أثار البيان المشترك الصادر عن ثماني دول عربية وإسلامية بشأن الحرب على قطاع غزة وتنفيذ الاتفاقات المتعلقة بوقف إطلاق النار، تساؤلات حول دلالاته السياسية، وتوقيت صدوره، ومدى قدرته على ممارسة ضغط فعلي على “إسرائيل” والولايات المتحدة، في ظل استمرار التعثر في الانتقال إلى مراحل الاتفاق، وتصاعد التوترات الإقليمية والدولية.
ويرى نقيب الصحفيين الأردنيين الأسبق والكاتب راكان السعايدة أن البيان، رغم أهميته السياسية، لا يحمل في حد ذاته القدرة على إحداث تغيير حاسم في سياسات الاحتلال، مشيراً إلى أن القضية الفلسطينية شهدت خلال السنوات الماضية بيانات ومواقف عربية وإسلامية جماعية وفردية عديدة، من دون أن تنجح في تغيير سلوك إسرائيل.
وقال السعايدة في حديثه لـ”قدس برس” إن البيان يعيد التأكيد على مواقف الدول الموقعة تجاه القضية الفلسطينية ويدين سياسات الاحتلال، لكنه يأتي في سياق طويل من البيانات التي صدرت في ظروف أكثر صعوبة مرت بها القضية الفلسطينية، “دون أن تترك أثراً وتغييراً حقيقياً في سياسات الاحتلال وأفعاله”.
وأضاف أن “إسرائيل” تواصل خلق وقائع ميدانية وسياسية جديدة من دون أن تقيم، بحسب تقديره، وزناً للمواقف العربية والإسلامية، وهو ما يظهر بوضوح في القدس ومقدساتها والضفة الغربية وقطاع غزة.
الاحتلال اعتاد بيانات الإدانة
وأشار السعايدة إلى أن الاحتلال “نسف اتفاقية أوسلو وحطم حل الدولتين”، لافتاً إلى أن اليمين الإسرائيلي المتطرف يؤكد رفض إقامة دولة فلسطينية، في حين تتحدث أصوات داخل “إسرائيل” عن الضم وإلغاء الاتفاقية التي وقعت عام 1993، والتي كان يفترض أن تقود إلى إقامة الدولة الفلسطينية بعد خمس سنوات.
وبناء على ذلك، استبعد السعايدة أن يكون للبيان تأثير حاسم في لجم الاحتلال أو إحقاق الحقوق الفلسطينية، معتبراً أن “إسرائيل” اعتادت على بيانات الشجب والإدانة ولم تعد تقيم لها وزناً.
ويرى أن الدول الموقعة على البيان ربما تلمس تغيرات نسبية في الموقف الشعبي الأميركي، وإلى حد ما الرسمي، إضافة إلى الموقف الأوروبي، وتحاول المراهنة على إمكانية دفع الولايات المتحدة وأوروبا إلى اتخاذ خطوات ذات وزن للضغط على الاحتلال.
لكنه شكك في واقعية هذه المراهنة، معتبراً أن التغير في المواقف الغربية لم يصل بعد إلى المستوى الذي يمكن أن يدفع إلى تحول جوهري في السياسة تجاه إسرائيل.
محاولة عربية لدفع واشنطن نحو موقف أكثر حزماً
وحول ما إذا كان البيان يعكس إحباطاً عربياً من أداء واشنطن أو يمثل محاولة لدفعها نحو موقف أكثر حزماً، قال السعايدة إن الدول الموقعة تحاول استثمار التغير النسبي في المزاج العالمي، ولا سيما الغربي، على أمل دفع الاحتلال إلى التراجع والالتزام بالمواثيق والشرعية الدولية.
وأوضح أن الرهان على الولايات المتحدة تحديداً يعود إلى ما تمتلكه من ثقل سياسي وقدرة على دفع إسرائيل إلى تغيير سياساتها ووقف ما وصفه بالتدمير المنهجي لفرص السلام.
لكنه أشار إلى أن التغيير النسبي في المزاج الشعبي الأميركي، وإلى حد ما الرسمي، “لم يصل بعد إلى اللحظة التي يغير موقفه ودعمه للكيان الاستيطاني”، معتبراً أن “إسرائيل” لا تزال جزءاً أساسياً من منظومة الهيمنة الأميركية على المنطقة.
الضغط الحقيقي يحتاج إلى خطوات عملية
وفيما يتعلق بمدى قدرة الاصطفاف العربي والإسلامي على رفع مستوى الضغط الدبلوماسي، قال السعايدة إن أهمية البيان والدول الموقعة عليه لا تعني بالضرورة أنه سيؤدي إلى نتائج حاسمة، مرجحاً أن يبقى تأثيره في الإطار الإعلامي والسياسي ما لم تتبعه خطوات عملية.
ودعا الدول الموقعة إلى اتخاذ إجراءات تتجاوز البيانات، وفي مقدمتها إعادة النظر في العلاقات مع الاحتلال، سواء من جانب الدول التي ترتبط معه باتفاقيات معلنة، أو تلك التي تقيم علاقات غير معلنة.
كما دعا إلى توضيح موقف أكثر صرامة للإدارة الأميركية، مفاده أن استمرار دعم الاحتلال وعدم لجم تصرفاته وإلزامه بالقانون الدولي سيكون له تأثير سلبي على العلاقات مع واشنطن ومصالحها في المنطقة.
واقترح توسيع دائرة الضغط على الولايات المتحدة عبر تعزيز الانفتاح العربي على أوروبا والصين وروسيا، بما يمنح الدول العربية خيارات سياسية أوسع.
توقيت البيان مرتبط بتطورات اتفاق وقف إطلاق النار
في المقابل، يرى الكاتب والمحلل السياسي حازم عيّاد أن البيان جاء في توقيت حساس، خصوصاً بعد أيام من إعلان حركة المقاومة الإسلامية “حماس” استعدادها للتعامل مع المقترحات المتعلقة بسلاحها، استجابة لجهود الوسطاء والضامنين، إلى جانب المبعوث الأممي السابق إلى الشرق الأوسط ملادينوف.
وقال عياد إن إعلان حماس يمثل، من وجهة نظره، تأكيداً على التزام المقاومة الفلسطينية، ممثلة بحماس والفصائل الفلسطينية، بالاتفاق واستعدادها للمضي نحو المرحلة الثانية منه، في مقابل رفض إسرائيلي للتفاعل مع هذا التطور، ومحاولات لوضع عوائق ميدانية وسياسية وإضافة شروط جديدة لتجنب الالتزام بالاتفاق والانسحاب من قطاع غزة.
وأضاف أن صدور البيان عن الدول الثماني لم يكن مستغرباً، بالنظر إلى مساهمتها في التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة في تشرين الأول/أكتوبر 2025، فضلاً عن لقائها بالرئيس الأميركي على هامش اجتماعات الدورة الثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة.
إحباط من تقاعس واشنطن ومحاولة لاستثمار الفرصة
ويرى عياد أن البيان يعكس إحباطاً لدى الدول العربية والإسلامية من تقاعس الولايات المتحدة والدول الأوروبية عن الضغط على إسرائيل وإلزامها بتنفيذ الاتفاق.
لكنه يعتبر في الوقت ذاته أن البيان يمثل محاولة جادة للضغط على الإدارة الأميركية واستثمار الفرصة المتاحة بعد إعلان فصائل المقاومة استعدادها للمضي قدماً في اتفاق وقف إطلاق النار.
ويشير عياد إلى أن انشغال الولايات المتحدة بعدد من الملفات والأزمات الدولية قد يمنح الدول العربية والإسلامية فرصة لممارسة مزيد من الضغط على واشنطن.
ويضع في هذا السياق الحرب في منطقة الخليج، وتفاقم الأزمة الأوكرانية، والتحديات المتزايدة في العلاقة مع الصين، ولا سيما في بحر الصين الجنوبي، معتبراً أن هذه العوامل تتيح للدول العربية والإسلامية مساحة أوسع للضغط على الإدارة الأميركية لإلزام الاحتلال بالاتفاقات ووقف هجماته في القدس والضفة الغربية وقطاع غزة.
كما يرى أن فشل “إسرائيل”، وفق تقديره، في تمرير أجندتها في لبنان وسوريا ومنطقة الخليج العربي قد يهدد بتحولها إلى عبء على الولايات المتحدة.
تحولات أميركية تفتح مجالاً للضغط
وأشار عياد إلى أن البيان يأتي أيضاً في ظل تحولات في المزاج الداخلي الأميركي قبيل انتخابات الكونغرس، معتبراً أن نفوذ ومكانة اللوبي الإسرائيلي، وعلى رأسه “إيباك”، يشهدان تراجعاً.
ويرى أن هذه التحولات تتيح للدول العربية والإسلامية ممارسة مزيد من الضغط على الولايات المتحدة، مشدداً على ضرورة استمرار هذا الضغط وتصعيده واتخاذه أشكالاً متعددة خلال المرحلة المقبلة.
وبحسب عياد، فإن الهدف يتمثل في دفع “إسرائيل” إلى وقف هجماتها والتراجع عن سياساتها في الضفة الغربية وقطاع غزة، وإلزامها بالاتفاقات التي تم التوصل إليها.
اصطفاف إقليمي مرشح للتعاظم
وحول أهمية الاصطفاف العربي والإسلامي، قال عياد إن هذا الاصطفاف مؤثر، ومن المتوقع أن يتعاظم تأثيره مستقبلاً في الملف الفلسطيني، خصوصاً مع تنامي الدورين التركي والباكستاني وتعاظم التعاون مع مصر والسعودية.
ويرى أن مجموعة من العوامل، بينها الأزمات التي تواجهها الولايات المتحدة في الخليج وأوكرانيا وجنوب شرق آسيا، إلى جانب التحولات الداخلية الأميركية، تمنح الدول العربية والإسلامية فرصة لممارسة مزيد من الضغط على واشنطن.
وكانت قد أعربت 8 دول عربية وإسلامية قبل أيام عن إدانتها واستنكارها -بأشد العبارات- للانتهاكات الإسرائيلية المتواصلة في قطاع غزة، لا سيما استهداف المرافق والمنشآت الصحية، والاعتداء على البنية التحتية المدنية، واستمرار سقوط الضحايا المدنيين، بمن فيهم النساء والأطفال، فيما وصفته الدول المعنية بانتهاك جسيم للقانون الدولي، بما في ذلك القانون الدولي الإنساني.
وأكد وزراء خارجية قطر والأردن والإمارات وإندونيسيا وباكستان وتركيا والسعودية ومصر أن استمرار هذه الانتهاكات يمثل خرقا واضحا لالتزامات “إسرائيل” بموجب القانون الدولي والخطة الشاملة لإنهاء النزاع في غزة، ويقوض الجهود الدولية والإقليمية الرامية إلى تنفيذ المرحلة الثانية من الخطة.
SOURCE: QUDS PRESS INTERNATIONAL NEWS AGENCY