لم تقتصر الاعتداءات الإسرائيلية على لبنان خلال الحرب الحالية على استهداف البشر والحجر والبنى التحتية، بل امتدت لتطال مواقع أثرية وتراثية تشكل جزءاً أساسياً من الذاكرة التاريخية والثقافية للبنان.
وبينما انشغل اللبنانيون بتوثيق الخسائر البشرية والمادية، كانت معالم تاريخية يعود بعضها إلى آلاف السنين تتعرض للقصف أو لخطر التدمير، في مشهد أثار مخاوف واسعة لدى الأوساط الثقافية والأثرية المحلية والدولية.
وشملت الاعتداءات مواقع ذات أهمية تاريخية وثقافية كبيرة، من بينها موقع مدينة صور الأثرية المدرج على قائمة التراث العالمي لليونسكو (منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة) وقلعة شمع التاريخية التي تعرض برجها الرئيسي للتدمير، إضافة إلى قلعة بوفورت، ومقام النبي شمعون الصفا، فضلاً عن المخاطر التي أحاطت بقلعة بعلبك، وقلعة تبنين، وقلعة الشقيف، وقلعة دوبية، وقلعة دير كيفا، إلى جانب الأضرار الīi8تي لحقت بالنسيج العمراني والتراثي في مدن وبلدات تاريخية مثل النبطية وبنت جبيل ويارون وشمع.
وفي هذا السياق، أكد الخبير في الآثار والتراث الثقافي اللبناني، جان ياسمين، أن الأضرار التي لحقت بالمواقع الأثرية اللبنانية جراء الاعتداءات الإسرائيلية لا تقتصر على المعالم الحجرية فحسب، بل تمتد إلى ما وصفه بـ”التراث الحي” في القرى والمدن التاريخية التي تعرضت للتدمير.
وقال ياسمين في تصريح خاص لـ”قدس برس” إن “الأضرار التي أصابت بعض المواقع الأثرية لا تقارن بحجم الخسارة التي لحقت بالتراث الحي في بلدات وقرى مثل يارون وشمع، وفي مدن تاريخية كمدينة بنت جبيل والنبطية، حيث استهدف العمران التاريخي والذاكرة الجماعية للسكان”.
وأشار إلى أن من أبرز المواقع التي تعرضت للاستهداف المباشر مقام النبي شمعون الصفا وقلعة شمع التاريخية، موضحاً أن البرج الرئيسي للقلعة، الذي خضع لأعمال ترميم قبل نحو عشر سنوات، تعرض للتدمير، ما ألحق ضرراً بالغاً بأحد أبرز المعالم التاريخية في الجنوب اللبناني.
وفي معرض حديثه عن أهمية المواقع الأثرية اللبنانية، أوضح أن موقعي بعلبك وصور مدرجان على قائمة التراث العالمي لليونسكو، ويتمتعان بقيمة إنسانية استثنائية تتجاوز الحدود اللبنانية.
وأضاف أن قلاع تبنين والشقيف ودوبية ودير كيفا مدرجة ضمن اللائحة التمهيدية للمواقع المرشحة للانضمام إلى قائمة التراث العالمي، ما يعكس أهميتها التاريخية والثقافية.
وشدد على أن الخسائر التي تلحق بالمواقع الأثرية لا يمكن تعويضها، قائلاً: “كل أثر يتم تدميره يفقد جزءاً من أصالته إلى الأبد، فالموقع الأصلي لا يمكن أن تعوضه أعمال الترميم أو إعادة البناء مهما بلغت دقتها”.
ورأى أن استهداف المواقع التراثية يطرح أسئلة جوهرية حول تأثير ذلك على الهوية الثقافية اللبنانية، ولا سيما في القرى والبلدات التي تعرضت لعمليات تدمير واسعة ومنهجية، معتبراً أن الهدف يتجاوز التدمير المادي ليطال الذاكرة الجماعية والخصوصية الثقافية للمكان.
وأضاف أن الرسالة الأخطر وراء استهداف المعالم الأثرية والتاريخية تتمثل في “محاولة تغيير هوية المكان ومحو ذاكرته التاريخية”، مشيراً إلى أن “ما جرى لا يقتصر على استهداف الأبنية، بل يطال أيضاً الموروث الثقافي غير المادي المرتبط بالمجتمعات المحلية”.
ولفت إلى أن موقع صور الأثري، المدرج على قائمة التراث العالمي لليونسكو منذ عام 1984، يعد من أقدم المدن المأهولة في العالم، وقد تعرض للخطر نتيجة وقوعه ضمن نطاق العمليات العسكرية والغارات الإسرائيلية.
كما تعرضت قلعة شمع، المشمولة بأعلى درجات الحماية بموجب اتفاقية لاهاي لعام 1954، لأضرار جسيمة أدت إلى تدمير برجها الرئيسي، في حين طالت الاعتداءات أيضاً قلعة بوفورت التاريخية التي تتمتع بحماية ثقافية دولية.
وأشار إلى أن الاستهداف لم يقتصر على المواقع الأثرية المادية، بل طال أيضاً التراث اللبناني الحي، بما يشمله من تقاليد شفوية ومواسم زراعية وذاكرة اجتماعية وثقافية وأنماط عيش متوارثة، مؤكداً أن التهجير القسري للسكان وتدمير القرى والبلدات أدى إلى انقطاع كثير من الممارسات التراثية التي تشكل جزءاً أساسياً من الهوية الثقافية للمجتمعات المحلية.
وأضاف أن ما تعرضت له بعض المواقع الأثرية اللبنانية لا يمكن وصفه بالأضرار الجانبية الناتجة عن العمليات العسكرية، مشيراً إلى أن استهداف مواقع تتمتع بأعلى درجات الحماية الدولية يثير مخاوف جدية بشأن احترام قواعد القانون الدولي الخاصة بحماية التراث الثقافي.
وأوضح أن مواقع مثل صور وقلعة شمع وقلعة بوفورت تندرج ضمن المواقع التي تحظى بحماية دولية خاصة، مؤكداً أن استهداف هذه المعالم أو تعريضها للخطر يشكل مساساً بإرث ثقافي لا يخص اللبنانيين وحدهم، بل يعد جزءاً من التراث الإنساني العالمي.
وقال: “عندما تُستهدف مواقع مشمولة بالحماية المعززة بموجب اتفاقية لاهاي لعام 1954، وعندما تؤكد الجهات المختصة خلوها من أي استخدام عسكري، فإن الأمر يتجاوز حدود الخسائر المادية ليطرح أسئلة قانونية حول المسؤولية والمساءلة وفق القوانين الدولية”.
وختم بالتأكيد أن تدمير الآثار لا يعني خسارة مبانٍ تاريخية أو معالم حجرية فحسب، بل فقدان جزء من ذاكرة الشعوب وهويتها وتاريخها، مشدداً على أن الآثار تمثل شواهد حية على الحضارات التي تعاقبت على الأرض اللبنانية، وأن استهدافها يشكل اعتداءً على الذاكرة الإنسانية المشتركة وحق الأجيال المقبلة في الحفاظ على إرثه لثقافي والتاريخي.
هذا ويضم لبنان مئات المواقع الأثرية والتاريخية التي تعود إلى الحضارات الفينيقية والرومانية والبيزنطية والعربية والإسلامية والعثمانية، ويحتضن عدداً من المواقع المدرجة على قائمة التراث العالمي لليونسكو، أبرزها بعلبك وصور ووادي قاديشا.
وخلال العدوان الإسرائيلي الأخير، حذرت مؤسسات ثقافية وأثرية محلية ودولية من المخاطر التي تهدد هذا الإرث الحضاري، في ظل تعرض عدد من المواقع والمعالم التاريخية للقصف أو وقوعها ضمن نطاق العمليات العسكرية.
كما منحت اليونسكو عشرات المواقع الثقافية اللبنانية حماية معززة بموجب اتفاقية لاهاي لعام 1954 الخاصة بحماية الممتلكات الثقافية أثناء النزاعات المسلحة، في خطوة هدفت إلى تعزيز الحماية القانونية للتراث اللبناني المهدد.
وتؤكد الاتفاقيات الدولية أن استهداف المواقع الأثرية والثقافية أو إلحاق الضرر بها من دون مبررات عسكرية مشروعة قد يشكل انتهاكاً للقانون الدولي الإنساني ويعرض مرتكبيه للمساءلة القانوني.
SOURCE: QUDS PRESS INTERNATIONAL NEWS AGENCY