Search
Close this search box.
Search
Close this search box.

“جريح القدس” حسين المقداد.. ثلاثة عقود من الألم والصمود انتهت برحيله

رحل الأسير اللبناني المحرر حسين محمد المقداد، المعروف بـ”جريح القدس”، الأربعاء 12 آب/أغسطس الجاري، متأثرًا بجراح بالغة رافقته على مدى ثلاثة عقود، منذ إصابته في مدينة القدس المحتلة عام 1996، في واحدة من المحطات التي شكّلت مسيرته وحوّلت قصته إلى حكاية ارتبطت بالمدينة حتى أيامه الأخيرة.

وُلد المقداد في 22 شباط/فبراير 1963، وينحدر من بلدة “لاسا” في قضاء جبيل بجبل لبنان، وعُرف باسم “وائل سلامة”، وهو الاسم الذي استخدمه خلال نشاطه المقاوم، ووفق شهادته التي نُشرت في وقت سابق عبر مجلة بقية الله (مجلة تابعة لحزب الله)، بدأ انخراط المقداد في العمل المقاوم في لبنان قبل أن يتفرغ ضمن صفوف حزب الله عام 1990.

لكن المحطة الأبرز في حياته بدأت عندما وصل إلى فلسطين المحتلة عام 1996 مستخدمًا جواز سفر بريطانيًا، في مهمة أمنية استهدفت الاحتلال الإسرائيلي. وبعد أيام من التنقل والاستطلاع، انتقل إلى مدينة القدس، حيث كان يعتزم تنفيذ مهمته، قبل أن يقع خلل تقني أدى إلى انفجار عبوة كان يعدّها في 11 نيسان/أبريل 1996، وقد ظهر المقداد في صورة شهيرة له انتشرت عبر وسائل التواصل الاجتماعي بعد أدائه الصلاة في رحاب المسجد الأقصى المبارك.

أصاب الانفجار المقداد بجروح بالغة غيّرت حياته بالكامل؛ إذ فقد بصره، وبُترت قدماه ويده اليمنى وثلاثة أصابع من يده اليسرى، كما فقد حاستي الشم والتذوق، وتضررت حاسة السمع لديه. ونُقل إلى مستشفى “هداسا عين كارم” الإسرائيلي، وبقي، بحسب روايته، قرابة شهر في غيبوبة قبل أن يستعيد وعيه ويبدأ الاحتلال التحقيق معه.

ويقول المقداد في شهادته إنّ “محققي الاحتلال حاولوا الحصول منه على معلومات تتعلق بالمقاومة في لبنان، قبل أن يُنقل إلى الأسر، حيث عاش فترة قاسية في ظل إصاباته الشديدة واحتياجاته الطبية، وظل معتقلًا لنحو عامين”.

وفي 24 حزيران/يونيو 1998، انتهت تجربة أسر المقداد حين أفرج الاحتلال الإسرائيلي عنه في إطار عملية تبادل للأسرى، ارتبطت باستعادة رفات وأشلاء جنود إسرائيليين قُتلوا في عملية أنصارية جنوبي لبنان عام 1997، وعاد المقداد إلى لبنان ليبدأ رحلة طويلة أخرى من العلاج والتأقلم مع إعاقته.

إلا أن الجراح التي أفقدته معظم أطرافه وبصره لم توقف مسيرته. فبعد عودته إلى لبنان اتجه المقداد إلى التعليم، معتمدًا على البرامج الناطقة ومساعدة آخرين في القراءة، وحصل على درجة الماجستير في الفلسفة، وأكمل دراسات عليا أخرى في الموارد البشرية والإدارة، قبل أن يتوج مسيرته الأكاديمية عام 2024 بالحصول على درجة الدكتوراه في إدارة الأعمال.

وخلال حفل تكريمه في بلدته لاسا (بلدة في جنوب لبنان) عقب نيله الدكتوراه، أهدى المقداد إنجازه العلمي إلى الشعب الفلسطيني في قطاع غزة، مؤكدًا أن العلم كان بالنسبة إليه امتدادًا لمسيرة التحدي التي بدأها قبل عقود. وكان أبًا لثلاث بنات، تحدث مرارًا عن دور عائلته في مساعدته على تجاوز آثار إصابته ومواصلة حياته ودراسته.

وبقيت القدس، رغم مرور ثلاثين عامًا تقريبًا على إصابته فيها، حاضرة بقوة في خطاب المقداد وذاكرته. ولعل العبارة الأكثر اختصارًا لقصته مع المدينة كانت قوله في مقابلة صحفية عام 2024: “زرعت بعض أعضاء جسدي في فلسطين”، وهي العبارة التي تحولت لاحقًا إلى عنوان لسيرته مع القدس.

وبوفاته عن عمراً ناهز 63 عامًا، تنتهي حياة المقداد بعد ثلاثة عقود من إصابته، لكن قصة “جريح القدس” تبقى مرتبطة بمدينة دخلها عام 1996 على قدميه، وغادرها أسيرًا محمولًا بجسد مثخن بالجراح، وظل حتى رحيله يستحضرها بوصفها المكان الذي ترك فيه، حرفيًا، أجزاءً من جسده.

SOURCE: QUDS PRESS INTERNATIONAL NEWS AGENCY