على الرغم من مرور نحو شهر على إعادة تشغيل عدد من فروع البنوك العاملة في قطاع غزة، فإن الحياة الاقتصادية في القطاع ما تزال غارقة في أزمة سيولة خانقة تُقيد حركة السوق وتمنع استعادة النشاط التجاري بعد توقفه شبه الكامل خلال العامين الماضيين من الحرب.
ورغم الترحيب الشعبي بإعادة فتح البنوك، فإن الكثير من المواطنين اعتبروا الخطوة “شكلية” ظل غياب العنصر الأهم وهو توفير النقد الكافي الذي يضمن عمل القطاع المصرفي والسوق معا، ويعيد الحد الأدنى من الدورة الاقتصادية الطبيعية.
خمسة بنوك تعود للعمل دون سيولة
ووفقا لسلطة النقد (تابعة لحكومة السلطة الفلسطينية)، فقد استأنفت خمسة بنوك عملها في غزة وهي: بنك فلسطين، بنك القاهرة عمّان، البنك الإسلامي الفلسطيني، بنك القدس، البنك الإسلامي العربي. وتعمل هذه المصارف عبر تسعة فروع حاليا، يتركز معظمها في مدينتَي غزة ودير البلح ومخيم النصيرات.
وتقدم الفروع فعاليات مصرفية محدودة تشمل فتح الحسابات الجارية والتجارية، وإصدار دفاتر الشيكات، وتنفيذ عمليات البيع والشراء لكبار التجار، غير أن الخدمة الأكثر احتياجا للمواطنين، وهي السحب والإيداع النقدي، لا تزال معطلة بالكامل نظرا لانعدام السيولة.
وتؤكد سلطة النقد أن إدخال النقد إلى القطاع ما يزال رهنا بموافقة الاحتلال الإسرائيلي، الذي يرفض حتى الآن السماح بدخول الأموال الورقية، الأمر الذي يشلّ فعليا عمل المنظومة المصرفية.
مواطنون: فتح البنوك لا يغير شيئا بلا كاش
المواطن وائل حمدان، وهو موظف في بلدية غزة بنظام التعاقد، يقول لـ”قدس برس”: “كنا نتقاضى رواتبنا نقدا قبل الحرب، لكن مع اندلاعها انتقلنا للدفع الإلكتروني، ولكن المحافظ المالية لا تمنحنا حرية كاملة في التعامل، بسبب تحديدها بخمس عمليات فقط يوميا، وهذا لا يكفي لإتمام احتياجاتنا اليومية”.
أما المواطنة ريهام أبو مصطفى، وهي أم لثلاثة أطفال فقدت زوجها خلال الحرب، فتوضح لـ”قدس برس”: “أتلقى كفالة شهرية لأبنائي اليتامى، لكنني لا أستفيد منها فعليا بسبب انعدام السيولة، أُضطر لتحويل المبلغ عبر صرافين بعمولات تصل إلى 30%، ما يعني أن جزءا كبيرا من مالي يذهب كعمولة سحب”.
انعكاسات يومية على حياة الناس والسوق
تعكس أزمة السيولة حجم المعاناة التي يواجهها المواطنون في تلبية احتياجاتهم الأساسية، من شراء الطعام والدواء، ودفع الفواتير، وحتى إجراء أبسط التحويلات المالية. كما يشير تجار محليون إلى أن غياب النقد أدى إلى تباطؤ شديد في الحركة التجارية، وارتفاع في أسعار بعض السلع، وازدياد اعتماد التجار على المقايضة أو بيع البضاعة بالدين.
ويؤكد مراقبون أن استمرار شح السيولة سيُبقي غزة في حالة شلل اقتصادي، حتى مع عودة البنوك للعمل، ما لم يسمح بدخول الأموال الورقية بكميات كافية لإعادة تنشيط الدورة المالية الطبيعية في السوق.
كيف بدأت أزمة الكاش؟
مع بداية الحرب، استهدف القصف الإسرائيلي المباشر القطاع المصرفي في غزة، ما أدى إلى تدمير شامل لكافة فروع البنوك الـ15 العاملة في القطاع، البالغ عدد فروعها 56 فرعا، ونحو 97 جهاز صراف آلي (ATM).
ومنذ ذلك الحين، توقفت الأنشطة المصرفية بشكل كامل، ما حرم المواطنين من الوصول إلى مدخراتهم، ودفعهم للبحث عن بدائل نقدية خارج المنظومة البنكية.
في ظل هذا الواقع، انحصر توفر النقد (الكاش) في يد فئة محدودة من التجار ورؤوس الأموال الذين احتفظوا بأموالهم خارج البنوك، وتحولوا فعليا إلى ما يشبه “الصرافين المتنقلين”، حيث بدأوا باستلام الحوالات أو الودائع من المواطنين عبر حساباتهم المصرفية أو محافظهم الرقمية، مقابل تسليمهم مبلغا نقديا بعد خصم عمولة ضخمة تتراوح حاليا ما بين 45 و55 بالمئة، أي أن المواطن يخسر أكثر من نصف المبلغ لقاء حصوله على أموال نقدية.
وارتكبت دولة الاحتلال منذ 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023 -بدعم أميركي أوروبي- إبادة جماعية في قطاع غزة، شملت قتلا وتجويعا وتدميرا وتهجيرا واعتقالا، متجاهلة النداءات الدولية وأوامر لمحكمة العدل الدولية بوقفها.
وخلفت الإبادة أكثر من 239 ألف فلسطيني بين شهيد وجريح معظمهم أطفال ونساء، وما يزيد على 11 ألف مفقود، إضافة إلى مئات آلاف النازحين ومجاعة أزهقت أرواح كثيرين معظمهم أطفال، فضلا عن الدمار الشامل ومحو معظم مدن القطاع ومناطقه من على الخريطة.
SOURCE: QUDS PRESS INTERNATIONAL NEWS AGENCY