Search
Close this search box.
Search
Close this search box.

حرب الشيفرات… كيف خاضت المقاومة معركة استخباراتية موازية أربكت منظومة التجسس الإسرائيلية؟

لم تكن إخفاقات الاستخبارات الإسرائيلية وليدة لحظة واحدة، ولا ارتبطت بحدث أمني بعينه، بل تندرج ضمن مسار طويل من الصراع الاستخباراتي الذي شهد محطات متعددة من المفاجأة وسوء التقدير، رغم ما تمتلكه إسرائيل من أجهزة أمنية وتقنيات مراقبة وشبكات معلومات واسعة.

وعلى امتداد عقود، برزت معادلة لافتة في المواجهة بين المقاومة والمنظومة الأمنية الإسرائيلية؛ فبينما اعتمدت الأخيرة على التفوق التقني وجمع المعلومات، ظلت هناك مساحات من العمل والتنظيم والتواصل لم تتمكن من فهمها بصورة كاملة، ما أظهر الفجوة بين امتلاك المعلومات والقدرة على تفسيرها والوصول إلى استنتاجات دقيقة بشأنها.

وتكشف شهادة جهاد يغمور، أحد المشاركين في عملية أسر الجندي الإسرائيلي نحشون فاكسمان عام 1994، جانباً من هذه المعادلة؛ إذ تحدث تحقيق ما خفي أعظم عن استخدام مواد مصورة ووثائق نُقلت بين الضفة الغربية وقطاع غزة في إطار محاولة تضليل أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية بشأن مكان احتجاز الجندي. وقد أظهرت الواقعة كيف يمكن للمعلومات التي تصل إلى الأجهزة الأمنية، إذا وُضعت في سياق مضلل، أن تقود إلى استنتاجات غير دقيقة.

وفي التحقيق نفسه، برز الحديث عن الشيفرات والتواصل المفهوم بين أطراف العمل التنظيمي، والاعتماد على وسائل اتصال مشفرة في التواصل بين الضفة وغزة، بما يعكس أهمية أمن المعلومات في ذلك الصراع.

ولم تكن المسألة مجرد إخفاء للمعلومات، بل كانت أيضاً مرتبطة بالفجوة بين ما ترصده الاستخبارات وما تستطيع التأكد منه وتفسيره.

ولم تتوقف الإشكاليات الاستخبارية عند تجربة فاكسمان، بل ظهرت مجدداً في محطات لاحقة، أبرزها قضية الجندي جلعاد شاليط عام 2006، التي استمرت سنوات قبل التوصل إلى صفقة تبادل عام 2011.

وقد أعادت هذه القضية طرح تساؤلات بشأن قدرة المنظومة الأمنية الإسرائيلية على الوصول إلى معلومات حاسمة في ملفات الأسرى، رغم ما تمتلكه من إمكانات استخبارية واسعة.

وعلى مدار سنوات الصراع، بنت إسرائيل جزءاً كبيراً من منظومتها الأمنية على التفوق التكنولوجي، والمراقبة المستمرة، وتحليل الاتصالات، وجمع البيانات البشرية والميدانية. لكن امتلاك أدوات الرصد لا يعني بالضرورة امتلاك صورة مكتملة عن الواقع.

وتكشف تجارب الصراع أن المعلومات الاستخبارية لا تحمل معناها بصورة تلقائية؛ فهي تحتاج إلى تحليل وربط وتقدير، وقد تتحول كثرة المؤشرات إلى مصدر للارتباك عندما تُقرأ وفق افتراضات مسبقة أو تُفسر بعيداً عن سياقها.

وجاء السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023 ليعيد إخفاقات التقدير الاستخباري إلى واجهة النقاش داخل إسرائيل. فقد كشفت التحقيقات والتقارير التي تناولت الإخفاقات السابقة للهجوم عن وجود مؤشرات لم تُقرأ على نحو صحيح، وسط تقديرات إسرائيلية بأن حركة حماس لا تتجه إلى مواجهة واسعة في ذلك التوقيت.

كما كشف تحقيق “ما خفي أعظم” عن وثائق تتعلق باجتماعات قيادة القسام خلال عام 2023، وعن شهادات لمسؤولين إسرائيليين سابقين ربطوا الإخفاق بحالة من الثقة المفرطة بالتقديرات الأمنية الإسرائيلية.

فلم تكن المواجهة بين المقاومة الفلسطينية والاستخبارات الإسرائيلية مقتصرة على الميدان، بل امتدت لعقود إلى ساحة خفية عنوانها الاتصالات والشيفرات والرسائل المموهة، في معركة استخباراتية متواصلة سعى خلالها كل طرف إلى حماية معلوماته وكشف أسرار الطرف الآخر.

وفي إفادة للأسير المحرر عثمان بلال، كشف عن جانب من تاريخ استخدام المقاومة الفلسطينية للشيفرات والرموز في اتصالاتها التنظيمية، موضحاً أن العمل الأمني السري اعتمد على منظومات متعددة من التمويه، بدأت باستخدام الأسماء المستعارة والمفردات ذات الدلالات الخاصة، وصولاً إلى وسائل رقمية أكثر تعقيداً.

وقال بلال في حديثه ل”قدس برس”، إن طبيعة العمل الأمني والاستخباراتي تفرض استخدام التمويه في الأسماء واختيار شيفرات تحمل مدلولات متفقاً عليها بين أطراف التواصل، مشيراً إلى أن تاريخ العمل السري في المقاومة شهد أشكالاً متعددة من الرموز والمصطلحات التي كانت تتغير وتتطور تبعاً لطبيعة المرحلة والتحديات الأمنية.

وأضاف أن بعض أساليب التمويه اعتمدت على استخدام أسماء بديلة للبلدات والمدن، بحيث يُطلق اسم مكان على موقع جغرافي آخر، وفق مدلولات متفق عليها بين الأطراف المعنية، فضلاً عن الاستعانة بمفردات مستمدة من الحياة المدنية والمهن اليومية.

وأوضح أن اختيار بعض الرموز كان يرتبط أحياناً بطبيعة مهنة الشخص في حياته المدنية؛ فالمفردات المتعلقة بإصلاح السيارات أو البناء أو الأعمال المهنية كانت تُستخدم في سياقات اتصالية تحمل معاني مختلفة عن مدلولاتها الظاهرية.

ولفت إلى أن بعض الكلمات والاصطلاحات، مثل “العريس” و”العرس”، اكتسبت في سياقات تنظيمية دلالات خاصة ارتبطت بالاستشهاد أو بالعملية، مؤكداً أن هذه المفردات كانت جزءاً من منظومة اتصالية لها سياقها الخاص.

وفي المقابل، أشار بلال إلى أن أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية عملت على مدى سنوات على تفكيك هذه المنظومات، ومحاولة اكتشاف مدلولات الكلمات والرموز المستخدمة في الاتصالات.

وبين أن وحدة 8200 التابعة للاستخبارات العسكرية الإسرائيلية طورت قدرات واسعة في مجال التنصت الإلكتروني وتحليل الاتصالات، مستفيدة من الخوارزميات وقواعد البيانات لرصد الكلمات المتكررة والأنماط غير المألوفة في المراسلات والمحادثات.

وشدد على أن هذا التطور جعل الاتصالات والرسائل ساحة مواجهة مستمرة؛ إذ لم تعد المعركة مقتصرة على اعتراض الرسالة، وإنما امتدت إلى محاولة فهم سياقها وربط مفرداتها بالوقائع والأحداث.

وتطرق بلال إلى تطور وسائل التشفير التي شهدها العمل التنظيمي، مشيراً إلى أن بعض التجارب اعتمدت على وسائل تقليدية معروفة في تاريخ الاتصالات السرية، ومنها أنظمة الترميز المرتبطة بمراجع نصية مشتركة.

كما كشف عن تجربة رقمية نُسبت إلى الشهيد أحمد الجعبري في منتصف العقد الأول من الألفية، اعتمدت، وفق روايته، على برنامج حاسوبي يعمل دون اتصال بالإنترنت، ويضم منظومة واسعة من الرموز والإشارات والصور، بما يتيح تحويل الرسائل المكتوبة إلى تمثيلات رمزية.

وأضاف أن هذه التجربة تضمنت، بحسب إفادته، منظومة متغيرة للرموز، بحيث لم تكن الدلالات ثابتة عبر مختلف الفترات، وهو ما يعكس حجم التطور الذي طرأ على وسائل التواصل والتشفير في تلك المرحلة.

وأكد أن تاريخ الاتصالات السرية شهد محطات انكشفت فيها بعض الرموز والمفردات، مقابل استمرار تطوير وسائل وأساليب جديدة، في ظل محاولات الاستخبارات الإسرائيلية المستمرة لاختراق منظومات التواصل وفهم طبيعة العلاقات بين أطرافها.

واعتبر أن التطور التكنولوجي، ولا سيما الخوارزميات والذكاء الاصطناعي، أضاف أبعاداً جديدة لهذه المواجهة، بعدما باتت أجهزة الاستخبارات قادرة على تحليل كميات ضخمة من البيانات والبحث عن الأنماط والارتباطات بينها.

وتكشف إفادة الأسير المحرر عثمان بلال عن جانب من تاريخ الصراع الاستخباراتي الفلسطيني الإسرائيلي، الذي لم يكن يدور فقط حول امتلاك المعلومات، بل أيضاً حول القدرة على فهمها وتفسيرها والتحقق من دلالاتها، فبين الكلمات التي تحمل أكثر من معنى، والرموز التي تتغير دلالاتها، والرسائل التي لا تكشف عن مضمونها بسهولة، ظلت الاتصالات واحدة من الجبهات الخفية في صراع امتد لعقود، وتجاوز حدود الميدان إلى عالم المعلومات والتكنولوجيا والاستخبارات.

وفي قراءة لتجربة القائد العام لكتائب القسام الشهيد محمد الضيف وقيادة العمل العسكري للمقاومة، يرى الباحث في الشأن الأمني والعسكري أيمن إسماعيل أن التجربة عكست قدرة على التكيف مع التحولات الأمنية والتكنولوجية التي شهدتها مراحل الصراع المختلفة، مشيراً إلى أن الاتصالات لم تكن مجرد وسيلة لنقل الأوامر، وإنما جزءاً من منظومة إدارة العمل العسكري.

وقال إسماعيل إن الاتصال في المؤسسات العسكرية والأمنية يؤدي وظائف متعددة، أبرزها نقل التوجيهات من مستويات القيادة إلى المستويات التنفيذية، ونقل المعلومات والتقارير من الميدان إلى مراكز القيادة، فضلاً عن تبادل المعلومات والتنسيق بين المستويات المختلفة، بما يساعد على بناء صورة متكاملة للموقف.

وأضاف أن أهمية الاتصال تكمن في كونه حلقة الوصل بين القيادة والتنفيذ، وأن أي خلل في هذه المنظومة يمكن أن ينعكس على القدرة على إدارة العمل واتخاذ القرار، الأمر الذي يجعل أمن الاتصالات واستمراريتها من القضايا المحورية في العمل العسكري الحديث.

وأوضح إسماعيل أن تأمين الاتصالات يرتبط بمفهومين أساسيين؛ أولهما ضمان استمرارية التواصل، وثانيهما حماية المعلومات من الاختراق، لافتاً إلى أن الصراعات الحديثة تشهد اهتماماً متزايداً باستهداف منظومات القيادة والاتصال، باعتبارها جزءاً مؤثراً في قدرة المؤسسات العسكرية على إدارة عملياتها.

وبيّن أن التطور التكنولوجي منح أجهزة الاستخبارات قدرات واسعة في مراقبة الاتصالات وتحليل البيانات، لكنه في المقابل جعل حماية المعلومات تحدياً متجدداً، يتطلب فهماً لطبيعة البيئة الأمنية والتحولات التي تطرأ عليها.

وفي سياق حديثه عن الفيلم الوثائقي الذي عرضته قناة الجزيرة حول شخصية محمد الضيف، أشار إسماعيل إلى أن ما ظهر من شهادات ومعطيات يعكس اهتمام قيادة العمل العسكري للمقاومة بملف الاتصالات، والحرص على مراعاة المتغيرات الأمنية والتكنولوجية عبر المراحل المختلفة.

وأضاف أن استخدام الأسماء الحركية والرموز كان جزءاً من الثقافة التنظيمية للعمل السري، حيث لم تكن الأسماء المتداولة تعبر بالضرورة عن الهويات الحقيقية للأشخاص، كما استُخدمت تسميات خاصة لبعض المحطات والأحداث في الذاكرة التنظيمية.

واستشهد في هذا السياق بما ورد في الفيلم بشأن تسميات عملياتية، من بينها اسم “فهد” المرتبط بعملية السابع من أكتوبر، واسم “خروف” المرتبط بعملية أسر الجندي الإسرائيلي نحشون فاكسمان، باعتبارها نماذج على استخدام المصطلحات والتسميات الرمزية في العمل التنظيمي.

ولفت إسماعيل إلى أن وسائل الاتصال شهدت تحولات متعاقبة خلال تاريخ العمل العسكري للمقاومة، تماشياً مع تغير الظروف والبيئات الأمنية، حيث انتقلت التجربة من أنماط التواصل التقليدية إلى أشكال أكثر تطوراً، في ظل اتساع حضور التكنولوجيا في مختلف مجالات الحياة.

وأوضح أن هذه التحولات تعكس التغير الذي طرأ على طبيعة العمل التنظيمي، من حيث إدارة المعلومات والتواصل بين المستويات المختلفة، مشيراً إلى أن كل مرحلة من مراحل الصراع فرضت تحدياتها الخاصة على منظومة الاتصال.

وأكد أن هذا التاريخ لا يمكن قراءته بمعزل عن التطور المقابل في أدوات الرصد والمراقبة الإسرائيلية، إذ ظل الطرفان أمام تحديات متغيرة في ساحة استخباراتية تتداخل فيها التكنولوجيا مع العنصر البشري، وتصبح فيها المعلومات جزءاً أساسياً من معادلة الصراع.

ويرى إسماعيل أن السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023 مثّل محطة مفصلية في النقاش بشأن منظومة القيادة والسيطرة والاتصالات لدى المقاومة، في ظل ما أظهرته الأحداث من أسئلة حول حدود القدرات التقنية والاستخبارية الإسرائيلية، وقدرة المؤسسات العسكرية على التعامل مع المفاجآت الميدانية.

وأشار إلى أن ما جرى أعاد طرح مسألة العلاقة بين الذكاء البشري والتكنولوجيا، وحدود الاعتماد على الأنظمة الرقمية في قراءة الواقع وتقدير التحولات، مؤكداً أن امتلاك التكنولوجيا المتقدمة لا يعني بالضرورة امتلاك صورة كاملة عن الطرف المقابل.

خلاصة.. الإنسان والتكنولوجيا في معركة المعلومات

وخلص إسماعيل إلى أن تجربة الشهيد محمد الضيف وقيادة العمل العسكري للمقاومة، وفق ما عرضته الشهادات والمواد الوثائقية، تستحق الدراسة من زاوية تطور إدارة المعلومات والاتصالات خلال عقود من الصراع، وما شهدته من تغيرات في الأدوات والظروف والتحديات.

وأضاف أن السابع من أكتوبر أعاد فتح النقاش حول حدود التفوق التكنولوجي، ومدى قدرة العنصر البشري على التعامل مع المتغيرات التي قد لا تستوعبها التقديرات التقنية بصورة كاملة.

وبين عقود من التحولات الأمنية والتكنولوجية، يبرز الاتصال باعتباره أكثر من مجرد وسيلة لنقل المعلومات؛ فهو أحد مفاتيح فهم العلاقة بين القيادة والميدان، وبين المعرفة والتقدير، في صراع أثبت أن التكنولوجيا، مهما بلغت قدراتها، تظل مرتبطة بقدرة الإنسان على فهم ما يجري حوله.

SOURCE: QUDS PRESS INTERNATIONAL NEWS AGENCY