي في حديثه لـ”قدس برس”، أن توقيت هذه الاعتداءات ليس عشوائياً، بل يأتي بالتزامن مع مواسم الحصاد والزيتون بهدف إلحاق أكبر خسارة ممكنة بالمزارعين الفلسطينيين، وحرمانهم من الاستفادة الاقتصادية من مواسمهم الزراعية، مضيفاً أن المستوطنين يركزون بشكل متزايد على استهداف القمح والزيتون باعتبارهما من أهم المحاصيل الاستراتيجية المرتبطة بالأمن الغذائي والهوية الوطنية الفلسطينية.
وأشار إلى أن عمليات حرق المحاصيل، وسرقة الإنتاج الزراعي، واقتلاع الأشجار المعمرة، والرعي الجائر داخل الحقول، تؤدي إلى استنزاف اقتصادي خطير يطال آلاف الأسر الفلسطينية التي تعتمد على الزراعة كمصدر دخل رئيسي، خاصة في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي تعيشها الأراضي الفلسطينية.
وأكد القريوتي أن استهداف الأشجار المعمرة يحمل أبعاداً تتجاوز الخسارة المادية المباشرة، موضحاً أن اقتلاع شجرة زيتون عمرها عشرات السنين يعني تدمير إرث زراعي واقتصادي متراكم، لأن هذه الأشجار تحتاج إلى سنوات طويلة حتى تعود للإنتاج.
وأضاف أن المستوطنين يسعون من خلال هذه الاعتداءات إلى فرض بيئة طاردة للمزارعين الفلسطينيين ودفعهم للعزوف عن الوصول إلى أراضيهم، تمهيداً للسيطرة عليها وتوسيع النفوذ الاستيطاني، خاصة في المناطق المصنفة (ج).
ودعا القريوتي إلى توفير حماية فعلية للمزارعين خلال المواسم الزراعية، وتعزيز صمودهم عبر دعم القطاع الزراعي وتعويض المتضررين، محذراً من أن استمرار الاعتداءات سيؤدي إلى مزيد من التراجع في الإنتاج الزراعي الفلسطيني وتهديد الأمن الغذائي والاقتصاد الريفي.
SOURCE: QUDS PRESS INTERNATIONAL NEWS AGENCY