تتصاعد حالة الاستياء في أوساط الأسرى الفلسطينيين وعائلاتهم، على خلفية استمرار السلطة الفلسطينية قطع رواتب مئات الأسرى منذ أشهر، في خطوة أثارت جدلاً واسعًا على المستويين الشعبي والحقوقي، خاصة في ظل تداعياتها المعيشية والإنسانية على الأسرى وذويهم.
ويأتي هذا الاستياء في وقت يترقب فيه الأسرى بارقة أمل، عقب قرار المحكمة الإدارية في رام الله، وسط الضفة الغربية، الصادر يوم الاثنين الماضي، والقاضي بإلغاء قرار وقف راتب الأسير القاصر أحمد فراس حسن منذ منتصف العام الماضي.
ويرى متابعون أن هذا القرار قد يشكل سابقة قانونية مهمة، يمكن البناء عليها لإنهاء أزمة رواتب نحو 1600 أسير تأثروا بقرارات مماثلة.
وكانت رواتب الأسرى قد خضعت لتغيير جذري بعد إصدار رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس مرسوماً رئاسياً يقضي بنقل مخصصات الأسرى من وزارة المالية إلى المؤسسة الوطنية الفلسطينية للتمكين الاقتصادي، في خطوة قالت الجهات الرسمية إنها تهدف إلى إعادة تنظيم آليات الصرف.
إلا أن هذه الخطوة أدت فعليًا إلى وقف أو تأخير صرف الرواتب لعدد كبير من الأسرى، ما فاقم من معاناتهم.
وكان أسرى داخل سجون الاحتلال، عبّروا من خلال رسائل مسربة وشهادات عائلاتهم، عن شعورهم بالخذلان، معتبرين أن هذه الرواتب تمثل حقًا نضاليًا واجتماعيًا، وليس مجرد مساعدة مالية، مشيرين إلى أن قطعها يضعهم وعائلاتهم في ظروف اقتصادية صعبة، خاصة في ظل غياب مصادر دخل أخرى.
في المقابل، ينظر العديد من الأسرى إلى قرار المحكمة الإدارية باعتباره خطوة أولى في مسار تصحيح هذا الملف، إذ يعزز من إمكانية الطعن القانوني في قرارات وقف الرواتب، ويفتح الباب أمام مراجعة شاملة للإجراءات المتخذة.
ويأمل هؤلاء أن تتوسع هذه القرارات لتشمل بقية الأسرى المتضررين، بما يعيد صرف مستحقاتهم ويضع حدًا لحالة الغموض الحالية.
ويرى مختصون قانونيون أن الحكم الأخير يؤكد على أهمية الاحتكام للقضاء في القضايا الإدارية، خاصة تلك التي تمس حقوق فئات حساسة كالأسرى، مشددين على ضرورة التزام الجهات التنفيذية بتنفيذ الأحكام القضائية.
من جهتها، تعول الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان “ديوان المظالم” في فلسطين (تابعة للسلطة الفلسطينية) على قرار المحكمة الإدارية لإنهاء أزمة رواتب قرابة 1600 أسير قطعت رواتبهم.
وأصدرت المحكمة الإدارية المنعقدة في مدينة رام الله، الاثنين، قراراً يقضي بإلغاء “القرار الضمني” الصادر عن وزير المالية، الذي بناء عليه توقفت رواتب الأسير أحمد فراس حسن منتصف العام 2025، حيث كانت الهيئة المستقلة تقدمت بتاريخ 12/8/2025 بدعوى إلغاء هذا القرار.
وتؤكد الهيئة المستقلة أن القرار يشكل سابقة يمكن البناء عليها في إعادة رواتب أكثر من 1600 أسير، وفق ما صرح به المحامي أحمد نصرة المستشار القانوني للهيئة، الذي أكد لـ”قدس برس” أن الادعاء استند إلى أن قرار وقف الرواتب مخالف للقانون.
وأشار إلى أن القانون الأساسي “يوجب على دولة فلسطين دفع رواتب لهذه الفئة، في إشارة إلى المادة 22 من القانون الأساسي المعدل، التي تنص على رعاية أسر الشهداء والأسرى ورعاية الجرحى والمتضررين والمعاقين واجبٌ يُنظم القانون أحكامه، وتكفل السلطة لهم خدمات التعليم والتأمين الصحي والاجتماعي”.
واستند الادعاء كذلك إلى قانون الأسرى والمحررين.
وشدد على أن قرار قطع الرواتب يُنفذ دون وجود مستند رسمي يفيد بصدور مثل هذا القرار، “ولذا فقد اعتبر قراراً ضمنياً عن وزير المالية، أي غير مكتوب، وهو ما أخذت به المحكمة، وأصدرت حكمها بناء عليه”.
ويؤكد المحامي نصرة أن مثل هذا القرار يعتبر نافذاً، لكن هناك مهلة قانونية للاستئناف قبل التنفيذ، معتبراً أنه “بعد انتهاء تلك المهلة، لا يلزم باقي المتضررين من قطع الرواتب التوجه إلى المحاكم مرة أخرى ورفع دعاوى مشابهة، كون الدعوى عينية، وهي تخاصم القرار ذاته، الذي تأثر به باقي المتضررين”.
ويعتبر مدير عام الهيئة عمار دويك أن هذه القضية هي الأولى في القضاء المتعلقة بقرار قطع رواتب قرابة 1600 أسير، مؤكداً أنه يمكن اعتباره سابقة، مشيراً إلى أن القرارات بالعادة تطبق على الشخص الذي رفع القضية.
واستدرك بالقول: “لكن في حالات سابقة نفذت السلطة الفلسطينية القرارات على جميع من تنطبق عليهم الشروط ذاتها كما جرى في عام 2012 من قرار عن المحكمة العليا يقضي بإلغاء قرار وزيرة التربية والتعليم المتعلق بفصل المعلمين المفصولين، وكانت القضية حينها مقدمة من الهيئة باسم 20 معلماً، لكنه طبق بحق قرابة 700 معلم تم فصلهم (لأسباب سياسية)”.
ويؤكد الدويك أن الهيئة لجأت إلى القضاء في قضية رواتب الأسرى بعد استنفاد جميع الطرق الأخرى من مخاطبة الجهات السياسية والرسمية، بما في ذلك مخاطبة الرئيس الفلسطيني، دون الوصول لأي نتيجة.
ويعتمد تنفيذ القرار وانسحابه على باقي الأسرى، بحسب الدويك، على توجه الحكومة في التعامل معه، قائلاً “إنه من المفترض أن تتوجه الهيئة بقرار المحكمة لوزارة المالية لمطالبتها بتنفيذه”.
ويوضح الدويك، “سنرى كيف سيكون التنفيذ وآلية التنفيذ، وسندخل في حوار مع الحكومة لتطبيقه على جميع الحالات المماثلة والمشابهة له، لأن هذا القرار يوجه رسالة بأن أي شيء يتعلق بقطع رواتب الأسرى هو إجراء غير قانوني”.
وشدد على أن موقف الهيئة يستند إلى القانون الأساسي الفلسطيني الذي يؤكد أن رواتب وما يتعلق بإعالة أسر الشهداء والأسرى والأسرى المحررين، هو واجب على السلطة والحكومة.
SOURCE: QUDS PRESS INTERNATIONAL NEWS AGENCY