في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، تتقاطع فيها حسابات الطاقة مع معادلات الأمن والسياسة، فجّرت صفقة الغاز الجديدة بين مصر وإسرائيل موجة واسعة من الجدل، بعد إعلان رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو توقيع اتفاق يعدّ الأكبر في تاريخ إسرائيل.
وبينما تروّج تل أبيب للصفقة بوصفها اختراقًا اقتصاديًا واستراتيجيًا يعوّض خسائر حرب غزة، يرى خبراء أن جوهرها يتجاوز الاقتصاد إلى إعادة رسم موازين القوى في المنطقة، وترتيب العلاقة المصرية–الإسرائيلية في ضوء التحولات التي فرضتها الحرب، من غزة إلى سيناء والضفة الغربية. وفي المقابل، تتصاعد أصوات رافضة للاتفاق، محذّرة من تداعياته على الأمن القومي المصري وعلى الحقوق الفلسطينية المنهوبة منذ عقود.
صفقة اقتصادية أم مشروع أمني؟
يقول أستاذ حلّ النزاعات وخبير الشؤون الإسرائيلية علي الأعور إن نتنياهو قدّم الاتفاقية باعتبارها “إنجازًا تاريخيًا”، في ظل الأزمة المالية والخسائر الهائلة التي تكبّدتها إسرائيل خلال عامين من حرب غزة، والتي بلغت – وفق تقديرات إسرائيلية – نحو 150 مليار دولار.
ويشير الأعور في حديثه لـ”قدس برس” إلى أن المؤسسة السياسية في إسرائيل ترى في الصفقة مكسبًا اقتصاديًا، “لكنها في جوهرها صفقة أمنية استراتيجية تعزّز قوة إسرائيل الإقليمية، وتخدم أهدافها الاستيطانية في الضفة الغربية عبر توفير موارد مالية ضخمة تدعم مشاريع الضمّ الزاحف دون إعلان رسمي”.
ويضيف أن نتنياهو يربط الصفقة بحماية “مصالح إسرائيل الأمنية”، خصوصًا ما يتعلق بإعادة ترتيب ملحقات اتفاقية كامب ديفيد، ولا سيما انتشار القوات المصرية في سيناء ووصولها إلى حدود غزة، وهو ما يعتبره نتنياهو خرقًا للاتفاق.
إعادة القاهرة إلى مربع “السلام”
ويرى الأعور أن تل أبيب تنظر إلى الاتفاق الجديد كمدخل لإعادة القاهرة إلى مربع “اتفاقيات السلام”، واستعادة الدفء السياسي بعد عامين من التوتر بسبب حرب غزة ورفض مصر لتهجير الفلسطينيين عبر حدودها.
ويؤكد أن نتنياهو يدرك أن العودة إلى الخليج واستئناف مسار اتفاقيات أبراهام يمرّ عبر “بوابة القاهرة”، لأسباب جيوسياسية تتعلق بموقع مصر ودورها الإقليمي.
ويتابع: “من هنا، تمثل صفقة الغاز جسرًا لعودة العلاقات الطبيعية مع مصر، وربما تمهيدًا لاجتماع ثلاثي مرتقب يجمع نتنياهو بالرئيس المصري عبد الفتاح السيسي والرئيس الأمريكي ترامب نهاية الشهر الجاري، لبحث ترتيبات أمنية جديدة تشمل: فتح معبر رفح تحت إشراف مصري كامل، وضبط الحدود ومنع تهريب السلاح إلى غزة، وإنشاء منطقة عازلة على طول شارع صلاح الدين، إضافة إلى بحث تهدئة أوسع قد تشمل سوريا”.
ويؤكد الأعور أن نتنياهو يرى لمصر دورًا محوريًا في مرحلة غزة المقبلة، خصوصًا ما يتعلق بملفات نزع أو تجميد سلاح حماس، وضبط المشهد الأمني في القطاع ضمن ترتيبات إقليمية جديدة.
أبعاد اقتصادية مصرية
من جهته، يقول رئيس تحرير جريدة “الميدان” حامد عز الدين إن إسرائيل مضت قدمًا في اتفاقية تصدير الغاز إلى مصر بقيمة 35 مليار دولار، حيث وقّع نتنياهو اتفاقًا لتصدير 130 مليار متر مكعب من غاز حقل ليفياثان بين عامي 2026 و2040، واصفًا إياها بأنها “أكبر اتفاقية في تاريخ إسرائيل”.
ويشير عز الدين – في منشور عبر “فيسبوك” – إلى أن الاتفاق يمثل ركيزة مهمة لأمن الطاقة المصري، في ظل التحديات التقنية التي يواجهها حقل “ظُهر” وتراجع الإنتاج المحلي، ما دفع القاهرة إلى زيادة اعتمادها على استيراد الغاز المسال لضمان استقرار الكهرباء وتجنب العودة إلى سياسة تخفيف الأحمال.
رفض سياسي وتحذيرات جيوسياسية
أما جماعة “الإخوان المسلمين” فوصفت الاتفاقية بأنها “مكافأة للاحتلال وتهديد جيوسياسي لمصر”، معتبرة أنها تمثل نهبًا للغاز الفلسطيني الخاضع لاحتلال غير شرعي، وانتهاكًا للقانون الدولي.
وقالت الجماعة في بيان إن الصفقة تمنح إسرائيل “ميزة استراتيجية خطيرة” تمكّنها من التأثير على أمن الطاقة المصري والتحول إلى أداة ضغط سياسي تمسّ السيادة الوطنية، فضلًا عن مساهمتها في تمويل آلة الاحتلال العسكرية.
وأكدت أن الاتفاقية ليست ضرورة اقتصادية، مع وجود بدائل عربية وإسلامية، معتبرة أن الارتهان للغاز الإسرائيلي يمنح الاحتلال تفوقًا جيوسياسيًا طالما حذّر منه نتنياهو نفسه.
ودعت الجماعة النظام المصري إلى “تغليب مصالح الدولة العليا واحترام إرادة الشعب الرافض للتطبيع” على حد تعبير البيان.
وكان نتنياهو قد أعلن، الأربعاء 17 كانون الأول/ديسمبر، المصادقة على الاتفاق بقيمة 35 مليار دولار، واصفًا إياه بأنه “أكبر صفقة غاز” في تاريخ إسرائيل.
في المقابل، شدد رئيس هيئة الاستعلامات المصرية ضياء رشوان على أن الصفقة “اقتصادية بحتة”، وتندرج ضمن قواعد السوق وآليات الاستثمار الدولي، دون أي توظيف سياسي.
وأوضح رشوان — في بيان رسمي — أن أطراف الاتفاقية شركات تجارية، من بينها “شيفرون” الأميركية وشركات مصرية متخصصة في استقبال الغاز ونقله، دون تدخل حكومي مباشر.
واعتبر أن الاتفاقية تخدم مصلحة استراتيجية لمصر، تتمثل في تعزيز موقعها كمركز إقليمي وحيد لتداول الغاز في الشرق الأوسط، مستندة إلى ما تمتلكه من بنية تحتية متقدمة ومحطات إسالة قادرة على تلبية احتياجات الأسواق الإقليمية والدولية.
SOURCE: QUDS PRESS INTERNATIONAL NEWS AGENCY