بعد ثلاثة أعوام على هجوم السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، لا تزال تداعياته الاستراتيجية حاضرة في المشهد الإسرائيلي، وسط إخفاقات استخبارية وأمنية أعادت فتح النقاش بشأن تقديرات المؤسسة العسكرية الإسرائيلية لطبيعة التهديد القادم من قطاع غزة.
ويرى محللان سياسيان أن الهدوء الذي سبق الهجوم، والاعتقاد الإسرائيلي بأن حركة المقاومة الإسلامية “حماس” باتت مردوعة، أسهما في ترسيخ تقديرات خاطئة، مؤكدين أن استمرار العدوان والتهديدات بشن حرب جديدة على القطاع لن يمحو الخسارة الاستراتيجية التي تكبدتها “إسرائيل” في ذلك اليوم.
وفي السياق، أكد الكاتب والمحلل السياسي محمد مصطفى شاهين أن الانتهاكات الإسرائيلية المتواصلة لاتفاق وقف إطلاق النار، والتهديدات المستمرة بشن حرب جديدة على قطاع غزة، لن تعوّض الخسارة الاستراتيجية التي لحقت بـ”إسرائيل” جراء هجوم السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، قبل ثلاثة أعوام.
وأشار شاهين، في حديثه لـ”قدس برس”، إلى أن التسريبات التي تتحدث عن وصول رسائل تحذيرية إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بشأن هجوم السابع من أكتوبر، تهدف إلى التأثير في الرأي العام الإسرائيلي قبيل الانتخابات المقررة بعد شهر.
وقال إن الاستخبارات الإسرائيلية كانت تمتلك، وفق ما تداولته وسائل إعلام إسرائيلية، وثيقة عُرفت باسم “سوار أريحا”، تضمنت خطة للمقاومة لتنفيذ اقتحام بري واسع النطاق، على غرار ما حدث بالفعل في السابع من أكتوبر. وأوضح أن “إسرائيل” حصلت على نسخ متتالية من الخطة منذ عام 2018 وحتى عام 2023، لكنها صنفتها ضمن الخطط الطموحة التي يصعب تنفيذها، واعتبرتها متجاوزة لقدرات حركة المقاومة الإسلامية “حماس” الميدانية.
وأضاف شاهين أن امتلاك المعلومات لا يعني بالضرورة القدرة على توظيفها، موضحًا أن المعرفة في عالم السياسة والحرب لا تقتصر على جمع المعلومات، بل تشمل القدرة على تحديد توقيت استخدامها. وقال إن الدول قد تمتلك خططًا وتقارير وتصورات عن نوايا خصومها، لكنها تفشل عندما تعجز عن إدراك لحظة التنفيذ، مشيرًا إلى أن المفاجأة لا تنشأ بالضرورة من الجهل، بل قد تكون نتيجة الثقة المفرطة بأن الخصم لن يجرؤ على التحرك أو لن يكون قادرًا عليه.
ولفت إلى أن التصور الاستراتيجي السائد لدى الأجهزة الأمنية والعسكرية الإسرائيلية كان ينظر إلى غزة باعتبارها جبهة ثانوية، مقارنة بتهديدات حزب الله وإيران، في حين اعتقدت أن “حماس” أصبحت مردوعة بفعل جولات المواجهة السابقة، وأنها تركز على إدارة القطاع والحفاظ على المكاسب المدنية، لا على خوض مواجهة شاملة.
وأضاف أن تهديدات قائد “حماس” في غزة، يحيى السنوار، المتكررة منذ عام 2021، فُسرت إسرائيليًا على أنها خطاب للاستهلاك الداخلي، شبيه بالدعاية الانتخابية التي لا تُترجم إلى أفعال. واعتبر أن الغرور السياسي والعسكري دفع القيادة الإسرائيلية إلى الاعتقاد بأن التهديدات شيء والتنفيذ شيء آخر، وأن الوقت يعمل لمصلحة منظومة الردع الإسرائيلية.
وأشار شاهين إلى أن تكرار المناورات والتدريبات التي نفذتها فصائل المقاومة، بما فيها محاكاة اقتحام المستوطنات، جعلها جزءًا من المشهد المعتاد في غلاف غزة. وأوضح أن صفارات الإنذار كانت تنطلق مرارًا، قبل أن يُبلَّغ المستوطنون في بعض الحالات بأنها إنذارات كاذبة، ما أسهم في نشوء حالة من «التعود الاستخباراتي» أفقدت الإشارات التحذيرية جزءًا من دلالتها.
وقال إن الفشل الإسرائيلي لم يكن مجرد نقص في المعلومات، بل عكس خللًا عميقًا في التصور الاستراتيجي، إذ اعتمدت المؤسسة الأمنية على افتراض محدودية قدرات المقاومة ووجود رادع يمنعها من التنفيذ، بدلًا من مراقبة تطور قدراتها وتغير نواياها. وأضاف أن الثقة المفرطة بقدرات الاستخبارات على معرفة كل شيء أضعفت الشك المنهجي، وأغلقت المجال أمام مراجعة التقديرات السائدة.
وتابع شاهين أن السؤال الجوهري لم يكن ما إذا كانت إسرائيل تعرف بوجود خطط أو نوايا لدى المقاومة، بل متى يمكن أن تتحول تلك الخطط إلى قرار بالتنفيذ، وما الإشارات التي تميز بين المناورات المعتادة والاستعداد الفعلي للهجوم. واعتبر أن هذا السؤال بقي من دون إجابة حتى اللحظة التي انهارت فيها التصورات الإسرائيلية في السابع من أكتوبر.
وأكد أن ما حدث يبرز أن القوانين الدولية والأعراف العسكرية لا تحول دون وقوع أخطاء التقدير، مشيرًا إلى أن الدولة التي تنظر إلى خصمها باعتباره تهديدًا ثانويًا قد تجد نفسها أمام واقع يفرض عليها إعادة ترتيب أولوياتها. وشدد على أن توقيت التحرك يظل عنصرًا حاسمًا لا يعوضه امتلاك المعلومات إذا غاب الحذر الدائم.
من جهته، أكد الكاتب والمحلل السياسي الدكتور إياد حمدان أن “إسرائيل” تعرضت لواحدة من أكبر عمليات “الخداع الاستراتيجي” في تاريخ الحروب، مشيرًا إلى أن الهدوء غير المعتاد الذي ساد قطاع غزة لأكثر من عامين قبل هجوم السابع من أكتوبر أسهم في ترسيخ التقديرات الإسرائيلية الخاطئة.
وقال حمدان، في حديثه لـ”قدس برس”، إن حركة “حماس” التزمت، منذ انتهاء معركة “سيف القدس” في 21 أيار/مايو 2021، بضبط النفس والهدوء في تحركاتها العسكرية، باستثناء مناورات “الركن الشديد” التي نفذتها بالتعاون مع فصائل فلسطينية أخرى بصورة علنية ومكشوفة.
وأوضح أن الحركة كانت تعلن لسكان القطاع مسارات المناورات والشوارع التي ستُغلق خلال تنفيذها، بما أعطى انطباعًا لدى الاحتلال بأنها تتصرف كجيش نظامي، وتتجه نحو تعزيز الأوضاع الاقتصادية في غزة وتثبيت حكمها، بدلًا من التخطيط لمهاجمة إسرائيل.
وأضاف أن الأجواء التي سادت تلك المرحلة، إلى جانب التسهيلات الإسرائيلية المتعلقة بفتح المعابر وزيادة عدد الشاحنات الداخلة إلى القطاع، والوعود بالسماح لنحو 20 ألف عامل بالعمل داخل الأراضي المحتلة عام 1948، فضلًا عن عدم مشاركة “حماس” في جولات التصعيد الميداني التي كانت تحدث بين حين وآخر، عززت هذا الانطباع لدى القيادة الإسرائيلية، ورفعت مستوى اطمئنانها إلى الجبهة الجنوبية.
وفيما يتعلق بالحديث عن تحذيرات عربية لـ”إسرائيل” من هجوم السابع من أكتوبر، اعتبر حمدان أن هذه الرواية غير منطقية، نظرًا إلى أن الجهات التي يُشار إليها كانت تؤدي دور الوساطة بين “حماس” و”إسرائيل”، بصورة مباشرة أو غير مباشرة. وأضاف أنه، حتى لو صدرت تحذيرات من هذا النوع، فمن المرجح أن تكون عامة وتهدف إلى دفع “إسرائيل” نحو تقديم مزيد من التسهيلات لقطاع غزة وسكانه.
وأشار حمدان إلى أن “إسرائيل” تجاهلت التحذيرات المحتملة بسبب امتلاكها معلومات وتقديرات اعتقدت أنها تناقض احتمال وقوع الهجوم، مستندة إلى مراقبة الحدود والتنصت على الاتصالات، فضلًا عن قناعتها بأن “حماس” أصبحت مردوعة. واعتبر أن هذا الاطمئنان أسهم في تعزيز التقديرات الخاطئة لدى الأجهزة الأمنية الإسرائيلية بشأن طبيعة التهديد القادم من قطاع غزة.
وأطلقت “كتائب القسام” الجناح العسكري لحركة المقاومة الإسلامية “حماس”، يو السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023 عملية “طوفان الأقصى” بهجوم واسع استهدف مواقع عسكرية ومستوطنات إسرائيلية في محيط قطاع غزة، وتم خلاله أسر عدد من جنود الاحتلال ومجنديه ونقلهم إلى القطاع.
وجاءت العملية في سياق عقود من الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية والحصار المفروض على قطاع غزة منذ عام 2007.
وأعقب العملية شنّ “إسرائيل” حرب إبادة غير مسبوقة على قطاع غزة، مازالت مستمرة منذ ثلاث سنوات، وترافقت مع قصف وعمليات عسكرية واسعة وحصار وتهجير جماعي وتدمير واسع للبنية التحتية. وبحسب بيانات وزارة الصحة في غزة، استشهد أكثر من 73 ألف فلسطيني في القطاع، فيما خلصت لجنة التحقيق الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة إلى أن السلطات والقوات الإسرائيلية ارتكبت أفعالًا ترقى إلى الإبادة الجماعية بحق الفلسطينيين في غزة.
ويذكر أن وقف إطلاق النار بين الفصائل الفلسطينية والاحتلال الإسرائيلي، قد دخل حيز التنفيذ في 10 تشرين الأول/أكتوبر الماضي.
ولكن يواصل جيش الاحتلال خروقاته اليومية لوقف إطلاق النار في قطاع غزة، والتي تشمل القصف وإطلاق النار واستهداف الفلسطينيين في مناطق متفرقة من القطاع، ما يؤدي إلى سقوط شهداء وجرحى رغم سريان اتفاق وقف إطلاق النار.
وقالت وزارة الصحة أن حصيلة الشهداء منذ بدء سريان وقف إطلاق النار في 11 تشرين الأول/ أكتوبر 2025 ارتفعت إلى 1,462 شهيدًا، فيما بلغ عدد الإصابات 5 آلاف و151 إصابة، إلى جانب انتشال جثامين 836 شهيدًاً.
SOURCE: QUDS PRESS INTERNATIONAL NEWS AGENCY