Search
Close this search box.
Search
Close this search box.

من السيطرة على الأرض إلى انتزاع الاعتراف.. الوجه الآخر للتحركات “الإسرائيلية” في سوريا

تسعى “إسرائيل” إلى فرض واقع أمني وعسكري جديد في الجنوب السوري، يتجاوز الذرائع المتعلقة بحماية حدودها، وصولًا إلى تثبيت احتلال الجولان وتوسيع نفوذها داخل الأراضي السورية، من خلال إنشاء مواقع عسكرية متقدمة والسيطرة على مواقع استراتيجية وموارد طبيعية، بالتوازي مع مساعٍ دبلوماسية للحصول على اعتراف دولي بسيادتها على الجولان المحتل.

ويرى سياسيون وباحثون سوريون في تصريحات للتلفزيون السوري الرسمي أمس الإثنين أن هذه التحركات تعكس استراتيجية “إسرائيلية” لإعادة تشكيل البيئة الأمنية في سوريا، وإضعاف قدرة الدولة على بسط سيادتها على أراضيها، في وقت تتزايد فيه التساؤلات حول مستقبل الوجود العسكري “الإسرائيلي” في الجنوب، وإمكانية توظيف الموقف الأمريكي للحد من هذا التوسع.

مطامع تتجاوز الجولان

وقال عضو مجلس الشعب عن محافظة القنيطرة، جمال النميري، إن الأهداف “الإسرائيلية” لا تقتصر على تثبيت احتلال الجولان، بل تشمل فرض واقع أمني جديد في مناطق الجنوب السوري، يحول دون قيام قوة عسكرية سورية منظمة قادرة على حماية المنطقة.

وأوضح النميري أن الاحتلال يسعى إلى إبقاء الجنوب منطقة ضعيفة عسكريًا وتنمويًا، بما يحول دون تحقيق الاستقرار وعودة مؤسسات الدولة إلى ممارسة دورها بصورة طبيعية.

وأشار إلى ما وصفه بالاعتراف الكولومبي الأخير بالسيادة “الإسرائيلية” على الجولان، والذي سبقه الاعتراف الأمريكي عام 2019، معتبرًا أن ذلك يعكس جهودًا دبلوماسية يسعى الاحتلال من خلالها إلى تكريس سيطرته على الأراضي السورية المحتلة.

وأكد أن الاعترافات الخارجية لا تغيّر الوضع القانوني للجولان، مستذكرًا قرار مجلس الأمن الدولي رقم 497 لعام 1981، الذي اعتبر قرار الاحتلال فرض قوانينه وإدارته على الجولان باطلًا ولاغيًا، ولا يترتب عليه أي أثر قانوني دولي.

ولفت إلى أن اتفاق فصل القوات لعام 1974 حدّد ترتيبات واضحة للوجود العسكري في المنطقة، في حين تحاول “إسرائيل” اليوم تجاوز تلك الترتيبات وفرض شروط جديدة على الدولة السورية.

فرض وقائع جديدة على الأرض

من جانبه، رأى السفير السوري السابق والباحث في مركز الدراسات الدولية، بسام بربندي، أن السياسة “الإسرائيلية” تجاه سوريا شهدت تحولًا جوهريًا عقب السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023، تمثّل في الانتقال من الاعتماد على اتفاقات التهدئة وضبط الاشتباك إلى الوجود العسكري المباشر داخل أراضي الدول المجاورة.

وقال بربندي إن “إسرائيل” تسعى إلى إبقاء سوريا دولة ضعيفة، يصعب عليها بناء مؤسسات مركزية قوية، معتبرًا أن وجود دولة سورية مستقرة وقادرة على إدارة حدودها لا ينسجم مع التصورات الأمنية الحالية للاحتلال.

وأشار إلى أن بعض المواقع العسكرية “الإسرائيلية” المستحدثة في الجنوب تتمركز بالقرب من مصادر المياه، محذرًا من محاولات السيطرة على الموارد الطبيعية وحرمان المؤسسات السورية من الوصول إلى بعض المناطق.

وأضاف أن الممارسات “الإسرائيلية” تشمل، بحسب المعلومات التي أوردها، الاعتقالات والتضييق على السكان والإضرار بالأراضي الزراعية والمراعي، بما يسهم في تغيير الظروف المعيشية وفرض أمر واقع جديد يتجاوز الأهداف العسكرية المباشرة.

واعتبر أن هذه السياسات لا تحقق استقرارًا مستدامًا، بل تؤدي إلى تصعيد التوتر وتقويض فرص التوصل إلى ترتيبات أمنية مستقرة.

الورقة الأمريكية

وفيما يتعلق بالموقف الأمريكي، رأى بربندي أن توجهات إدارة الرئيس دونالد ترامب قد تتيح لسوريا فرصة للحد من التوسع “الإسرائيلي”، في ظل اهتمام واشنطن بتعزيز الاستقرار الإقليمي ودعم الحكومات المركزية ومشاريع التكامل الاقتصادي.

وأوضح أن المصالح الأمريكية المرتبطة بالاستثمارات والبنية التحتية وممرات الطاقة والتجارة تتطلب بيئة إقليمية مستقرة، وهو ما قد يدفع واشنطن إلى ممارسة ضغوط على “إسرائيل” للتوصل إلى تفاهمات أمنية مع دمشق.

وأشار إلى أن الحكومة السورية أعلنت استعدادها للتوصل إلى ترتيبات تضمن أمن المنطقة، مع تمسكها بسيادتها ووحدة أراضيها، معتبرًا أن المرحلة المقبلة قد تشهد دورًا أمريكيًا أكبر في كبح التحركات “الإسرائيلية”.

إعادة تشكيل البيئة الأمنية السورية

بدوره، قال الباحث في مركز جسور للدراسات (مستقل مقره دمشق) ، عبد الوهاب عاصي، إن “إسرائيل” تنفذ خطة واضحة لإعادة تشكيل البيئة الأمنية السورية، بدأت منذ الأيام الأولى لسقوط النظام السابق، من خلال تدمير مئات المواقع والأصول العسكرية السورية، والتقدم إلى مناطق جديدة، وإنشاء نقاط عسكرية داخل الأراضي السورية.

وأوضح أن هذه التحركات لم تقتصر على العمليات العسكرية، بل شملت غارات متواصلة وفرض شروط تتعلق بإعادة بناء القدرات الدفاعية السورية، معتبرًا أنها تعكس سياسة أمنية متكاملة تهدف إلى فرض قواعد جديدة في التعامل مع سوريا.

وأشار إلى الأهمية الاستراتيجية لقمة جبل الشيخ، التي تمنح قوات الاحتلال قدرات واسعة على مراقبة مناطق في سوريا ولبنان والأردن، معتبرًا أن السيطرة عليها تتجاوز الاعتبارات الدفاعية المعلنة، وتشكل أداة ضغط عسكري وأمني على أي سلطة سورية قائمة أو مستقبلية.

ورأى عاصي أن “إسرائيل” لا تبدي استعدادًا للتعامل بإيجابية مع الحكم السوري الجديد، وتسعى إلى توظيف مخاوفها الأمنية ذريعةً للإبقاء على مواقعها العسكرية المستحدثة، بدلًا من العودة إلى الترتيبات السابقة لاتفاق فصل القوات لعام 1974.

وأضاف أن التوسع “الإسرائيلي” يرتبط أيضًا بمخططات استيطانية في الجولان المحتل، يعود بعضها إلى ما قبل السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، مشيرًا إلى أن إنشاء مواقع عسكرية متقدمة يتيح للاحتلال فرض وقائع جديدة على الأرض، بالتوازي مع جهوده الرامية إلى الحصول على اعتراف دولي بسيطرته على الجولان.

وتأتي هذه المواقف في ظل استمرار الوجود العسكري “الإسرائيلي” في مناطق من الجنوب السوري منذ كانون الأول/ديسمبر 2024، وسط تمسك دمشق بحقها في استعادة أراضيها المحتلة ورفض أي ترتيبات تنتقص من سيادتها.

SOURCE: QUDS PRESS INTERNATIONAL NEWS AGENCY