Search
Close this search box.
Search
Close this search box.

من الإدانة إلى العقوبات.. بريطانيا تفتح جبهة اقتصادية ضد الاستيطان الإسرائيلي

لم تعد بريطانيا تكتفي بالتحذير من مخاطر الاستيطان الإسرائيلي في الضفة الغربية، إذ دخل الموقف البريطاني خلال الأيام الأخيرة مرحلة أكثر وضوحًا، مع إعلان لندن التوجه نحو حظر استيراد السلع المنتجة في المستوطنات الإسرائيلية المقامة في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وفرض قيود على الخدمات المرتبطة بتوسّعها.

وتأتي هذه الخطوة بعد أشهر من التصريحات البريطانية التي شددت على عدم قانونية المستوطنات، وعلى ضرورة أن تتوقف الشركات البريطانية عن أي نشاط اقتصادي أو مالي داخلها.

وفي أيلول/سبتمبر، وصف وزير الخارجية البريطاني إد ميليباند استمرار البناء الاستيطاني، ولا سيما في منطقة E1، بأنه تجاوز لـ”خط أحمر”، محذرًا من أن فرض وقائع جديدة على الأرض قد يجعل حل الدولتين غير قابل للتطبيق.

وبذلك، يبدو أن لندن تحاول نقل موقفها من مستوى الإدانة السياسية إلى الضغط الاقتصادي، فبدلًا من الاكتفاء بالتأكيد أن المستوطنات غير قانونية، تسعى إلى جعل التعامل معها أكثر كلفة على الشركات والمؤسسات، في محاولة لفصل الاقتصاد البريطاني عن النشاط الاستيطاني في الأراضي المحتلة.

وتأتي هذه الخطوة أيضًا في سياق تحرك أوروبي وغربي أوسع؛ إذ أعلنت بريطانيا وفرنسا وكندا عزمها اتخاذ إجراءات لحظر تجارة سلع المستوطنات، فيما رحبت دول أخرى بخطوات مماثلة.

وفي بيان مشترك، أكدت الدول أن توسيع المستوطنات يتعارض مع إمكانية قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة، وأنها تعارض الإجراءات التي قد تقود إلى ضم الأراضي الفلسطينية أو تهجير سكانها.

دلالة سياسية تتجاوز الأثر الاقتصادي

ويرى الكاتب والمحلل السياسي أكرم عطالله أن القرار البريطاني بحظر التجارة مع المستوطنات يعني التعامل معها باعتبارها كيانات خارجة عن القانون، مشيرًا إلى أنه لا يمكن لدولة مثل بريطانيا أن تتعامل اقتصاديًا مع هذه المستوطنات.

وأضاف أن القرار البريطاني بحظر الاستيراد يشمل التعامل مع المستوطنات وفرض عقوبات عليها، والسياحة، والتعامل التجاري، والاستيراد والتصدير منها وإليها، فضلًا عن منع الشركات البريطانية من الاستثمار فيها، ومنع الشركات في بريطانيا من استقبال أو تقديم أي خدمات للمستوطنات، بما يعني “إخراجًا كليًا للمستوطنات من القانون الدولي”، واعتبارها غير قانونية.

وقال عطالله لـ”قدس برس” إن قيمة الخطوة البريطانية تكمن في أنها نقلت الموقف النظري الذي اعتادت عليه بريطانيا والاتحاد الأوروبي من الإطار النظري إلى الإطار العملي، في خطوة يعتبرها الأولى من نوعها ضد المستوطنات الإسرائيلية.

فجوة بين الموقف السياسي والممارسة الاقتصادية

وتابع أن هناك على الدوام تناقضًا بين الموقف السياسي والممارسة الاقتصادية، موضحًا أن الموقف السياسي اتخذ منذ فترة طويلة موقفًا ضد الاحتلال والاستيطان والقتل، “ضد كل شيء”، بينما لم تلتفت الممارسة الاقتصادية على الدوام إلى هذه المواقف السياسية.

وأضاف أن هذه هي المرة الأولى التي يتم فيها إقرار مثل هذا القانون، في محاولة لجسر الهوة بين الموقف السياسي والموقف الاقتصادي، التي استمرت خلال السنوات والعقود الطويلة الماضية.

وأشار عطالله إلى أن تأثير هذه الخطوة على العلاقة الاستراتيجية مع إسرائيل يتوقف على عدة عوامل، من بينها التغيير المحتمل في الحكومة الإسرائيلية، والذي سيلعب دورًا في استمرار هذه الإجراءات وتكريسها أو زيادتها.

وأوضح أن سياسات الحكومة الإسرائيلية المقبلة ستكون عاملًا مؤثرًا؛ فإذا استمرت حكومة بنيامين نتنياهو وسياساتها الاستيطانية، فقد تتجه الإجراءات العقابية إلى مزيد من التشدد، بينما قد يؤدي وصول حكومة مختلفة إلى توقف أو تراجع بعض القضايا المرتبطة بالاستيطان.

التعامل مع المستوطنات كجزء من منظومة الاحتلال

من جهته، يرى رئيس المنتدى الفلسطيني في بريطانيا، عدنان حميدان، أن القرار البريطاني يعني أن بريطانيا بدأت تتعامل مع المستوطنات على حقيقتها، باعتبارها جزءًا من منظومة الاحتلال، وليست كيانات اقتصادية طبيعية.

واعتبر حميدان القرار خطوة مهمة على طريق محاربة الاحتلال، ليس لأن حجم التجارة مع المستوطنات كبير، وإنما لأن دلالته السياسية والقانونية أكبر بكثير من أثره الاقتصادي.

وأوضح أن المستوطنات أقيمت على أرض فلسطينية محتلة، وأن ما يسمى بالنشاط الاقتصادي فيها لا يمكن فصله عن الاستيلاء على الأرض وتهجير الفلسطينيين وفرض واقع استعماري بالقوة.

وأكد لـ”قدس برس” أن المبدأ ينبغي أن يكون واضحًا، وهو أن “كل نشاط اقتصادي يساهم في تثبيت الاحتلال أو توسيع المستوطنات يجب أن يكون موضع مساءلة ومنع”.

وأضاف: “فإن كانت المستوطنة غير قانونية، فلا معنى لأن نحظر شراء منتج منها ثم نسمح بتمويل بناء مستوطنة جديدة، أو الاستثمار في عقاراتها، أو تقديم الخدمات التي تساعد على استمرارها”.

وتابع: “إذا كانت بريطانيا تقول إن المستوطنات غير قانونية، فمن الطبيعي أن نسأل: لماذا استغرق الأمر كل هذه السنوات حتى تبدأ في اتخاذ إجراءات اقتصادية ضدها؟”

وأشار إلى أن المشكلة كانت دائمًا في الفجوة بين الخطاب والممارسة؛ فقد كان هناك رفض سياسي للاستيطان، لكن لم تكن هناك إجراءات تتناسب مع خطورة ما يحدث على الأرض.

وشدد حميدان على أن أهمية القرار تكمن في أنه يضع مبدأ يمكن البناء عليه، فعندما تكون هناك ممارسات مرتبطة بالاحتلال والاستيطان وانتهاك القانون الدولي، فإن الدول تستطيع الانتقال من الإدانة إلى اتخاذ إجراءات عملية.

SOURCE: QUDS PRESS INTERNATIONAL NEWS AGENCY