منذ سقوط نظام بشار الأسد، في كانون أول/ديسمبر الماضي، تشهد سوريا تصعيدًا ملحوظًا في الاعتداءات الإسرائيلية، استهدفت خلالها مواقع عسكرية وبُنى استراتيجية، كان آخرها الهجوم على بلدة “بيت جن” جنوب البلاد.
هذا التصعيد المتواصل أثار تساؤلات واسعة حول موقف الحكومة السورية الجديدة من الاحتلال الإسرائيلي، خصوصًا في ظل تصريحات إعلامية نُسبت إلى الرئيس أحمد الشرع، ألمحت إلى احتمالات التسوية أو التطبيع مع “إسرائيل”.
الغموض الرسمي في الموقف السوري ألقى بظلاله على النقاش الداخلي، وفتح الباب أمام سيناريوهات متعددة: هل يمكن أن يُمهّد هذا الصمت لتشكُّل مقاومة شعبية؟ أم أن دمشق تكتفي بالتحرك الدبلوماسي دون المضي نحو خيارات ميدانية؟
الموقف الرسمي في مواجهة التصعيد الإسرائيلي
الكاتب والباحث السياسي ماهر حجازي قال في حديثه لـ “قدس برس” إن “نتنياهو يواصل عدوانه على سوريا في ظل غياب موقف واضح من القيادة السورية الجديدة، ما يستدعي إعلانًا رسميًا يوضح موقف دمشق من العلاقة مع إسرائيل، خاصةً مع تكرار الاعتداءات التي لم تقتصر على بيت جن، بل امتدت لتصل إلى مناطق قرب قصر الشعب في دمشق”.
وحذّر حجازي من أن “السكوت عن هذه الاعتداءات قد يفسح المجال لظهور مجموعات مسلحة خارجة عن سيطرة الدولة، ما يجعل الكلفة الأمنية والسياسية أعلى من خيار المقاومة المنظمة”.
وأضاف أن “القيادة السورية الجديدة لم تُفصح حتى الآن عن موقف واضح تجاه التطبيع أو ما يُعرف بالعلاقات مع إسرائيل”، مشيرًا إلى أن “التصريحات المنسوبة للرئيس أحمد الشرع والتي تنقلها وسائل إعلام دولية، تلمّح إلى إمكانية إقامة علاقات مع إسرائيل أو المضي في مسار تطبيعي”.
ورأى حجازي أن “دمشق ليست مطالَبة بخوض حرب مباشرة، لكنها تملك أوراقًا دبلوماسية فعالة، من أبرزها علاقاتها الدولية المتنامية، والدعم في مجلس الأمن، والمواقف الأوروبية الرافضة للعدوان الإسرائيلي”، مؤكدًا أن “بإمكان الدبلوماسية السورية استثمار هذه الأدوات للضغط على إسرائيل ووقف الاعتداءات”.
بين المسار الدبلوماسي وردود الفعل الشعبية
من جانبه، أوضح المحلل السياسي ياسر معراوي أن “القيادة السورية الجديدة بدأت بإشارات غير مباشرة بعدم رغبتها في تهديد جيرانها، قبل أن يُعلن الرئيس أحمد الشرع، خلال زيارته إلى باريس، عن وجود اتصالات غير مباشرة مع إسرائيل لاحتواء التوتر”.
وكان الشرع قد صرح في 7 أيار/مايو الماضي، خلال مؤتمر صحفي في باريس، بأن “دمشق تُجري مفاوضات غير مباشرة مع إسرائيل عبر وسطاء بهدف التهدئة”.
وأضاف معراوي في حديث لـ “قدس برس” أن “سوريا الجديدة أعادت تموضعها إقليميًا، مبتعدة عن المحور الإيراني الروسي، ومتجهة نحو محور الاعتدال العربي وتركيا، وتستفيد من وساطات إماراتية وتركية وأذرية، إضافة إلى قنوات أمريكية تحظى بقبول لدى تل أبيب”.
وأشار إلى أن “الخيار السوري تجاه إسرائيل دبلوماسي صرف، في ظل غياب قدرات عسكرية فعالة للردع، مع استمرار تفكيك ما تبقى من الأسلحة الكيماوية تحت إشراف دولي”.
وأكد أن “دمشق لن تقبل بأن تتحول إلى ساحة صراع لقوى دولية، وتسعى بدلاً من ذلك إلى بناء شراكات أمنية مع تركيا لحماية أمنها القومي”، محذرًا في الوقت ذاته من أن “الاستفزازات الإسرائيلية قد تدفع إلى ردود فعل شعبية انتقامية، وهو سيناريو تخشاه تل أبيب، رغم احتمالات تغيّر سلوك الحكومة الإسرائيلية الجديدة”.
بين الإحراج والعجز
يرى الباحث في مركز “يبوس” للدراسات سليمان بشارات، أن “الممارسات الإسرائيلية المتكررة تُحرج النظام السوري الجديد، الذي يجد نفسه عاجزًا عن الردّ بسبب تعقيدات المشهد الداخلي، ورغبته في الحفاظ على الاستقرار وكسب الدعم الدولي”.
وقال بشارات لـ “قدس برس” إن “النظام يبدو غير قادر، سواء على مستوى الإرادة أو الإمكانيات، على اتخاذ قرار المواجهة، إذ أن الذهاب إلى التصعيد قد يفقده الغطاءين الدولي والإقليمي”.
هل تنشأ مقاومة شعبية؟
أما أستاذ العلوم السياسية في جامعة الشمال بإدلب كمال عبدو، فاستبعد أن تنشأ مقاومة شعبية سورية ضد “إسرائيل” في الوقت الراهن، معتبرًا أن “هذا الخيار غير مطروح حاليًا، ما لم تُقرر الحكومة الدخول في مواجهة مفتوحة مع إسرائيل، وهو أمر مستبعد وفق المعطيات الحالية”.
وأضاف أن “تحويل الجنوب السوري إلى ساحة صراع سيكون مكلفًا ومدمرًا، لكن هذا الاحتمال قد يعود إلى الواجهة إذا استمرت إسرائيل في تهديد مؤسسات الدولة أو دعم الانقسامات الداخلية”، مشيرًا إلى أن “المؤشرات الحالية تدل على وجود رغبة متبادلة في تهدئة التوتر” على حد تقديره.
سيناريوهات مفتوحة
في ظل هذا المشهد المعقد، تظل الأسئلة مفتوحة حول اتجاهات السياسة السورية الجديدة: هل تكتفي دمشق بالإدانة والمناشدات الدولية؟ أم أنها تتحضّر لخيارات دبلوماسية أعمق، وربما لدعم مقاومة محلية في المستقبل؟
حتى الآن، تبقى الإجابات معلقة… بانتظار ما ستقرره دمشق.
SOURCE: QUDS PRESS INTERNATIONAL NEWS AGENCY