Search
Close this search box.
Search
Close this search box.

“حماس” تجري انتخاباتها التكميلية رغم أربعة عقود من الاستهداف.. قراءة في تجربة “حماس” الداخلية

في وقت تمرّ فيه حركة المقاومة الإسلامية “حماس” بظروف استثنائية وتعقيدات سياسية وميدانية غير مسبوقة، تواصل الحركة هذه الأيام إجراء انتخاباتها التكميلية الداخلية لاختيار رئيس الحركة ونائبه، إلى جانب انتخاب أعضاء جدد في المكتب السياسي ومجلس الشورى وهيئة القضاء، خلفًا للقيادات التي استُشهدت خلال حرب الإبادة التي شنّها الاحتلال الإسرائيلي على قطاع غزة.في مشهد يعكس تمسكها بآلياتها التنظيمية القائمة على الشورى والتداول المؤسسي للقيادة، رغم التحديات الأمنية والسياسية التي تواجهها.

وتأتي هذه الانتخابات امتدادًا لمسار تنظيمي استمر لعقود، حافظت خلاله الحركة على انتظام عملياتها الداخلية الخاصة بانتخاب القيادات وتجديد المسؤوليات في مختلف ساحات وجودها داخل فلسطين وخارجها، بما يعكس رسوخ البنية المؤسسية التي تأسست عليها منذ انطلاقتها.

وعلى مدار سنوات طويلة من العمل السياسي والتنظيمي، حافظت الحركة على نموذج داخلي قائم على المؤسسية والشورى، مكّنها من إدارة انتقالات القيادة بصورة متتابعة ومنظمة، رغم ما واجهته من اغتيالات واعتقالات واستهداف متواصل لرموزها وقياداتها.

ويُنظَر إلى هذه التجربة باعتبارها إحدى أبرز السمات التنظيمية التي ميّزت مسار الحركة منذ تأسيسها أواخر عام 1987.

الشورى.. قاعدة تأسيسية

منذ التأسيس، ارتكز البناء الداخلي للحركة على مبدأ الشورى بوصفه الإطار الناظم للعلاقة بين القيادة والقاعدة التنظيمية. وتُرجم هذا المبدأ عمليًا من خلال إنشاء مؤسسات تنظيمية متعددة المستويات، واعتماد آليات داخلية لاختيار القيادات وتجديدها بصورة دورية، إلى جانب توزيع الصلاحيات بين الهيئات المختلفة، بما يحدّ من مركزية القرار ويُرسّخ الطابع المؤسسي.

ويرى متابعون أن ظروف العمل تحت الاحتلال، وما رافقها من ملاحقات أمنية متواصلة، دفعت الحركة إلى تطوير منظومة تنظيمية مرنة وقادرة على التكيف، مع الحفاظ على آلياتها الداخلية.

بنية تنظيمية متعددة المستويات

تقوم البنية المؤسسية للحركة على مجموعة من الأطر التنظيمية، في مقدمتها مجلس الشورى، الذي يمثل المرجعية التنظيمية العليا، ويتولى رسم السياسات العامة وانتخاب القيادة.

كما يشكل المكتب السياسي الهيئة التنفيذية العليا المكلفة بإدارة الملفات السياسية والاستراتيجية، فيما تتوزع الأطر التنظيمية الأخرى على مختلف الساحات الفلسطينية، بما يشمل قطاع غزة والضفة الغربية والخارج والسجون، وهو ما أتاح تمثيلًا أوسع لمختلف البيئات التنظيمية داخل الحركة.

انتخابات دورية وتداول مستمر

تشكل الانتخابات الداخلية إحدى أبرز أدوات تجديد الشرعية داخل الحركة، وتُجرى بصورة دورية وفق آلية تنظيمية متدرجة تبدأ من المستويات القاعدية، وصولًا إلى انتخاب القيادة العليا.

ورغم التحديات الأمنية والسياسية، استمرت هذه العملية عبر السنوات، مع تطوير إجراءات تتناسب مع طبيعة كل ساحة تنظيمية، بما حافظ على مبدأ التداول القيادي.

تعاقب القيادات

شهدت الحركة منذ تأسيسها تعاقب عدد من القيادات على مواقع المسؤولية العليا.

ففي المرحلة التأسيسية، برز اسم الشيخ أحمد ياسين باعتباره المرجعية التأسيسية الأبرز في تاريخ الحركة، إلى جانب شخصيات قيادية مثل عبد العزيز الرنتيسي، وإبراهيم المقادمة، وإسماعيل أبو شنب.

وعلى مستوى رئاسة المكتب السياسي، تعاقب على قيادة الحركة كل من: موسى أبو مرزوق (1992-1996)، وخالد مشعل (1996-2017)، وإسماعيل هنية (2017-2024)، ويحيى السنوار (آب/أغسطس – تشرين الأول/أكتوبر 2024).

ويعكس هذا التعاقب نمطًا من التداول القيادي الذي أتاح انتقال المسؤولية بين أجيال مختلفة داخل الحركة.

من الإبعاد إلى الاغتيالات

تعرضت الحركة خلال مسيرتها، التي تقترب من أربعة عقود، لسلسلة طويلة من الإجراءات الإسرائيلية والملاحقات الأمنية، إلى جانب حملات اعتقال نفذتها أجهزة أمن السلطة الفلسطينية بحق كوادرها وقياداتها.

وتُعدّ محطة “مرج الزهور” عام 1992، التي أُبعد خلالها أكثر من 400 من قيادات وكوادر الحركة إلى جنوب لبنان، من أبرز المحطات وأكثرها قسوة في تاريخ الحركة، التي كانت آنذاك في سنواتها الأولى.

وبعد انتهاء قضية مبعدي مرج الزهور وانتقال عدد منهم إلى دول عربية، بينها سوريا ولبنان والسودان، شنت أجهزة أمن السلطة الفلسطينية حملات اعتقال واسعة بحق كوادر الحركة في الضفة الغربية وقطاع غزة.

وفي موازاة ذلك، شكّلت محاولة الاغتيال الفاشلة التي نفذها جهاز “الموساد” الإسرائيلي ضد رئيس المكتب السياسي للحركة خالد مشعل في العاصمة الأردنية عمّان عام 1997 محطة فارقة، إذ عكست انتقال الملاحقة الإسرائيلية إلى خارج الأراضي الفلسطينية.

وخلال انتفاضة الأقصى، صعّدت “إسرائيل” سياسة الاغتيالات بحق قيادات الصف الأول في الحركة، حيث اغتالت الشيخ أحمد ياسين في 22 آذار/مارس 2004، ثم اغتالت عبد العزيز الرنتيسي في 17 نيسان/أبريل من العام نفسه، بعد أيام من توليه قيادة الحركة في غزة.

كما اغتالت “إسرائيل” عددًا من أعضاء المكتب السياسي وقيادات الصف الأول، من بينهم إبراهيم المقادمة، وإسماعيل أبو شنب، وصلاح شحادة، وجمال منصور، وجمال سليم.

لكن اللافت أن هذه الضربات لم تؤدِّ إلى تعطيل البنية التنظيمية للحركة، إذ تمكنت مؤسساتها الداخلية من إعادة ترتيب المشهد القيادي بصورة متواصلة، ما عُدّ اختبارًا عمليًا لقدرتها المؤسسية.

ويرى مختصون أن أحد أبرز مؤشرات رسوخ المؤسسية داخل الحركة يتمثل في قدرتها على تجاوز ارتباط العمل التنظيمي بالأفراد.

حركة “حماس” خلال “طوفان الأقصى”

تعرضت حركة “حماس”، منذ بدء معركة “طوفان الأقصى” في تشرين الأول/أكتوبر 2023، إلى استهداف غير مسبوق لبنيتها التنظيمية والقيادية، حيث اغتالت “إسرائيل” عددًا كبيرًا من قيادات الصف الأول في الحركة داخل قطاع غزة وخارجه.

ومن بين الذين طالتهم الاغتيالات: إسماعيل هنية، ونائبه صالح العاروري، ويحيى ومحمد السنوار، إلى جانب عصام الدعاليس رئيس لجنة متابعة العمل الحكومي في غزة، وصلاح البردويل، وجواد أبو شمالة، وإسماعيل برهوم، وزكريا أبو معمر، ومحمد الضيف، إضافة إلى عشرات من قيادات الصفين الأول والثاني.

ولتجاوز تداعيات استهداف القيادة، قررت الحركة تشكيل صيغة قيادية مؤقتة، في إطار ما تصفه بمرونة سياساتها التنظيمية، عبر إنشاء مجلس قيادي خماسي لتسيير أعمال الحركة إلى حين انتهاء انتخاباتها الداخلية.

ويضم المجلس محمد درويش رئيسًا، وعضوية كل من خالد مشعل، وخليل الحية، وزاهر جبارين، ونزار عوض الله.

وفي سياق قراءة دلالات الانتخابات الداخلية لحركة “حماس”، يرى الباحث المتخصص في شؤون الجماعات والحركات الإسلامية والجهادية، حسن أبو هنية، أن أهمية هذه الانتخابات تنبع بالدرجة الأولى من توقيتها، في ظل ما تتعرض له الحركة منذ أكثر من عام ونصف من حرب واسعة وعمليات اغتيال استهدفت عدداً كبيراً من قياداتها السياسية والعسكرية.

وقال أبو هنية، في حديثه لـ”قدس برس”، إن استمرار الحركة في إجراء انتخاباتها الداخلية في هذه الظروف “يدلل على أنها ما تزال حركة متماسكة على صعيد الهيكل التنظيمي، ومتجذرة داخل المجتمع الفلسطيني”.

وأضاف أن “حماس” أثبتت امتلاكها هيكلاً تنظيمياً متماسكاً وصلباً، مشيراً إلى أن وجود اختلافات في وجهات النظر بين قيادات الحركة يُعد أمراً طبيعياً في مختلف الحركات والتنظيمات السياسية، إلا أن هذه الاختلافات — بحسب تعبيره — لم تؤثر على وحدة الحركة أو بنيتها الداخلية.

وأوضح أن الحركة، منذ تأسيسها، لم تشهد انقسامات أو انشقاقات تنظيمية، وهو ما يعكس قوة بنيتها التنظيمية، وارتباطها بأيديولوجيا وفكرة مركزية حافظت على تماسكها الداخلي.

وبيّن أبو هنية أن الحركة تعرضت منذ الإعلان الرسمي عن تأسيسها إلى سلسلة طويلة من الاغتيالات والاعتقالات ومحاولات التصفية، لكنها رغم ذلك تمكنت من الحفاظ على حضورها وقوتها التنظيمية، معتبراً أن قدرتها على الاستمرار والتماسك “تشير إلى أنها حركة عصية على الكسر”.

وأشار إلى أن “حماس” لا تواجه أزمة في التجنيد أو الاستقطاب، نظراً لامتلاكها حاضنة شعبية واسعة تؤمن بمشروعها السياسي والمقاوم، رغم ما وصفه بمحاولات متكررة لإيجاد بدائل تنظيمية أو أطر بديلة عنها.

ولفت إلى أن الحركة حافظت، على مدار سنوات طويلة، على انتظام إجراء انتخاباتها الداخلية وفق التوقيتات المحددة في نظامها الداخلي، الأمر الذي يعكس — بحسب تقديره — وجود بنية مؤسسية واضحة وآليات تنظيمية مستقرة داخل الحركة.

SOURCE: QUDS PRESS INTERNATIONAL NEWS AGENCY