أعادت زيارة الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش إلى سوريا، وجولته في محافظة القنيطرة المحاذية للجولان السوري المحتل، ملف الاعتداءات الإسرائيلية إلى واجهة الاهتمام الدولي، في وقت تسعى فيه دمشق إلى تعزيز موقفها السياسي والتفاوضي، والمطالبة بانسحاب قوات الاحتلال إلى خطوط اتفاق فض الاشتباك لعام 1974.
ويرى محللون أن الزيارة منحت الموقف السوري دعمًا سياسيًا وقانونيًا مهمًا، لكنها لا تكفي وحدها لإجبار “إسرائيل” على الانسحاب، في ظل استمرار التباين بين دمشق و”تل أبيب” حول طبيعة أي اتفاق أمني جديد، وحدود الانتشار العسكري الإسرائيلي في الجنوب السوري.
وقال الخبير في الشأن السوري الإسرائيلي، خالد خليل، إن زيارة غوتيريش تحمل أهمية خاصة، لأنها جاءت في لحظة مفصلية من تاريخ سوريا، وتشكل تتويجًا للجهود السياسية والدبلوماسية التي بذلتها دمشق في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي.
وأضاف خليل، في حديث لـ”قدس برس”، أن العقل السياسي السوري نجح في نقل المواجهة مع “إسرائيل” من الميدان العسكري، الذي تعاني فيه سوريا من اختلال واضح في موازين القوى، إلى ميدان الشرعية الدولية والقانون والضغط الدبلوماسي.
وأوضح أن هذا المسار يعزز شرعية الموقف السوري، وفي الوقت ذاته يزيد من عزلة “إسرائيل” التي تواجه انتقادات دولية متصاعدة بسبب حربها على قطاع غزة واعتداءاتها المتكررة في المنطقة.
وأشار إلى أن “إسرائيل” كانت تنظر، حتى قبل السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، إلى ما تسميه “معركة الشرعية” باعتبارها إحدى أبرز تحديات أمنها القومي، لأنها ترتبط بصورتها أمام الدول الغربية، وبقدرتها على استخدام أدوات القوة الناعمة والتأثير السياسي والثقافي.
وتابع أن حكومة بنيامين نتنياهو ألحقت ضررًا كبيرًا بهذه الصورة، في ظل القضايا المنظورة أمام محكمتي العدل الدولية والجنايات الدولية، واتساع الاحتجاجات ضد سياسات “إسرائيل” في الجامعات والمؤسسات الأكاديمية حول العالم.
مسار دبلوماسي طويل
ورأى خليل أن زيارة غوتيريش لم تأتِ بوصفها خطوة منفردة، بل جاءت نتيجة مسار دبلوماسي سوري اعتمد الانفتاح على القوى الإقليمية والدولية، وإرسال رسائل طمأنة، وبناء علاقات مع أطراف متعددة، رغم التناقضات القائمة بينها.
ولفت إلى أن هذا المسار سبقه توجه وفود الدول الأعضاء في مجلس الأمن إلى منطقة الجنوب السوري، إلى جانب اتساع التأييد داخل الجمعية العامة للأمم المتحدة للقرارات التي تؤكد بطلان ضم الجولان السوري المحتل، وضرورة التزام “إسرائيل” بقرار مجلس الأمن رقم 497.
وأضاف أن هذه التطورات تعكس نجاحًا سياسيًا سوريًا في حشد المواقف الدولية، رغم استمرار “إسرائيل” في التصرف وكأنها تتمتع بحصانة من المساءلة الدولية، واعتقادها بأنها فوق القانون الدولي.
وحذر خليل من أن استمرار “إسرائيل” في هذا النهج قد يتحول إلى خطر استراتيجي عليها، لأنها تخسر تدريجيًا معركة الشرعية الدولية، في وقت لا تملك فيه حكومة نتنياهو رؤية واضحة تجاه سوريا.
وأوضح أن دمشق خرجت من المحاور الإقليمية التقليدية التي كانت “إسرائيل” تعدها تهديدًا مباشرًا، لكن “تل أبيب” لا تزال تتعامل مع سوريا الجديدة بحالة من عدم اليقين الاستراتيجي، وتنفذ اعتداءات ذات أهداف سياسية وتكتيكية، أكثر من ارتباطها باستراتيجية طويلة الأمد.
الخطوط الحمراء السورية
وبشأن المفاوضات المتعلقة بالجنوب السوري والجولان السوري المحتل، أكد خليل أن دمشق وضعت مجموعة من الخطوط الحمراء، في مقدمتها عدم المساومة على السيادة والحقوق الوطنية، والمطالبة بانسحاب إسرائيلي كامل من الأراضي التي احتلتها إسرائيل.
وأشار إلى أن قضية الجولان تحمل تراكمًا سياسيًا وقانونيًا يمتد لأكثر من خمسة عقود، بينما تتركز المفاوضات الحالية على العودة إلى تطبيق اتفاق فض الاشتباك لعام 1974، وليس التوصل إلى اتفاق يمنح الاحتلال شرعية جديدة أو يسمح له بالاحتفاظ بالأراضي التي سيطر عليها بعد سقوط النظام السابق.
وكانت “إسرائيل” قد أعلنت، عقب سقوط نظام بشار الأسد في الثامن من كانون الأول/ديسمبر 2024، أن اتفاق فض الاشتباك أصبح لاغيًا، قبل أن تتقدم قواتها داخل المنطقة العازلة ومناطق أخرى في ريفي القنيطرة ودمشق.
وقال خليل إن الانسحاب الإسرائيلي الأحادي من التزاماته لا يلغي الاتفاق من الناحية القانونية، لأنه يمثل الإطار الدولي الناظم لوقف إطلاق النار وفصل القوات بين سوريا وإسرائيل.
وأضاف أن دمشق تعاملت مع المفاوضات بواقعية سياسية، واعتمدت الخيار الدبلوماسي وعدم الانجرار إلى الاستفزازات الإسرائيلية، مع إعلان واضح بأن التفاوض لا يعني التنازل عن الأرض أو الحقوق الوطنية.
ورأى أن نتنياهو لا يمتلك تصورًا واضحًا لما يريده في سوريا، ويوظف الحروب والتوترات وسيلةً للبقاء في صدارة المشهد السياسي الإسرائيلي، وهو ما ينعكس سلبًا على صورة “إسرائيل” وعلاقاتها الدولية.
واشنطن الطرف الأكثر تأثيرًا
من جانبه، قال المحلل السياسي باسل معراوي إن “إسرائيل” اعتبرت أن اتفاق عام 1974 سقط مع سقوط نظام الأسد، وبدأت تطالب باتفاق جديد يأخذ في الاعتبار التحولات التي طرأت على عقيدتها العسكرية بعد هجمات السابع من تشرين الأول/أكتوبر.
وأوضح أن المؤسسة العسكرية الإسرائيلية باتت تمنح الجغرافيا والمناطق العازلة أهمية أكبر في حماية حدودها، بعدما أظهرت الحرب فشل الاعتماد الكامل على وسائل المراقبة الإلكترونية والاستخبارات والردع العسكري.
وأضاف معراوي، في حديثه لـ”قدس برس”، أن جولات المفاوضات السابقة دارت في حلقة مفرغة، بسبب إصرار الجانب السوري على انسحاب إسرائيلي كامل إلى خطوط اتفاق فض الاشتباك، مقابل مطالبة إسرائيل بإعادة انتشار قواتها دون تنفيذ انسحاب حقيقي.
ورأى أن الأمم المتحدة لا تملك الأدوات الكافية لقيادة المفاوضات أو فرض تسوية على “إسرائيل”، لأن المسار المطروح هو مسار أمني يجري برعاية أمريكية مباشرة.
لكنه أشار إلى أن احتفاظ الأمم المتحدة بقواتها في منطقة فض الاشتباك يعكس تمسك المنظمة الدولية باستمرار اتفاق عام 1974، واستعدادها لرعاية وتثبيت أي اتفاق جديد يتوصل إليه الطرفان، وإضفاء الشرعية الدولية عليه.
وقال إن زيارة غوتيريش إلى دمشق والقنيطرة تحمل رسالة واضحة إلى الأطراف المعنية بأن الأمم المتحدة لا تزال متمسكة بدورها وبالمرجعيات الدولية الخاصة بالجولان والمنطقة العازلة.
ورقة تفاوضية جديدة
وأكد معراوي أن سوريا استفادت سياسيًا من زيارة غوتيريش، لأنها منحت المرحلة الانتقالية اعترافًا دوليًا إضافيًا، وأكدت أن الشرعية الدولية تقف إلى جانب حق سوريا في استعادة أراضيها المحتلة.
وأضاف أن زيارة الأمين العام للأمم المتحدة إلى القنيطرة تشكل ورقة تفاوضية مهمة في يد المفاوض السوري، ويمكن استخدامها في أي جولة مقبلة للمطالبة بانسحاب قوات الاحتلال ورفض فرض وقائع ميدانية جديدة.
لكنه رأى أن الطرف الوحيد القادر فعليًا على التأثير في “إسرائيل” هو الولايات المتحدة، وأن دمشق تدرك ذلك وتحاول زيادة الضغط على “تل أبيب” من خلال علاقاتها المتنامية مع الإدارة الأمريكية.
وأعرب معراوي عن اعتقاده بأن “إسرائيل” لن تتخلى بسهولة عن الأراضي التي احتلتها بعد الثامن من كانون الأول/ديسمبر 2024، وقد تسعى إلى استخدام ملفات الجنوب السوري، ولا سيما ملف السويداء، بوصفها أوراقًا تفاوضية لمقايضتها بالإبقاء على مناطق أخرى تحت سيطرتها.
وأشار إلى أن نتنياهو يحتاج إلى اتفاق يستطيع تقديمه للجمهور الإسرائيلي بوصفه إنجازًا سياسيًا وأمنيًا، ما قد يدفع جيش الاحتلال إلى زيادة التوغلات والضغوط الميدانية خلال المرحلة المقبلة، بهدف فرض شروط أفضل على دمشق.
وفي المقابل، رأى خليل أن الموقف السوري بات أكثر قوة نتيجة الدعم الإقليمي والدولي، إضافة إلى التقارب اللافت بين دمشق وواشنطن، واتساع الفجوة بين الإدارة الأمريكية وحكومة نتنياهو بشأن ملفات سوريا ولبنان وعدد من قضايا المنطقة.
وأكد أن الاحتلال الإسرائيلي في سوريا لم يعد يواجه رفض دمشق وحدها، بل بات موضع انتقادات صادرة عن الأمم المتحدة والولايات المتحدة وأطراف إقليمية، إلى جانب أصوات إسرائيلية معارضة ترى أن سياسة نتنياهو تهدد المصالح الاستراتيجية لإسرائيل.
وبين رهان دمشق على الشرعية الدولية، واعتماد “إسرائيل” على القوة وفرض الوقائع الميدانية، تبقى نتائج المفاوضات رهينة بمدى قدرة واشنطن على ممارسة ضغط فعّال على حكومة نتنياهو، وتحويل المواقف الدولية المؤيدة لوحدة الأراضي السورية إلى خطوات عملية تُلزم قوات الاحتلال بالانسحاب.
SOURCE: QUDS PRESS INTERNATIONAL NEWS AGENCY