يرى محللون أن المقارنة بين الانتخابات الداخلية لحركتي “حماس” و”فتح” تكشف حجم التباين العميق في طبيعة التجربتين التنظيميتين والسياسيتين داخل الساحة الفلسطينية، في وقت تمر فيه القضية الفلسطينية بواحدة من أكثر مراحلها تعقيدًا وحساسية.
ويؤكد مراقبون أن الفارق بين التجربتين لم يقتصر على الظروف الأمنية والتنظيمية، بل امتد إلى طبيعة التنافس السياسي وآليات تداول القيادة؛ ففي حين شهدت “حماس” منافسة فعلية على رئاسة مكتبها السياسي استدعت جولات إعادة، بدت انتخابات “فتح” محسومة سلفًا لصالح الرئيس محمود عباس، وسط غياب المنافسة الحقيقية وتصاعد الجدل حول النفوذ الشخصي والعائلي داخل الحركة.
وقال الكاتب والمحلل السياسي مروان القبلاني إن الساحة الفلسطينية شهدت خلال الفترة الأخيرة استحقاقًا تنظيميًا مهمًا تمثل في الانتخابات الداخلية لكل من حركتي “حماس” و”فتح”، وهما أكبر وأبرز الحركات السياسية الفلسطينية، إلا أن طبيعة هذه الانتخابات والظروف التي أُجريت فيها عكست حجم التباين الكبير بين التجربتين التنظيميتين والسياسيتين للحركتين.
وأوضح القبلاني أن انتخابات حركة “حماس” جرت في ظروف أمنية بالغة التعقيد، في ظل استمرار الحرب والملاحقات الأمنية والاغتيالات التي طالت عددًا كبيرًا من قيادات الحركة وكوادرها، سواء في قطاع غزة أو الضفة الغربية أو خارج فلسطين.
وأضاف أن العملية الانتخابية اتسمت بدرجة عالية من السرية خشية استهداف المشاركين والقيادات المنتخبة، كما أن غياب عدد من القيادات بسبب الاغتيال أو الاعتقال، إلى جانب الظروف الميدانية الصعبة، انعكس على آليات الانتخاب وحدّ من قدرة جميع أعضاء الحركة على المشاركة الواسعة في اختيار مجلس الشورى والقيادة السياسية.
ورغم هذه الظروف، أشار القبلاني إلى أن الحركة شهدت حالة من التنافس الحقيقي على منصب رئيس المكتب السياسي، إذ لم يتمكن أي مرشح من حسم النتيجة من الجولة الأولى، ما استدعى الذهاب إلى جولات إضافية، وهو ما يعكس – برأيه – وجود تعددية داخلية وتنافس فعلي بين القيادات.
وفي المقابل، رأى القبلاني أن حركة “فتح”، التي تدير السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية وتمتلك مؤسسات وإمكانات تنظيمية وإدارية واسعة، أجرت انتخاباتها في ظروف مستقرة نسبيًا وبعيدة عن الضغوط الأمنية التي تواجهها “حماس”.
وكان من المفترض، بحسب رأيه، أن تتيح هذه الظروف إجراء انتخابات أكثر شمولًا وشفافية، تسمح بمشاركة حقيقية لأعضاء الحركة في مختلف أماكن وجودهم لاختيار أعضاء المؤتمر العام، الذي يتولى بدوره انتخاب اللجنة المركزية والمجلس الثوري.
إلا أن ما حدث – وفق القبلاني – تمثل في تشكيل المؤتمر العام عبر التعيين من قبل شخصيات نافذة داخل الحركة، دون وجود معايير واضحة أو انتخابات قاعدية حقيقية، الأمر الذي أثار الكثير من التساؤلات حول طبيعة التمثيل وآليات الاختيار داخل “فتح”.
وأضاف أن الفارق الأبرز بين التجربتين يتمثل في طبيعة التنافس السياسي؛ ففي حين شهدت “حماس” تعدد المرشحين والتنافس على رئاسة المكتب السياسي، لم يظهر داخل “فتح” أي منافس للرئيس محمود عباس، الذي خاض الانتخابات بصفته المرشح الوحيد، ما جعل النتيجة محسومة مسبقًا.
كما أشار القبلاني إلى بروز ظاهرة أخرى أثارت جدلًا داخل أوساط حركة “فتح”، تتمثل في تصاعد حضور أبناء بعض القيادات التاريخية في مواقع تنظيمية حساسة، وسط اتهامات بوجود ترتيبات تهدف إلى تهيئتهم مستقبلًا لوراثة مواقع آبائهم داخل الحركة ومؤسسات السلطة، الأمر الذي يعزز المخاوف من تكريس النفوذ العائلي والشخصي على حساب التداول الديمقراطي الحقيقي.
وفي قراءته للمشهد الفلسطيني الداخلي، يؤكد الدكتور فريد أبو ظهير، المحاضر في مجال الإعلام والكاتب السياسي، أن الانتقادات الموجهة إلى المؤتمر الثامن لحركة “فتح” لا تستهدف تاريخ الحركة أو دورها الوطني، بقدر ما تعبّر عن حرص عميق على مكانتها التاريخية باعتبارها الحركة التي قادت المشروع الوطني الفلسطيني لعقود طويلة.
ويرى أبو ظهير أن هذه الانتقادات تنطلق من الحاجة إلى مراجعة شاملة تعيد للحركة صفاءها السياسي وتحررها من أثقال السلطة، بما يسمح لها باستعادة قوتها ودورها الطليعي في قيادة النضال الوطني.
وأشار إلى أن جوهر الأزمة داخل حركة “فتح” لا يكمن فقط في البنية التنظيمية أو نتائج الانتخابات الأخيرة للمجلسين الثوري والمركزي، بل في غياب مراجعة سياسية عميقة للمسار الوطني الفلسطيني، خاصة بعد وصول مشروع “أوسلو” إلى طريق مسدود.
وأضاف أن التطورات الميدانية والسياسية وضعت الحالة الفلسطينية أمام واقع بالغ الخطورة، يتمثل في الحصار المالي، وتصاعد الاعتداءات الإسرائيلية في الضفة الغربية، واستمرار تهديد المسجد الأقصى، إلى جانب التصريحات الإسرائيلية العلنية التي تدعو إلى إنهاء السلطة الفلسطينية وتصفية وجودها.
ويرى أبو ظهير أن المرحلة الحالية تتطلب من حركة “فتح” إعادة ترتيب أولوياتها، بحيث يعود المشروع الوطني والقضية الفلسطينية إلى صدارة الاهتمام، بدلًا من الانشغال بالتنافس التنظيمي والصراع على المواقع القيادية.
وأكد أن الحفاظ على مكانة “فتح” التاريخية يمر عبر استعادة دورها كحركة تحرر وطني، لا كإطار مرتبط بإدارة السلطة فقط.
وفي حديثه عن انتخابات حركة “حماس”، لفت أبو ظهير إلى صعوبة تقديم تقييم تفصيلي لطبيعة العملية الانتخابية بسبب السرية التي تحيط بها، سواء من حيث آليات الانتخاب أو مستويات التمثيل والهيئات المشاركة فيها.
ومع ذلك، يرى أن مجرد إجراء الانتخابات في ظل ظروف الحرب والملاحقة والاغتيالات يعكس إرادة تنظيمية وسياسية استثنائية، ويؤكد تمسك الحركة بمبدأ تجديد القيادة والاستناد إلى قواعد تنظيمية داخلية رغم شدة التحديات.
وأضاف أن ما يلفت الانتباه في تجربة “حماس” هو أن المرشح للمواقع القيادية يدرك مسبقًا أنه يسير في طريق محفوف بالمخاطر، قد يصل إلى الاستهداف المباشر له ولعائلته، الأمر الذي يمنح هذه الانتخابات بعدًا مختلفًا عن كثير من الانتخابات التقليدية التي ترتبط غالبًا بالمكاسب السياسية أو الامتيازات الشخصية.
ويخلص أبو ظهير إلى أن المشهد الفلسطيني برمته بات بحاجة إلى مراجعة وطنية شاملة تتجاوز الحسابات التنظيمية الضيقة، خاصة في ظل تراجع الرهان على المواقف الغربية وعجز الولايات المتحدة وأوروبا عن ممارسة ضغط حقيقي على الاحتلال الإسرائيلي.
ويرى أن استمرار الواقع الحالي دون إعادة بناء المشروع الوطني الفلسطيني سيؤدي إلى مزيد من التدهور السياسي وتصاعد حالة الإحباط والتشاؤم، خصوصًا في الضفة الغربية.
وكان الكاتب والمحلل السياسي الأردني عريب الرنتاوي قد أكد، في مقال له، أن المقارنة بين المؤتمر الثامن لحركة “فتح” وانتخابات قيادة حركة “حماس” تكشف اختلافًا كبيرًا في طبيعة العمل التنظيمي داخل الحركتين.
وقال الرنتاوي: “بينما بدت انتخابات فتح محسومة مسبقًا وأقرب إلى تجديد البيعة للرئيس محمود عباس، ظهرت انتخابات حماس أكثر تنافسية وحيوية، حيث احتاجت إلى جولة إعادة بسبب تباين التوجهات والطموحات داخل الحركة”.
واعتبر أن “حماس”، رغم ظروف الملاحقة والحروب، نجحت في ترسيخ آليات تداول القيادة وتجديد النخب، بخلاف “فتح” التي بقيت قيادتها شبه ثابتة لعقود.
وانتقد الرنتاوي المؤتمر الثامن لحركة “فتح”، معتبرًا أنه لم يقدم مراجعة سياسية حقيقية لمسار الحركة منذ اتفاق “أوسلو”، ولم يناقش بجدية أزمات المشروع الوطني الفلسطيني أو التراجع الكبير في شعبية السلطة وقيادتها.
وأضاف أن المؤتمر انشغل بقضايا الولاء الداخلي وتقاسم النفوذ أكثر من اهتمامه بإعادة بناء الحركة أو استعادة ثقة الشارع الفلسطيني، كما أفرز قيادة يغلب عليها الطابع الأمني والشخصيات الموالية للرئيس، مع تراجع حضور المفكرين والسياسيين والتيارات القادمة من الشتات.
ويخلص الرنتاوي إلى أن حركة “فتح” أصبحت، بحسب رأيه، خاضعة لهيمنة السلطة الفلسطينية ومؤسساتها، بعدما كانت هي التي أنشأت هذه السلطة أصلًا.
واعتبر أن السلطة أعادت تشكيل الحركة بما يخدم استمرار النهج القائم والتنسيق الأمني، في ظل حديث متزايد عن ترتيبات الخلافة وإمكانية توريث النفوذ داخل الحركة، خاصة مع بروز نجل الرئيس محمود عباس في المشهد التنظيمي والسياسي رغم غياب تاريخه النضالي أو الحزبي.
وفي ظل هذه التحولات، تبدو الساحة الفلسطينية أمام مرحلة مفصلية تتجاوز حدود التنافس التنظيمي داخل الحركتين الأكبر في المشهد السياسي.
فبينما تفرض الحرب والضغوط الإسرائيلية تحديات غير مسبوقة على الواقع الفلسطيني، تتصاعد الدعوات لإعادة بناء المشروع الوطني على أسس أكثر تمثيلًا وفاعلية، تعيد الاعتبار للمشاركة السياسية والتداول الديمقراطي وتجدد ثقة الشارع الفلسطيني بقياداته ومؤسساته.
SOURCE: QUDS PRESS INTERNATIONAL NEWS AGENCY