Search
Close this search box.
Search
Close this search box.

غزة بين حق المقاومة وشروط الاحتلال.. ورقة أمنية أم حق تكفله القوانين الدولية؟

في كل مرة تتعثر فيها جهود تثبيت اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، يُعاد طرح ملف سلاح المقاومة باعتباره “العقبة الأساسية” أمام أي تفاهمات سياسية أو أمنية. غير أن الوقائع الميدانية والسياسية خلال السنوات الماضية تشير إلى أن القضية أعمق بكثير من اختزالها في بند السلاح، وأن جوهر الأزمة يرتبط بطبيعة الاحتلال نفسه، وغياب الإرادة الإسرائيلية لإنهاء الحصار والالتزام بالاتفاقات، حتى في المراحل التي شهدت تهدئة طويلة أو تنسيقًا أمنيًا مرتفعًا.

فالسلاح، بالنسبة لفصائل المقاومة، لا يُطرح بوصفه أداة صراع داخلي أو مشروع سلطة، بل باعتباره وسيلة دفاع في مواجهة احتلال مستمر، وحقًا تكفله القوانين والأعراف الدولية للشعوب الواقعة تحت الاحتلال، خاصة في ظل غياب أي أفق سياسي حقيقي يضمن إنهاء السيطرة العسكرية واستعادة الحقوق الوطنية.

ويرى مراقبون أن تصوير سلاح المقاومة باعتباره السبب الوحيد لتعطّل الاتفاقات يتجاهل مسارًا طويلًا من التفاهمات التي لم تُنفذ، رغم وجود تهدئات والتزامات فلسطينية متعددة. فمنذ اتفاقيات أوسلو وحتى التفاهمات غير المباشرة المتعلقة بغزة، بقيت القضايا الجوهرية، كرفع الحصار ووقف الاستيطان وإنهاء الاحتلال، مؤجلة أو معطّلة.

ويشير هؤلاء إلى أن الاحتلال الإسرائيلي لم يتوقف عند حدود المطالبة بنزع السلاح، بل واصل سياسات التوسع والاقتحامات والاغتيالات حتى في مناطق تخضع لتنسيق أمني كامل، ما يعزز قناعة لدى شريحة واسعة من الفلسطينيين بأن المشكلة لا تكمن في وجود السلاح بحد ذاته، وإنما في غياب أي التزام حقيقي بمنح الفلسطينيين حقوقهم السياسية والإنسانية.

ويؤكد حقوقيون أن المواثيق الدولية تكفل حق الشعوب الواقعة تحت الاحتلال في مقاومته والدفاع عن حقها في تقرير المصير، وهو مبدأ ارتبط تاريخيًا بحركات التحرر الوطني في العالم.

وقد شهد القرن العشرون تجارب عديدة تمكنت فيها شعوب من انتزاع استقلالها عبر أشكال مختلفة من المقاومة، السياسية والشعبية والمسلحة. ففي الجزائر، خاضت جبهة التحرير الوطني حربًا طويلة ضد الاستعمار الفرنسي انتهت باستقلال البلاد عام 1962، بعدما فشلت محاولات فرض الهيمنة بالقوة. وفي جنوب أفريقيا، شكّل نضال الحركة المناهضة لنظام الفصل العنصري، بمختلف أدواته، عاملًا رئيسيًا في إسقاط نظام الأبارتهايد.

كما تُستحضر تجربة فيتنام بوصفها مثالًا على قدرة الشعوب على مقاومة قوى عسكرية أكبر منها، وصولًا إلى تحقيق الاستقلال وتوحيد البلاد، رغم سنوات الحرب الطويلة والخسائر الهائلة.

في المقابل، هناك تجارب أخرى راهنت على الوعود السياسية والتسويات دون امتلاك عناصر قوة حقيقية، لكنها لم تحصل على ما وُعدت به. فبعد اتفاق أوسلو، قدم الفلسطينيون اعترافًا سياسيًا واسعًا بإسرائيل مقابل وعود بإقامة دولة مستقلة خلال سنوات قليلة، إلا أن الواقع اتجه نحو مزيد من الاستيطان والانقسام الجغرافي والتضييق.

ويرى محللون أن هذا المسار عزز لدى قطاعات فلسطينية شعورًا بأن الاحتلال يستفيد من حالة الهدوء أو التفكك لإعادة تكريس سيطرته، دون تقديم تنازلات حقيقية تتعلق بالسيادة أو الحقوق الأساسية.

وفي حين يركز الطرح الإسرائيلي والغربي غالبًا على “الضمانات الأمنية” باعتبارها المدخل الأساسي لأي اتفاق دائم، يرد الفلسطينيون بأن الأمن لا يمكن أن يتحقق لطرف واحد فقط، في ظل استمرار القصف والحصار والاقتحامات وحرمان السكان من أبسط مقومات الحياة.

ويؤكد متابعون أن أي اتفاق وقف إطلاق نار قابل للاستمرار يحتاج إلى معالجة جذور الأزمة، لا الاكتفاء بالتركيز على أدواتها؛ فالسؤال بالنسبة للفلسطينيين لا يتعلق فقط بمن يملك السلاح، بل بمن يملك الحق في الحرية وإنهاء الاحتلال.

وقال الكاتب والمحلل السياسي ياسين عز الدين إنّ اتفاق وقف إطلاق النار في غزة، وما يُعرف بخطة ترامب للسلام، يتكون من جزأين، “الأول لا يتضمن نزع سلاح المقاومة، لكن إسرائيل لم تلتزم بمعظم بنوده، وتحاول القفز مباشرة إلى الجزء الثاني مع التركيز على مسألة نزع السلاح”.

وأضاف عز الدين، في حديثه لـ”قدس برس”، أن “إسرائيل نكثت، وفق التجارب السابقة، بمعظم اتفاقيات وقف إطلاق النار في غزة، وكانت تحصل على ما تريده ثم تتنصل من التزاماتها”.

وتابع: “بعد ما حدث على أرض الواقع، يصبح الاعتقاد بأن تسليم سلاح المقاومة سيغير المعادلة هذه المرة أمرًا غير واقعي”، وفق تعبيره.

وأشار إلى أن “المقاومة الفلسطينية في مخيمات بيروت عام 1982 استجابت لطلب الخروج من لبنان بضمانات أمريكية، لكن مجزرة صبرا وشاتيلا وقعت بعد أقل من شهر”، معتبرًا أن الحكومة الإسرائيلية الحالية “أكثر تطرفًا وأقل التزامًا بالاتفاقيات مقارنة بالحكومات السابقة”.

وشدد عز الدين على أن “الشعوب التي تحررت تاريخيًا حافظت على أدوات قوتها حتى إنهاء الاحتلال”، مضيفًا أن “إلقاء السلاح يعني عمليًا الاستسلام دون ضمان الحصول على الحقوق أو تنفيذ الالتزامات”.

وأضاف أن “التغيرات التي طرأت على الفكر السياسي الإسرائيلي بعد السابع من أكتوبر تعكس توجّهًا يقوم على تقليص الوجود الفلسطيني إلى الحد الأدنى”، مشيرًا إلى ما وصفه بوضوح هذا التوجه في الدعوات المتعلقة بالاستيطان في غزة وتهجير سكانها.

واستدل عز الدين بالوضع في الضفة الغربية، قائلًا إن “السلطة الفلسطينية لم تكتفِ بنزع سلاح المقاومة، بل تنسق أمنيًا بشكل كامل، ومع ذلك يتواصل التوسع الاستيطاني والتضييق على الفلسطينيين بوتيرة متصاعدة”.

وأوضح أن حركات التحرر في الجزائر وفيتنام واليمن الجنوبي “لم تتخلَّ عن السلاح قبل رحيل المستعمر، بل انتقلت إلى الحكم بعد انتهاء الاحتلال”.

وتابع: “حتى في التجارب التي انسحب فيها الاستعمار دون مقاومة مسلحة مباشرة، بقي النفوذ قائمًا عبر أنظمة محلية ترعى مصالحه، أما في غزة فحتى هذا النموذج لا يبدو مقبولًا لدى الاحتلال”، بحسب قوله.

واعتبر أن “الخطة الإسرائيلية تقوم على نزع سلاح المقاومة أولًا، ثم الإبقاء على الحصار والاحتلال بذريعة وجود أي سلاح متبقٍ”، مستشهدًا بما قال إنه “حالات استخدمت فيها إسرائيل ذرائع مرتبطة بعدم تنفيذ بعض بنود الاتفاق لتبرير استئناف عملياتها العسكرية”.

وفي السياق ذاته، أكد رئيس الهيئة الدولية للدفاع عن حقوق الشعب الفلسطيني “حشد”، صلاح عبد العاطي، أنه “لا يمكن فهم تعثر تطبيق اتفاقات وقف إطلاق النار في الحالة الفلسطينية من زاوية السلاح بوصفه العائق المركزي، بل من خلال البنية السياسية والقانونية التي تُدار عبرها الأزمة”.

وقال عبد العاطي إن “التجربة تُظهر أن السلاح في جوهره ليس سبب التعطيل، بل جزء من معادلة صراع أوسع، يغيب عنها التوازن والضمانات والعدالة”.

وأضاف لـ”قدس برس”: “في القانون الدولي، يرتبط حق الشعوب في مقاومة الاحتلال بمبدأ تقرير المصير، كما ورد في ميثاق الأمم المتحدة وقراراته المتعلقة بإنهاء الاستعمار”، موضحًا أن هذا الإطار “لا يمنح شرعية مطلقة للوسائل، لكنه يؤكد أن أصل الإشكال يتمثل في استمرار الاحتلال وغياب الحل السياسي العادل”.

وشدد على أن اختزال الأزمة في “نزع السلاح” يعني نقل المشكلة من جذورها السياسية إلى نتائجها الأمنية، وهو ما يؤدي، بحسب تعبيره، إلى “إعادة إنتاج الصراع بدلًا من حله”.

وأوضح أن المبادرات الدولية، سواء المرتبطة بما يُعرف بخطة أو بالجهود الأممية التي قادها نيكولاي ميلادينوف، كشفت عن نمط متكرر يقوم على إعادة تفسير المسارات السياسية بما يتوافق مع الرؤية الإسرائيلية، وربط أي تقدم سياسي بشرط مسبق يتمثل في نزع السلاح، إلى جانب تحويل ملف إعادة الإعمار من حق إنساني إلى أداة ضغط سياسي.

وأشار إلى أن غياب منظومة ضمانات دولية مُلزمة أدى إلى تحول المسار السياسي من إطار لحل النزاع إلى أداة لإدارته أمنيًا، لا لإنهائه.

SOURCE: QUDS PRESS INTERNATIONAL NEWS AGENCY