أسدل الستار، ظهر اليوم الأحد، على واحد من أقسى الأيام التي مرّ بها المسجد الأقصى المبارك منذ احتلاله عام 1967، إذ شهد اقتحام الآلاف من المستوطنين لباحاته، وسط أداء واسع للطقوس التوراتية فيما يُعرف بـ “ذكرى خراب المعبد”.
وأفادت مصادر من دائرة الأوقاف الإسلامية في القدس (تابعة للأردن) أنّ عدد المقتحمين بلغ 3969 مستوطنًا، وهو الرقم الأعلى في تاريخ الاقتحامات منذ احتلال المسجد. ويأتي هذا في استجابة لدعوات منظمات “الهيكل” خلال الأيام الماضية، التي حثّت على كسر الرقم القياسي لعدد مقتحمي الأقصى خلال “ذكرى خراب المعبد”.
وقد تميز اقتحام هذا العام بتأدية المئات من المستوطنين طقوسًا توراتية علنية في باحات المسجد، لا سيّما في الباحات الشرقية، التي تُعدّ الأكثر استهدافًا من قبل الاحتلال. وشهدت هذه الطقوس ما وُصف بـ”السجود الملحمي”، إلى جانب صراخ وهتافات حماسية تتخللها التصفيق على أنشودة “سيُبنى الهيكل”.
وفي المنطقة الجنوبية الشرقية، وتحديدًا عند المصلى المرواني، أدّى المستوطنون “صلاة الشماع” التوراتية بشكل جماعي، كما أدخلوا لفائف “التيلفن” الخاصة بطقوسهم الدينية إلى داخل المسجد، وجالوا بها تحت حماية مشددة من شرطة الاحتلال.
وقاد الاقتحامات عدد من المسؤولين في حكومة الاحتلال، أبرزهم وزير الأمن الداخلي إيتمار بن غفير، بالإضافة إلى نائب وزير الخارجية شاران هاسكل، وعضوي الكنيست عميت هاليفي وأوشر شيكليم.
من جهته، اعتبر الدكتور عبد الله معروف، أستاذ دراسات بيت المقدس، ما حدث اليوم “محطة مركزية كبرى في عملية تغيير الوضع القائم، الذي أصبح جزءًا من الماضي، ولا مجال لخداع الذات بعد اليوم”.
وقال معروف في حديثه لـ”قدس برس”: “لطالما كانت جماعات الهيكل تعتبر ما يسمى “ذكرى خراب المعبد” الموسم الأهم للاقتحامات، حيث تسعى خلاله إلى تحقيق أرقام قياسية، وهذا ما حصل اليوم باقتحام نحو 4 آلاف مستوطن في يوم واحد”.
وأضاف: “لكن ما يميز هذا العام ليس العدد فحسب، بل طبيعة الاقتحام نفسها؛ إذ شاهدنا للمرة الأولى المستوطنين يؤدون طقوسهم علنًا في ساحة المصلى المرواني قرب الجامع القبلي، وسمعنا الصراخ والضجيج التوراتي بأعلى صوت شهده المسجد منذ احتلاله، وسط قيادة مباشرة من شخصيات استفزازية على رأسها الإرهابي (إيتمار بن غفير)”.
وأعرب معروف عن استغرابه مما وصفه بـ”التركيز الإعلامي المفرط على اقتحام بن غفير”، مشيرًا إلى أنّ “المشكلة لا تنحصر في شخصه، بل في مشاركة شخصيات رسمية أخرى، كأعضاء في الكنيست ونواب وزراء، والطريقة الاستعراضية التي جرى بها الاقتحام”.
وحذّر من أن ما جرى اليوم سيشجّع جماعات “الهيكل” على المضي قدمًا في كسر ما تبقى من قيود، وربما إدخال أدوات توراتية كاملة، وصولاً إلى تنفيذ قرابين حيوانية داخل المسجد، في سياق السعي لبناء كنيس داخل الأقصى، وهو ما يدعو إليه بن غفير بشكل علني.
أما الصحفي المتخصص في شؤون الضفة والمسجد الأقصى، عدي جعّار، فقد اعتبر أن ما جرى “فرض واقع جديد، باتت فيه الانتهاكات جوهر الاقتحامات، بعدما كانت تُعتبر استثناءات تُواجه بمحاولات من شرطة الاحتلال لمنعها، كما كان الحال مع رفع العلم الإسرائيلي أو السجود الملحمي، وهي سلوكيات كانت تُقابل ببيانات نفي سريعة من مكتب نتنياهو لتأكيد عدم المساس بالوضع القائم”.
وأضاف: “الوضع القائم تغيّر تمامًا؛ باتت مشاهد الأعلام والرقص والنفخ في البوق والسجود مشاهد مألوفة. وهذا التطبيع مع الانتهاك يعني أن المستوطنين سيتمادون أكثر، بعدما سقطت الخطوط الحمراء، ولم تعد تستدعي سوى بيانات تنديد ضعيفة من الدول العربية”.
وتابع جعّار: “بكل صراحة، المرحلة المقبلة ستكون مرحلة بناء الهيكل، ولو على جزء مخصص من الأقصى. هذا هو الطموح الحالي للمستوطنين الذين يرون اللحظة التاريخية مهيأة لتحقيقه”.
وفي السياق ذاته، شدّد الباحث في مؤسسة “القدس الدولية”، علي إبراهيم، على أنّ ما يجري “ليس حوادث معزولة، بل جزء من مسار تصاعدي لفرض التقسيم الزماني والمكاني داخل المسجد الأقصى، على غرار ما حدث في الحرم الإبراهيمي في الخليل”.
وأوضح إبراهيم: “من بين المؤشرات اللافتة اليوم توسيع أوقات الاقتحامات إلى الحد الأقصى، وتكثيف أداء الطقوس التوراتية العلنية في ساحات المسجد، لا سيما في المنطقة الشرقية، إضافة إلى السماح لأفواج متعددة ومتزامنة بالدخول، واستباحة المسجد من خلال أنشطة كالرقص والغناء”.
وختم بالقول: “المعركة في القدس هي امتداد لمعركة غزة، والاحتلال يستثمر العدوان على غزة كغطاء لتعزيز مشروعه في فرض “السيادة الإسرائيلية” على المسجد الأقصى”.
وتُعدّ “ذكرى خراب المعبد” من المحطات السنوية الأبرز في مسار العدوان على المسجد الأقصى، وقد ارتبطت تاريخيًا بعدد من المواجهات، من أبرزها معركة “وحدة الساحات” التي اندلعت بين المقاومة الفلسطينية في غزة والاحتلال عام 2022.
SOURCE: QUDS PRESS INTERNATIONAL NEWS AGENCY