بين أكوام ركام منزلها المدمر في مدينة غزة، حولت الفنانة التشكيلية ميساء يوسف بيتها إلى مساحة مفتوحة للتفريغ النفسي للأطفال الذين أنهكتهم الحرب وراكمت في ذاكرتهم مشاهد الخوف والفقد.
ففي مكان كان يومًا مأوى عائليًا، باتت الورقة البيضاء والألوان المائية أدوات إنقاذ نفسي، تحاول من خلالها ميساء انتشال الأطفال من ثقل الصدمة اليومية.
تقول ميساء لـ”قدس برس”: “هذه الأدوات البسيطة، رغم بساطتها، لها مفعول سحري في القدرة على تفريغ كميات هائلة من الضغط والكبت النفسي لدى الأطفال”.
وتضيف: “لا يمكن تخيل ما يدور في عقل طفل عاش حرب إبادة على مدار عامين كاملين”.
بدأت الفكرة كمحاولة لتنمية مهارات أطفالها الثلاثة في الرسم، إلا أن اندلاع الحرب حولها سريعًا إلى طقس يومي، ثم إلى ملاذ جماعي للأطفال في الحي، حيث بدأ الجيران يرسلون أبناءهم للعب والهروب من أصوات القصف والخوف. وسرعان ما تحول البيت إلى مساحة مفتوحة يأتي إليها الأطفال ليرسموا ويلعبوا ويعبروا عما بداخلهم.
وتشير ميساء إلى أنها لا تفرض على الأطفال أي موضوعات محددة للرسم، بل تترك لهم حرية التعبير الكامل: “أقول لهم فقط ارسموا ما يجول في خاطركم، وعندها تتحول الأحلام والذكريات إلى ألوان وتشكيلات بسيطة؛ بعض الأطفال يستحضرون بيوتهم التي دمّرها القصف الإسرائيلي، وآخرون يرسمون غرفة تطل على شرفة أو حديقة مليئة بالأزهار”.
فيما يتخيل آخرون أنفسهم أطباء أو مهندسين، وبعضهم يقول: “أطمح أن أكون طبيبًا مثل أبي، أساعد الجرحى وأنقذهم من الموت”.
ويضم مرسم ميساء حاليًا 28 طفلاً، وقد تحول إلى مساحة جماعية للحديث عن الحرب والنزوح والصدمات النفسية، لتصبح الجلسات أشبه بتفريغ نفسي تفاعلي، يكتب فيه الأطفال رسائلهم، ويرسمون قصصهم، ويضعون مخاوفهم على الورق.
وتقول ميساء عن الأطفال: “هناك من خرج أحياء من تحت الركام، ومنهم من فقد القدرة على النطق، ومنهم من شاهدوا أشلاء أقاربهم، كما يضم المرسم أطفالًا أيتامًا لا يزالون يرسمون آباءهم في لوحاتهم أو ينتظرونهم على أطراف الورق، غير مدركين أنهم فقدوهم إلى الأبد”.
وعن التحديات التي واجهتها، توضح ميساء أن فترات الحصار “الإسرائيلي” أدت إلى نفاد الألوان من الأسواق وارتفاع أسعار الورق الأبيض، “كنا نبحث بين الكتب القديمة عن صفحات بيضاء لنحولها إلى لوحات جديدة”.
كما شكلت المجاعة التي ضربت القطاع العام الماضي تحديًا مضاعفًا، إذ كان الأطفال يأتون وهم جائعون، غير قادرين على التركيز، بأذهان مشتتة، محاولة ميساء إيجاد قصص صغيرة وألعاب بسيطة لشغلهم ولو لدقائق.
SOURCE: QUDS PRESS INTERNATIONAL NEWS AGENCY