Search
Close this search box.
Search
Close this search box.

سفارة إقليم الصومال الانفصالي بالقدس.. ما الذي تخفيه إسرائيل؟

أثار إعلان الإقليم الانفصالي المعروف بـ”أرض الصومال” عن نيتها افتتاح سفارة في مدينة القدس المحتلة، عاصفة من الرفض والتنديد، مسلطاً الضوء على فصل جديد وخطير من مساعي الاحتلال الإسرائيلي للتغلغل في منطقة القرن الإفريقي.

وأشار محللون إلى أن هذه الخطوة تتجاوز حدود العلاقات الدبلوماسية لتكشف عن استراتيجية إسرائيلية تستهدف استغلال الكيانات الانفصالية والهشة لفرض وقائع جيوسياسية جديدة، في صفقة يتقاطع فيها وهم البحث عن شرعية دولية مع مطامع الاحتلال في تأمين نفوذ عسكري واستخباري قرب أهم الممرات المائية العالمية.

تقاطع المصالح واستراتيجية “المحيط”

يرى الباحث في الشأن الفلسطيني والمحلل السياسي، هاني الدالي، أن هذه الخطوة تحمل أبعاداً استراتيجية تتجاوز حجم الكيان الانفصالي ذاته، وتعكس تقاطعاً واضحاً للمصالح؛ فبينما تطمح (أرض الصومال) لنيل اعتراف دولي، يسعى الاحتلال الإسرائيلي إلى تعزيز اختراقه التاريخي للقارة الإفريقية.

ويوضح الدالي في حديث لـ”قدس برس”، أن دلالات هذا التحرك تأتي ضمن عقيدة سياسية وإقليمية يتبناها الاحتلال، وتتبلور في ثلاثة مسارات رئيسية؛ يتمثل المسار الأول في تطبيق استراتيجية (المحيط)، وهي نظرية تبناها المشروع الصهيوني منذ نشأته، وتقوم على بناء تحالفات مع دول وكيانات غير عربية (مثل إثيوبيا وكينيا تاريخياً) لتطويق الأمن القومي العربي، حيث يمثل اختراق القرن الإفريقي تطبيقاً حرفياً لهذه الاستراتيجية.

ويشير الدالي في قراءته للمسار الثاني، إلى أن هذه الخطوة تأتي في سياق المخطط الإسرائيلي الرامي إلى تعزيز سردية (تهويد القدس) وشرعنة السيطرة عليها، موضحاً أن الاحتلال يبحث بلهفة عن أي اعتراف بالمدينة كعاصمة له، حتى وإن جاء من كيانات تفتقر للاعتراف الدولي أو الإقليمي، سعياً منه لخلق زخم رمزي وتراكم سياسي يخدم روايته المزعومة أمام العالم.

ويلفت في تحليله للمسار الثالث، إلى المسعى الإسرائيلي الحثيث نحو تعزيز السيطرة الجيوسياسية والأمنية، مستغلاً الموقع الجغرافي لـ(أرض الصومال) الذي يمثل نقطة استراتيجية حاكمة تطل مباشرة على مضيق باب المندب وخليج عدن.

ويبيّن أن الاحتلال، وفي ظل تصاعد التهديدات الأخيرة في البحر الأحمر والتي طالت خطوط التجارة المتجهة إلى ميناء (إيلات)، يستميت لإيجاد موطئ قدم استخباري وأمني متقدم يشرف من خلاله على هذه الممرات المائية الحيوية.

ومن جهة “أرض الصومال”، يرى الدالي أن قادتها يعتقدون أن البوابة الإسرائيلية هي (تأشيرة مرور) نحو الغرب والولايات المتحدة. ومن خلال التركيز على ملف القدس، يأمل الكيان الانفصالي في استمالة اللوبي الصهيوني في واشنطن والعواصم الغربية للضغط باتجاه منحه الاعتراف والدعم الاقتصادي، وهو مسار يتكامل مع التوجهات الإثيوبية، الحليف الاستراتيجي لإسرائيل في إفريقيا.

الالتفاف على الرفض الإفريقي وعزلة الطرفين

ويؤكد الدالي أن هذا الاختراق الخطير للقارة السمراء يأتي في إطار محاولة إسرائيلية للالتفاف على الرفض الإفريقي العام للوجود الإسرائيلي، والذي تقوده دول وازنة مثل الجزائر وجنوب إفريقيا. ويعتمد الاحتلال في ذلك على توظيف حاجة الكيان الانفصالي للدعم الأمني والسياسي، وتقديم وعود تكنولوجية وزراعية.

وينوه إلى أن المفارقة تكمن في أن الطرفين يعانيان من أزمة شرعية؛ فالاحتلال يعيش عزلة دولية وملاحقات قانونية أمام محكمة العدل الدولية والجنائية الدولية، و”أرض الصومال” تبحث عن شرعية وهمية لا يعترف بها القانون الدولي.

ويخلص الدالي إلى أن هذه الخطوة ستعمق من عزلة (أرض الصومال) في محيطها العربي والإسلامي، وتكشف بوضوح حجم الاستغلال الإسرائيلي للملفات الانفصالية لضرب استقرار جمهورية الصومال الفيدرالية، مما سيعزز الموقف الإفريقي الرافض لـ “السرطان الاحتلالي”.

هندسة الفراغات واختراع الدول

من جانبه، يرى الكاتب والمحلل السياسي محمد شاهين، أن الإعلان عن افتتاح سفارة لـ(أرض الصومال) في القدس ليس حدثاً منعزلاً، بل هو تجسيد فج لاستراتيجية إسرائيلية تتمدد في (مناطق الظل الجيوسياسي)، حيث تغيب الدولة المركزية ويحضر الفراغ الاستراتيجي.

ويشدد شاهين في حديث لـ”قدس برس” على بطلان هذه الخطوة من منظور القانون الدولي، الذي يعتبر (أرض الصومال) جزءاً لا يتجزأ من جمهورية الصومال الفيدرالية.

ويعتبر أن الاعتراف الإسرائيلي الأحادي بهذا الكيان (في ديسمبر 2025) لم يكن اعترافاً بدولة، بقدر ما هو اختراع لدولة لخدمة أهداف عسكرية بحتة، ومحاولة يائسة لاستدراج اعترافات باطلة.

ويضيف: “إن الإمعان في تحليل هذه الخطوة يكشف الوجه القبيح لـ (استراتيجية الأطراف) التي صاغها ديفيد بن غوريون قديماً وأعاد بنيامين نتنياهو إحياءها، لبناء تحالفات مع الكيانات الهشة بهدف تطويق العالم العربي”.

ويؤكد شاهين أن إسرائيل لا تبحث عن أصدقاء، بل عن قواعد عسكرية ومنصات للتجسس قرب باب المندب، مشيراً إلى أن الحديث عن إقامة قاعدة عسكرية إسرائيلية في “هرجيسا” هو الدليل الدامغ على أن السفارة مجرد قشرة سياسية تخفي مطامع أمنية عميقة.

حرب دبلوماسية وتفكيك للدول الوطنية

ويصف شاهين افتتاح السفارة في القدس بأنه “استفزاز مزدوج”؛ فهو انتهاك صارخ لقرارات الشرعية الدولية التي تعتبر القدس الشرقية أرضاً محتلة، وفي الوقت ذاته طعنة غادرة في خاصرة الأمة الإسلامية.

واعتبر أن الخطوة بمثابة إعلان حرب دبلوماسية على الإجماع العربي والإسلامي، الذي تجلى في إدانات جامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي.

ويختتم شاهين تحليله بالتحذير من خطورة (الهندسة الإسرائيلية للفراغات) في إفريقيا، مؤكداً أن المخطط الإسرائيلي يستهدف اختراق الكيانات الهشة لتفكيك الدول الوطنية من الداخل عبر تغذية النزعات الانفصالية، وتقديم الاعتراف كطُعم لكيانات يائسة مستعدة للتنازل عن المبادئ.

ويشدد على أن “التاريخ لن يرحم أولئك الذين راهنوا على رهانات خاسرة، ولن يغفر للأيادي التي امتدت لتقطف ثمار التطبيع في أرض الإسراء والمعراج”.

وأعلنت 19 دولة إسلامية، اليوم الأحد، رفضها عزم الإقليم الانفصالي في الصومال افتتاح “سفارة مزعومة” له بمدينة القدس المحتلة، معتبرة ذلك “انتهاكا صارخا” للقانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية.

والثلاثاء الماضي، أعلن ما يُعرف بإقليم “أرض الصومال” الانفصالي عزمه افتتاح سفارة له لدى “إسرائيل” في القدس المحتلة، وهو ما رحبت به تل أبيب.

SOURCE: QUDS PRESS INTERNATIONAL NEWS AGENCY