اختتمت حركة “فتح” أعمال مؤتمرها العام الثامن، الذي عُقد في مدينة رام الله، بانتخاب لجنة مركزية جديدة ومجلس ثوري جديد، وسط تأكيدات على أهمية تجديد البنية التنظيمية للحركة وتعزيز حضورها الوطني خلال المرحلة المقبلة، فيما أثار تسريب صوتي منسوب للقيادي الفتحاوي عباس زكي جدلاً واسعاً داخل الأوساط الحركية.
وشهد المؤتمر، الذي انعقد تحت شعار “انطلاقة متجددة.. حرية، صمود، استقلال”، مشاركة واسعة من كوادر الحركة في الضفة الغربية وقطاع غزة والخارج، في ظل ظروف سياسية وتنظيمية معقدة تمر بها الساحة الفلسطينية.
وناقش المشاركون خلال جلسات المؤتمر عدداً من الملفات السياسية والتنظيمية، أبرزها تطورات القضية الفلسطينية، والأوضاع الداخلية، وسبل تطوير الأداء التنظيمي للحركة خلال المرحلة المقبلة.
وأسفرت الانتخابات الداخلية عن اختيار لجنة مركزية جديدة، تُعد أعلى هيئة قيادية في الحركة، إلى جانب انتخاب مجلس ثوري جديد يتولى مهام الرقابة والمتابعة التنظيمية، ويتولى رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس رئاستها بحكم منصبه التنظيمي كقائد عام للحركة، وهو المنصب الذي جُدد انتخابه فيه بالإجماع والتزكية خلال الجلسة الإجرائية الأولى للمؤتمر.
وبحسب النتائج المعلنة، تصدر الأسير مروان البرغوثي نتائج انتخابات اللجنة المركزية بحصوله على 1877 صوتاً، تلاه رئيس جهاز المخابرات العامة ماجد فرج بـ1861 صوتاً، ثم جبريل رجوب بـ1609 أصوات، وحسين الشيخ بـ1570 صوتاً.
كما فازت ليلى غنام بـ1472 صوتاً، ومحمود العالول بـ1469 صوتاً، وتوفيق الطيراوي بـ1361 صوتاً، وياسر عباس بـ1290 صوتاً.
وضمت قائمة الفائزين أيضاً تيسير البرديني بـ1214 صوتاً، وزكريا الزبيدي بـ1194 صوتاً، وأحمد أبو هولي بـ1146 صوتاً، وأبو ماهر حلس بـ1081 صوتاً.
وفاز كذلك عدنان غيث بـ1024 صوتاً، وموسى أبو زيد بـ946 صوتاً، ودلال سلامة بـ937 صوتاً، ومحمد المدني بـ898 صوتاً، وإياد صافي بـ897 صوتاً، ومحمد اشتية بـ861 صوتاً.
وأفرزت الانتخابات، حدوث تغيير بلغت نسبته 50 بالمئة في تركيبة اللجنة المركزية؛ حيث صعد 9 أعضاء جدد إلى الهيئة القيادية الأولى مقابل احتفاظ 9 أعضاء سابقين بمقاعدهم، كما أظهرت النتائج الأولية وشبه الرسمية، خروجاً جماعياً لعدد من أبرز الشخصيات التاريخية التي ارتبطت بقيادة العمل السياسي والتنظيمي لحركة “فتح” عبر العقود الماضية عقب فشلهم في حصد الأصوات الكافية في الصناديق.
وشملت قائمة المغادرين لمركزية فتح كلاً من: عزام الأحمد، وعباس زكي، وروحي فتوح (رئيس المجلس الوطني الفلسطيني الحالي)، وإسماعيل جبر (مساعد القائد العام لشؤون المحافظات)، وصبري صيدم (نائب أمين سر المجلس الثوري السابق).
كما غابت عن اللجنة قيادات بارزة غيبها الموت خلال الدورة السابقة، وفي مقدمتهم أمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير السابق الدكتور صائب عريقات (توفي عام 2020)، وعضو اللجنة المركزية جمال المحيسن (توفي عام 2022).
كما كان لافتا غياب أي عضو يمثل التيار المفصول بقيادة محمد دحلان “التيار الإصلاحي”، وسجل المؤتمر أيضا استمرار غياب عضو اللجنة المركزية ووزير الخارجية الأسبق ناصر القدوة الذي فُصل رسمياً في آذار/ مارس 2021.
وشهدت الانتخابات منافسة بين عشرات المرشحين من قيادات وكوادر الحركة، وسط مشاركة واسعة من أعضاء المؤتمر الذين تجاوز عددهم 2500 عضو.
وقال الكاتب والمحلل السياسي هاني المصري إنّالمؤتمر يمثل محاولة لإعادة ترتيب البيت الداخلي لحركة فتح، لكنه أشار إلى أن نجاح القيادة الجديدة سيبقى مرتبطاً بقدرتها على تنفيذ إصلاحات حقيقية وتعزيز المشاركة داخل الحركة.
وأضاف المصري أن التحدي الأبرز أمام القيادة المنتخبة يتمثل في استعادة ثقة الشارع الفلسطيني، في ظل حالة الإحباط السياسي والانقسام الداخلي.
من جهته، اعتبر المحلل السياسي مصطفى إبراهيم أن نتائج الانتخابات أظهرت استمرار نفوذ التيار التقليدي داخل الحركة، مع وجود مساحة محدودة لوجوه جديدة، مشيراً إلى أن ذلك يعكس رغبة القيادة في الحفاظ على التوازنات الداخلية.
وأوضح إبراهيم أن المرحلة المقبلة ستختبر قدرة اللجنة المركزية والمجلس الثوري على التعامل مع الملفات التنظيمية المعقدة، وفي مقدمتها تفعيل الأطر الحركية وتعزيز حضور الشباب داخل المؤسسات القيادية.
بدوره، قال الكاتب السياسي جهاد حرب إن المؤتمر الثامن يحمل أهمية خاصة كونه جاء بعد سنوات طويلة من التأجيل، معتبراً أن مجرد انعقاده يمثل رسالة بأن الحركة تسعى إلى الحفاظ على شرعيتها التنظيمية وتجديد مؤسساتها.
وأشار حرب إلى أن نتائج المؤتمر قد تساهم في تخفيف حالة الاحتقان داخل الحركة إذا ما رافقها انفتاح أكبر على الكوادر الشابة وتطوير آليات العمل الداخلي.
وفي أعقاب إعلان النتائج، تداول ناشطون عبر منصات التواصل الاجتماعي تسريباً صوتياً منسوباً لعباس زكي، تضمن انتقادات حادة للواقع الداخلي للحركة والسلطة الفلسطينية، عقب خروجه من عضوية اللجنة المركزية.
وقال زكي في التسجيل المتداول: “فتح الردة ستعود إلى فتح الأم الحقيقية بفعل التنكيل القادم، وعدم القدرة على الرد على أسئلة الجمهور حول الشهداء والجرحى والأسرى وغزة والفساد المستشري في السلطة”.
وأضاف: “كل هذه الأسئلة تحتاج إلى إجابات، وإذا لم يتم الرد عليها خلال الأشهر المقبلة، فستعود فتح الجذور لتعمل بسرية وحذر لقلب قواعد اللعبة”.
كما عبّر زكي، في التسجيل ذاته، عن رضاه بخروجه من اللجنة المركزية، قائلاً: “أنا سعيد جداً بإعفائي من هذا الدور، وقدمت آخر ما لدي وأفضل ما لدي”.
ولم يصدر حتى الآن تعليق رسمي من عباس زكي أو حركة فتح بشأن صحة التسجيل المتداول، غير أن التسريب أثار تفاعلاً واسعاً داخل الأوساط الفتحاوية وعلى منصات التواصل الاجتماعي، خاصة لما تضمنه من انتقادات مباشرة لقيادات في الحركة والسلطة الفلسطينية.
ويرى مراقبون أن التسريب المنسوب لعباس زكي يعكس حجم التباينات الداخلية داخل الحركة، والنقاشات المتصاعدة بشأن مستقبل القيادة وترتيبات المرحلة المقبلة، لا سيما مع تصاعد الحديث عن مرحلة ما بعد الرئيس محمود عباس.
SOURCE: QUDS PRESS INTERNATIONAL NEWS AGENCY