أحدثت نتائج الانتخابات المحلية البريطانية الأخيرة تحولاً سياسياً واسعاً وصفه مراقبون بـ”الزلزال الانتخابي”، بعد المكاسب الكبيرة التي حققها حزب الإصلاح البريطاني اليميني الشعبوي، مقابل تراجع لافت لحزبي العمال والمحافظين اللذين تناوبا على حكم البلاد لعقود.
وأظهرت النتائج تقدماً غير مسبوق لحزب “الإصلاح البريطاني”، الذي نجح في حصد مئات المقاعد والسيطرة على عدد من المجالس المحلية، مستفيداً من حالة الغضب الشعبي تجاه الأداء الاقتصادي والسياسي للحكومات المتعاقبة.
وتمثل هذه النتائج ضربة سياسية لرئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر وحزب العمال، رغم وجود الحزب في السلطة، إذ خسر العمال عدداً من المجالس والمقاعد التي كانت تعد تقليدياً من معاقلهم الانتخابية، في مؤشر على تراجع الثقة الشعبية بالحكومة بعد أشهر من توليها الحكم.
كما تلقى حزب المحافظين بدوره خسائر جديدة عمّقت أزمته السياسية والتنظيمية، مع استمرار نزيف التأييد الشعبي الذي يعاني منه منذ الانتخابات العامة الأخيرة.
ومن أبرز المفاجآت الانتخابية، خسارة حزب العمال السيطرة على مناطق ظل يحتفظ بها لعقود، فيما شهدت عدة مجالس محلية نتائج معلقة دون أغلبية واضحة، في دلالة على تفكك هيمنة الحزبين التقليديين على الحياة السياسية البريطانية.
في المقابل، عزز حزب الديمقراطيين الأحرار وحزب الخضر حضورهما في عدد من المناطق، مستفيدين من تراجع المحافظين والعمال معاً.
من جهته، أكد رئيس “المنتدى الفلسطيني” في بريطانيا عدنان حميدان، أن حرب غزة كان لها تأثير واضح على سلوك الناخب البريطاني في الانتخابات المحلية الأخيرة، لكنها لم تكن العامل الوحيد في النتائج التي حملت رسائل سياسية معقدة للأحزاب التقليدية، وعلى رأسها حزب العمال.
وقال حميدان في حديثه لـ”قدس برس”، في قراءة للنتائج الانتخابية، إن الانتخابات المحلية في بريطانيا ترتبط أساسًا بقضايا الخدمات والضرائب ومستوى المعيشة والأوضاع الاقتصادية، “لكن سيكون من الخطأ التقليل من أثر غزة، لأن ما جرى خلال الشهور الماضية حوّل القضية الفلسطينية من ملف خارجي إلى اختبار أخلاقي وسياسي داخلي غير مسبوق بهذا الحجم”.
وأوضح أن غزة “لم تكن العامل الوحيد، لكنها كانت عاملًا كاشفًا ومؤثرًا، خصوصًا لدى شريحة واسعة من المسلمين والعرب، ومعهم أعداد متزايدة من البريطانيين الذين يرون في فلسطين قضية عدالة إنسانية لا مجرد شأن خارجي”.
وأضاف أن كثيرًا من الناخبين شعروا بأن حزب العمال تعامل مع العرب والمسلمين باعتبارهم “أصواتًا مضمونة”، دون إصغاء حقيقي لأولوياتهم الأخلاقية والسياسية، معتبرًا أن الانتخابات المحلية تحولت إلى مساحة للتعبير عن هذا الغضب.
وأشار حميدان إلى أن نتائج الانتخابات تمثل، إلى حد كبير، “رسالة احتجاج” على مواقف الأحزاب البريطانية من الحرب على غزة، لكنها في الوقت ذاته تعكس أزمة ثقة أوسع بين قطاعات من الناخبين والمؤسسة السياسية التقليدية.
وبيّن أن جزءًا من الناخبين “لم يصوت فقط ضد مواقف مرتبطة بفلسطين، بل ضد شعور أوسع بأن الأحزاب التقليدية لم تعد تمثلهم كما ينبغي”، لافتًا إلى أن حزب العمال حاول في بعض المراحل مخاطبة شرائح قريبة من خطاب اليمين القلق من الهجرة والهوية، “دون أن يحافظ بالقدر نفسه على ثقته التاريخية لدى العرب والمسلمين والمهاجرين”.
وفي تفسيره لتراجع دعم بعض القواعد التقليدية لحزب العمال في المدن ذات الكثافة العربية والإسلامية، قال حميدان إن السبب لا يعود إلى تحول أيديولوجي جذري، بل إلى “خيبة أمل عميقة”، سواء بسبب المواقف المرتبكة تجاه غزة أو نتيجة الضغوط الاقتصادية وارتفاع تكاليف المعيشة.
وأضاف: “حزب العمال واجه أزمتين في آن واحد؛ أزمة ثقة أخلاقية في السياسة الخارجية، وأزمة أداء ومعيشة في الداخل، وعندما تجتمع الأزمتان يصبح التراجع الانتخابي مفهومًا”.
واعتبر أن الانتخابات الأخيرة أظهرت للمرة الأولى بهذا الوضوح تحوّل غزة إلى قضية انتخابية داخلية مؤثرة في بريطانيا، موضحًا أن فلسطين أصبحت معيارًا لدى كثير من الناخبين للحكم على صدقية الأحزاب أخلاقيًا، خصوصًا بين الشباب واليسار والعرب والمسلمين والناشطين الحقوقيين.
وحول تأثير مواقف رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر ، قال حميدان إن ّستارمر “دفع ثمنًا سياسيًا واضحًا”، ليس فقط بسبب طبيعة الموقف من الحرب، بل بسبب الانطباع بأن القيادة كانت “مترددة أو أقل من مستوى اللحظة الأخلاقية التي فرضتها صور المجازر والمعاناة في غزة”.
وفيما يتعلق بصعود اليمين، حذر حميدان من تبسيط المشهد واعتباره تحولًا جماعيًا نحو اليمين المتطرف، موضحًا أن جزءًا مهمًا من أصوات الغاضبين من حزب العمال توزع على قوى أخرى، مثل حزب الخضر والديمقراطيين الأحرار وشخصيات مستقلة وأحزاب قومية في اسكتلندا وويلز.
وقال إنّ “اليمين استفاد من تشتت خصومه أكثر مما حصل على تفويض شعبي شامل”، مضيفًا أن جمع أصوات القوى المتضامنة مع فلسطين أو الأكثر قربًا من العدالة الاجتماعية يقدم صورة مختلفة عن الرواية التي تتحدث عن اكتساح كامل لليمين.
وعن إمكانية تكرار النتائج في الانتخابات البرلمانية المقبلة، رأى حميدان أن ذلك “ليس حتميًا”، لأن الانتخابات المحلية تختلف بطبيعتها عن البرلمانية، حيث تحضر اعتبارات الحكم الوطني والاقتصاد والسياسة الخارجية بصورة أوسع.
وختم بالقول إن الرسالة الأساسية التي حملتها الانتخابات واضحة، وهي أن “تجاهل القضايا الأخلاقية الكبرى، وعلى رأسها فلسطين، له ثمن… وتجاهل الأزمات الداخلية له ثمن أيضًا”، معتبرًا أن الناخب البريطاني، بما في ذلك العرب والمسلمون وأنصار العدالة، “بدأ يعيد توزيع أوراقه بحثًا عمّن يصغي فعلًا، لا عمّن يفترض أن صوته مضمون سلفًا”.
وتعتبر الانتخابات التي جرت في 136 مجلسا محليا في إنجلترا وبرلماني أسكتلندا وويلز، أهم اختبار للرأي العام قبل انتخابات عامة مقرر إجراؤها في عام 2029.
وشملت انتخابات الخميس نحو 5 آلاف مقعد في المجالس المحلية، من أصل 16 ألف مقعد في إنجلترا.
ومع إعلان نتائج 117 مجلسا من أصل 136، كان حزب العمال قد خسر نحو 1200 مقعد و27 مجلسا، في حين حصد حزب “الإصلاح” من أقصى اليمين بزعامة القومي نايجل فاراح أكثر من 1300 مقعد.
وانتزع حزب فاراج -المناهض للهجرة- السيطرة على 13 مجلسا، لا سيما في مناطق تعد تقليديا معاقل لحزب العمال.
أما حزب الخضر الذي عزّز توجهاته اليسارية بزعامة زاك بولانسكي، ففاز بـ413 مقعدا وبعدد من المجالس.
وفي إنجلترا، خسر حزب المحافظين مئات المقاعد، لا سيما في معاقله التقليدية، لكنه انتزع السيطرة على مجلس وستمنستر في وسط لندن.
SOURCE: QUDS PRESS INTERNATIONAL NEWS AGENCY