رأى محللون سوريون أن خارطة التحالفات الإقليمية التي عرضها رئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، تعكس تحولات في الحسابات السياسية والأمنية الإسرائيلية، وسط مخاوف من تصعيد عسكري جديد في الجنوب السوري، يرتبط بالانتخابات وتداعيات السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023.
وأوضح المحللون، خلال مشاركتهم في برنامج “على الطاولة” على قناة الإخبارية السورية، أن الخارطة تحمل رسائل بشأن مستقبل التحالفات الإقليمية، بالتزامن مع محاولات فرض واقع أمني وجغرافي جديد في المنطقة.
تحذيرات تركية من التصعيد الإسرائيلي
قال الباحث في مركز تركيا الجديدة علي الأسمر، إن تحذيرات الرئيس التركي رجب طيب أردوغان من محاولات إسرائيلية لإثارة الفوضى في سوريا، تعكس قلق أنقرة من تأثير سياسات حكومة نتنياهو على التطورات الإيجابية التي تشهدها البلاد.
وأوضح أن هذه التطورات تشمل مسار الاندماج في شمال شرقي سوريا، وتعزيز مشاركة الحكومة السورية في الاجتماعات الدولية، وارتفاع مستوى التنسيق بين دمشق وأنقرة وواشنطن وعدد من الشركاء العرب.
وأشار الأسمر إلى أن المخاوف التركية تتركز على احتمال لجوء نتنياهو إلى فتح جبهات جديدة خلال المرحلة التي تسبق الانتخابات، معتبراً أن السلوك العسكري لحكومته يجعل احتمالات التصعيد قائمة، خصوصاً في سوريا.
وأضاف أن تركيا، شأنها شأن بقية دول المنطقة، تترقب نتائج الانتخابات الإسرائيلية وانعكاساتها على العلاقات الإقليمية، لافتاً إلى أن العلاقات التركية الإسرائيلية شهدت تاريخياً مستويات متفاوتة من التعاون، قبل تدهورها الحاد على خلفية الحرب على قطاع غزة.
ورأى أن تغيير الحكومة الإسرائيلية قد يفتح الباب أمام إعادة تقييم العلاقات مع أنقرة، وربما استئناف بعض قنوات التواصل الدبلوماسي والأمني، لكنه شدد على أن ذلك سيبقى مرهوناً بسياسات الحكومة المقبلة وسلوكها تجاه دول المنطقة.
خارطة التحالفات وحسابات ما بعد 7 أكتوبر
من جانبه، قال الخبير في العلاقات السورية الإسرائيلية خالد خليل، إن الخارطة التي عرضها نتنياهو جاءت ضمن وثيقة أمنية طرحها في سياق المعركة الانتخابية، مشيراً إلى أن الكشف العلني عن مثل هذه التصورات يحمل دلالات سياسية تتجاوز مضمونها الجغرافي.
وأوضح أن نتنياهو بات، منذ أحداث السابع من أكتوبر، يعتمد بصورة متزايدة على استدعاء الرموز الأيديولوجية والخرائط الإقليمية في خطاباته، مستشهداً بعروض مشابهة قدمها أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، بهدف توظيف القضايا الإقليمية في حساباته السياسية.
ولفت خليل إلى أن تصنيف سوريا باللون الأخضر الفاتح في الخارطة يمثل، بحسب قراءته، اعترافاً ضمنياً بخروجها من منظومة المحاور التقليدية، وتحديداً من دائرة النفوذ الإيراني التي كانت حاضرة في الخطاب الأمني الإسرائيلي خلال السنوات الماضية.
واعتبر أن هذا التصنيف يتناقض مع تصريحات سابقة لنتنياهو، خصوصاً عقب تقدمه إلى قمة جبل الشيخ، عندما تحدث عن مواجهة المحور الإيراني، رغم التحولات السياسية التي شهدتها سوريا بعد سقوط النظام السابق.
وأشار إلى أن نتنياهو يسعى إلى إعادة تقديم نفسه أمام الناخبين باعتباره القادر على رسم التوازنات الأمنية والتحالفات السياسية في المنطقة، مستفيداً من استحضار التهديدات المرتبطة بإيران وحزب الله لشد العصب الانتخابي.
وربط خليل هذا التوجه بالأزمة السياسية والاجتماعية داخل إسرائيل، والانقسامات الحادة بشأن إدارة الحرب وتداعياتها، معتبراً أن السابع من أكتوبر وضع المؤسسة السياسية والأمنية أمام تساؤلات تتعلق بالإخفاقات التي سبقت الهجوم.
وأضاف أن نتنياهو يحاول إعادة توجيه النقاش الداخلي نحو التهديدات الإقليمية والإنجازات العسكرية، في ظل تصاعد الضغوط السياسية المرتبطة بتداعيات الحرب على قطاع غزة.
تغيير قواعد الاشتباك في الجنوب السوري
بدوره، قال الباحث في العلاقات الدولية وفض النزاعات عبد الله الأسعد، إن التحركات العسكرية الإسرائيلية في الجنوب السوري منذ سقوط النظام السابق تستهدف تحقيق مكاسب ميدانية يمكن توظيفها سياسياً في الداخل الإسرائيلي.
وأوضح أن هذه التحركات تتجاوز الاعتبارات الأمنية المؤقتة، وتسعى إلى تغيير طبيعة الجبهة التي تشكلت بموجب اتفاقية فصل القوات لعام 1974، وفرض ترتيبات جديدة تتجاوز خطوط الفصل السابقة.
وأشار إلى أن التوغلات شملت مناطق متعددة في محافظة القنيطرة، بينها بريقة وبئر عجم وكودنة وتل أحمد الشرقي والغربي، إضافة إلى التحرك باتجاه حضر والحميدية ومحيط تل باط الوردة.
واعتبر أن اتساع نطاق العمليات يعكس توجهاً نحو تغيير الواقع العسكري والجغرافي، وإقامة مناطق نفوذ إضافية تعزز السيطرة على المواقع الاستراتيجية المحيطة بالجولان السوري المحتل.
ولفت إلى أن هذه السياسة لا تقتصر على التوسع العسكري، بل تشمل محاولات التأثير في الواقع السكاني والجغرافي، بما يخدم التصورات الأمنية الإسرائيلية بعيدة المدى.
الثروة المائية في الحسابات الإسرائيلية
ورأى الأسعد أن الموارد المائية والأراضي الزراعية تشكل جانباً أساسياً من الأهداف الإسرائيلية في الجنوب السوري، نظراً إلى الأهمية الاستراتيجية والاقتصادية التي تتمتع بها المنطقة.
وأوضح أن المستوطنات المقامة في الجولان السوري المحتل تواجه، وفق تقديره، محدودية في إمكانات التوسع الجغرافي والزراعي، ما يجعل الأراضي المجاورة موضع اهتمام في التصورات الإسرائيلية المستقبلية.
وأشار إلى أهمية السدود والموارد المائية المنتشرة في الجنوب السوري، ومنها سد الرويحينة وسد سحم الجولان وسد نافعة وسد جملة وسد عبدين، معتبراً أن السيطرة على محيطها قد تمنح الاحتلال مكاسب إضافية.
وأكد أن الهدفين العسكري والمائي يتقدمان بقية الأهداف خلال المرحلة الحالية، بينما تبقى الاعتبارات السكانية والسياسية جزءاً من الحسابات بعيدة المدى.
وربط الأسعد هذه التحركات بالحملة الانتخابية لنتنياهو، معتبراً أنه يسعى إلى تقديم إنجازات ميدانية للناخب الإسرائيلي، وإظهار قدرته على فرض ترتيبات أمنية جديدة.
وأشار إلى أن استمرار التوغلات يأتي بالتزامن مع تصاعد الانتقادات الداخلية والخارجية للحروب التي تخوضها حكومة نتنياهو، لافتاً إلى أن محاولات تحقيق مكاسب جديدة في سوريا ترتبط أيضاً بالسعي إلى تجاوز الضغوط السياسية التي خلفتها أحداث السابع من أكتوبر والحرب على غزة.
SOURCE: QUDS PRESS INTERNATIONAL NEWS AGENCY