ما إن تشرق الشمس حتى تبدأ عائلة الطنيب يومها في مزرعة “حاكورتنا”، الواقعة غرب مدينة طولكرم، حيث باتت الأرض محاصرة من أكثر من جهة بجدار الفصل والمنشآت الصناعية الإسرائيلية، فيما لا يزال الوصول إليها يتم عبر طريق ترابي يخضع للمراقبة.
لعقود، واصلت عائلة الطنيب العمل في أرضها واستصلاحها وزراعتها، رغم ما تقول إنه تضييق متواصل وتدريبات عسكرية ومداهمات وتهديدات، قبل أن يصل الأمر مؤخرًا إلى إخطار رسمي بوقف الأعمال وهدم منشآت في المزرعة.
ولا تنظر العائلة إلى “حاكورتنا” باعتبارها أرضًا زراعية فحسب، بل تراها متنفسًا لأفرادها، ومستودعًا للذكريات، ومساحة للتشبث بالأرض، وامتدادًا لما ورثته عن الآباء والأجداد الذين عمّروها وزرعوها على مدار عقود.
وفي 16 أيلول/سبتمبر الجاري، سلّمت سلطات الاحتلال العائلة إخطارًا يقضي بوقف الأعمال وهدم منشآت في “حاكورتنا”، ومنحتها مهلة أسبوع لتقديم اعتراض على القرار.
وجاء الإخطار الأخير بعد أن كانت العائلة قد تلقت في آب/أغسطس 2025 إخطارًا بوقف أعمال البناء في المزرعة.
أرض حاصرتها الجدران
التقت “قدس برس” مالك المزرعة وصاحب الحاكورة، فايز الطنيب، الذي قال إن “حاكورتنا” تمتد على نحو 32 دونمًا، قبل أن يستولي جدار الفصل على قرابة نصف مساحتها، لتبقى للعائلة مساحة تقارب 20 دونمًا تواصل استثمارها زراعيًا.
ووصف الطنيب ما تبقى من الأرض قائلًا: “تضم المساحة المتبقية من الحاكورة أشجار زيتون وأفوكادو، ودفيئات تنتج الخضروات وفق أساليب الزراعة العضوية، إلى جانب بركة لتربية الأسماك وخلايا للنحل ومنشآت مرتبطة بالنشاط الزراعي”.
وأشار إلى أن الاحتلال جعل العمل في المزرعة محفوفًا بالتهديدات والمخاطر، موضحًا: “يزيد موقع المزرعة من صعوبة العمل فيها؛ فهي محاصرة من ثلاث جهات بالجدار والمنشآت الصناعية الإسرائيلية، فيما تخضع المنطقة للمراقبة عبر برج عسكري وكاميرات منتشرة على الجدار”.
وتعود علاقة عائلة الطنيب بالأرض إلى ما قبل إقامة جدار الفصل بعقود، وفق ما يوضح فايز، قائلًا: “والدي عمل في الأرض منذ خمسينيات القرن الماضي، قبل أن أتولى أنا رعايتها واستثمارها عام 1984، وأواصل مع زوجتي وأبنائي تطويرها وتحويلها إلى مزرعة تعتمد على الزراعة العضوية وأساليب الإنتاج الصديقة للبيئة”.
ومنذ بدء العمل فيها، واجهت المزرعة ظروفًا صعبة، إذ تعرضت، على مدار السنوات الماضية، لمداهمات وتدريبات عسكرية وإطلاق نار وعمليات تضييق، إضافة إلى تدمير منشآت زراعية وخطوط للمياه في مراحل مختلفة.
وفي عام 2002، أقام الاحتلال جدار الفصل، ما أدى إلى اقتطاع نحو 16 دونمًا من أرض العائلة، وأضاف قيدًا جديدًا إلى قائمة القيود المفروضة عليها، خصوصًا في ما يتعلق بالوصول إلى ما تبقى من المزرعة واستثماره.
ويصف الطنيب “حاكورتنا” بأنها مشروع لحماية الأرض من المصادرة، مؤكدًا أن العائلة تواصل تطوير الزراعة العضوية فيها والاستفادة من الموارد الطبيعية المتاحة في المكان.
مصانع “جيشوري” ومخاطر التلوث
ولا تواجه “حاكورتنا” تحدي جدار الفصل وحده، إذ تقع بالقرب من مصانع “جيشوري” الإسرائيلية، التي تقول العائلة إن مخلفاتها أثرت في الأرض والمنتجات الزراعية على مدار سنوات.
وخاضت العائلة، على مدار سنوات، مساعي للاعتراض على آثار النشاط الصناعي القريب من المزرعة، فيما واصل أفرادها العمل في الأرض بدلًا من تركها.
ويشير الطنيب إلى أن الضغوط لم تقتصر على البيئة ومصادر الإنتاج، بل امتدت إلى الوصول إلى المزرعة والعمل فيها، موضحًا أن أفراد العائلة مُنعوا من الوصول إليها لعدة أشهر بعد 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، قبل أن يتمكنوا من العودة وإعادة بناء أجزاء مما تضرر فيها.
أما التطور الأحدث، فيقول الطنيب، فيتمثل في إخطار وقف الأعمال والهدم، الذي يعتبره تهديدًا مباشرًا لاستمرار النشاط الزراعي في المزرعة.
وأوضح أن القرار يشمل “منشآت زراعية وبيوتًا بلاستيكية ومنشآت مرتبطة بتربية الأسماك”، في منطقة تقول السلطات الإسرائيلية إنها تقع ضمن نطاق أمني قريب من جدار الفصل.
وبحسب الطنيب، فقد جرى توكيل محامين والتوجه إلى جهات حقوقية وقانونية من أجل الاعتراض على القرار خلال المهلة المحددة.
“طفلتي المدللة”
من جانبها، تقول منى أم عدي، زوجة فايز الطنيب، إن علاقتها بالأرض لا يمكن اختصارها في كونها مصدرًا للرزق، فهي، كما تصفها، “طفلتي المدللة”، بعدما عاشت فيها معظم حياتها وارتبطت بتفاصيلها اليومية.
وتضيف أن لكل ذرة تراب في المزرعة حكاية، وأن الأرض بالنسبة إليها تمثل “العمر والأمل والحب والحلم وكل شيء”، في وقت تقول فيه إنها تخشى أن تؤدي الإجراءات الإسرائيلية إلى خسارتها.
وتقف العائلة اليوم أمام مهلة قصيرة للاعتراض على قرار الهدم، وسط مشاعر من الخوف والقلق والأرق والحزن، بينما تبقى المزرعة التي بدأت حكايتها الحديثة في ثمانينيات القرن الماضي محاصرة بالجدار والمنشآت الإسرائيلية، ومتمسكة بما تبقى من أرضها.
وبين أشجار الزيتون والأفوكادو والدفيئات الزراعية، لا تبدو معركة “حاكورتنا” بالنسبة إلى عائلة الطنيب مجرد معركة على منشآت مهددة بالإزالة، بل قصة أرض ارتبطت بها العائلة عبر أجيال، وتواصل العمل فيها رغم القيود المحيطة بها، في محاولة للحفاظ على ما تبقى منها.
استهداف متصاعد للأراضي الزراعية
ويأتي التهديد بهدم “حاكورتنا” في ظل ما تقول جهات فلسطينية إنه تصاعد في استهداف الأراضي الزراعية في الضفة الغربية منذ مطلع عام 2026.
ووثقت “هيئة مقاومة الجدار والاستيطان” التابعة للسلطة الفلسطينية إصدار 59 أمرًا لإزالة الطبقة الشجرية منذ بداية العام وحتى آب/أغسطس، استهدفت مساحات من الأراضي الفلسطينية، وشملت اقتلاع أشجار زيتون وأشجار مثمرة وتجريف أراضٍ زراعية.
كما وثقت معطيات فلسطينية مئات الاعتداءات على القطاع الزراعي منذ مطلع العام، شملت تجريف الأراضي واقتلاع الأشجار وإتلاف المحاصيل ومنع الفلسطينيين من الوصول إلى أراضيهم، بالتزامن مع ما تصفه الجهات الفلسطينية بتزايد هجمات المستوطنين التي تستهدف الأراضي والممتلكات الزراعية في مناطق مختلفة من الضفة الغربية.
وفي حالة “حاكورتنا”، تقول عائلة الطنيب إن المعركة لا تتعلق فقط بمنشآت زراعية قد تواجه الهدم، وإنما بمساحة من الأرض عملت على استصلاحها وزراعتها وحمايتها لعقود، فيما تنتظر الآن ما ستؤول إليه إجراءات الاعتراض على قرار الاحتلال.
SOURCE: QUDS PRESS INTERNATIONAL NEWS AGENCY