Search
Close this search box.
Search
Close this search box.

تكاليف الزواج تثقل كاهل فلسطينيي سوريا.. آلاف الدولارات قبل تأسيس المنزل

لم يعد السؤال الذي يشغل كثيرا من الشباب الفلسطينيين في سوريا هو: “متى أتزوج؟”، بقدر ما أصبح: “كم أحتاج من المال حتى أكون قادرا على الزواج؟”، في ظل ارتفاع أسعار الذهب وإيجارات المنازل وتكاليف الأثاث والتجهيز، مقابل محدودية الدخل وفرص العمل.

وتبدو الأزمة أكثر وضوحا داخل المخيمات والتجمعات الفلسطينية، حيث تشير بيانات وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “أونروا” إلى أن أكثر من 90 في المئة من اللاجئين الفلسطينيين في سوريا يعيشون تحت خط الفقر، فيما عانى 92 في المئة منهم من انعدام الأمن الغذائي خلال عام 2025.

750 ألف ليرة لبداية متواضعة

يقدر أبو محمد، وهو لاجئ فلسطيني يقيم في ريف دمشق ولديه أبناء في سن الزواج، أن الشاب يحتاج إلى نحو 750 ألف ليرة سورية، ما يعادل نحو 5800 دولار، لتأسيس حياة زوجية متواضعة.

وقال لـ”قدس برس”: “إذا اقتصر الأمر على منزل صغير من غرفة وصالة، إلى جانب تكاليف الخطبة والمهر والذهب وبعض الاحتياجات الأساسية، فإن الشاب يحتاج إلى نحو 750 ألف ليرة سورية على الأقل، وقد يرتفع المبلغ بحسب متطلبات كل أسرة ومستوى تجهيز المنزل”.

وتكشف مقارنة هذا الرقم بالدخل حجم الفجوة، إذ يبلغ الحد الأدنى العام للأجور في سوريا 12 ألفا و560 ليرة سورية شهريا، أي نحو 97 دولارا، ما يعني أن تكلفة 750 ألف ليرة تعادل قرابة خمس سنوات من الحد الأدنى للأجر، من دون احتساب أي نفقات معيشية.

دخل غير مستقر وشروط صعبة

ويقول أحمد خالد (28 عاما، اسم مستعار)، وهو شاب فلسطيني يعمل في مهنة حرة بريف دمشق، إن المشكلة لا تقتصر على غلاء الزواج، بل تمتد إلى عدم استقرار فرص العمل.

وأضاف لـ”قدس برس”: “قد أعمل يوما واحدا ثم أبقى عدة أيام من دون عمل، ولذلك يصبح من الصعب ادخار المهر وتأمين منزل وتجهيزه. غالبية الشباب لا يستطيعون شراء مسكن، وحتى دفع الإيجار بصورة منتظمة يشكل عبئا كبيرا”.

ويرى أن تخفيف الأسر لبعض الشروط، ولا سيما المتعلقة بالسكن المستقل والمهر والذهب، قد يساعد شريحة أوسع من الشباب على الإقدام على الزواج.

4 آلاف دولار للخطبة فقط

وفي شمالي سوريا، يقول محمود وهو شاب فلسطيني أنهى مرحلة الخطبة، إن ما أنفقه حتى الآن بلغ قرابة 520 ألف ليرة سورية، أي نحو 4000 دولار.

وأوضح أن المبلغ شمل المهر، وحجز الصالة، وبدلة العرس، وتجهيز العروس لدى مصففة الشعر، إضافة إلى حفل للرجال وآخر للنساء.

وقال لـ”قدس برس”: “أنهيت مرحلة الخطبة، لكنني ما زلت بحاجة إلى استئجار منزل وشراء الأثاث والأجهزة الأساسية، فعندما يبدأ الشاب بحساب المصاريف “يكتشف أن الخطبة ليست سوى المرحلة الأولى”.

ويحتاج العلي إلى نحو 13 ألف ليرة سورية شهريا، أي ما يعادل 100 دولار، لاستئجار منزل في المنطقة التي يقيم فيها في بلدة بابسقا على الحدود مع تركيا، بما يعادل 156 ألف ليرة سورية سنويا، أي نحو 1200 دولار.

تجهيز المنزل فاتورة إضافية

وبحسب تقديرات متداولة في أسواق إدلب وريفها، يحتاج تجهيز منزل بالأثاث والأجهزة الأساسية إلى نحو 260 ألف ليرة سورية بالحد الأدنى، أي ما يعادل نحو 2000 دولار، وقد ترتفع الكلفة إلى نحو 390 ألف ليرة سورية، أي 3000 دولار وأكثر، بحسب نوعية الأثاث والأجهزة.

وبذلك، يحتاج العلي، بعد 520 ألف ليرة سورية، أي 4000 دولار، أنفقها على الخطبة، إلى ما لا يقل عن 416 ألف ليرة سورية إضافية، أي نحو 3200 دولار، لتجهيز منزل بالحد الأدنى ودفع إيجاره لعام، لترتفع الكلفة الإجمالية إلى نحو 936 ألف ليرة سورية، أي ما يقارب 7200 دولار، قبل احتساب نفقات المعيشة اليومية.

أمهات يطالبن بتخفيف الشروط

وتقول أم علاء، وهي لاجئة فلسطينية، إن الأسر مطالبة بمراعاة الظروف الاقتصادية للشباب.

وأضافت لـ”قدس برس”: “لدي ابن تزوج، وأعرف حجم الأعباء التي يتحملها الشاب؛ السكن مكلف، والمهر والذهب مرتفعان، ولذلك يضطر كثير من الشباب إلى السكن مع أسرهم. إذا أصرت كل عائلة على منزل مستقل ومهر كبير وحفل مكلف، فسيصبح الزواج بعيدا عن قدرة معظم الشباب”.

مبادرات مجتمعية ودعم المغتربين

من جانبه، أكد ياسر رفة مختار مخيم السبينة للاجئين الفلسطينيين بريف دمشق أن تراجع القدرة المالية للشباب وارتفاع المهور وتكاليف السكن دفعا إلى التفكير بمبادرات مجتمعية تساعد المقبلين على الزواج، من بينها طرح تنظيم عرس جماعي في المخيم، بهدف تخفيف جزء من النفقات وتشجيع الشباب على تأسيس أسر.

وأوضح أن المبادرة لا تقتصر على المساعدة المادية، إذ تتضمن خضوع الشاب والفتاة المقبلين على الزواج لدورة توعوية وشرعية حول حقوق الزوجين وواجباتهما وأسس الحياة الأسرية.

وأشار رفة إلى أن أبناء المخيم في الخارج باتوا يؤدون دورا متزايدا في مساعدة الشباب، سواء عبر تحويل مبالغ مالية مباشرة للمقبلين على الزواج أو المساهمة في تكاليف المهر والأثاث والحفل، لافتا إلى مبادرات فردية يقف خلفها مغتربون من أبناء المخيم، من بينهم أحد المقيمين في إسبانيا.

وبحسب المختار، تختلف قيمة المساعدات التي يرسلها المغتربون من حالة إلى أخرى بحسب القدرة المالية للمتبرع وحاجة الشاب، لكنها تسهم في تغطية جزء من النفقات التي يصعب على الشباب تحملها بمفردهم، ما يعكس استمرار حالة التكافل بين أبناء المخيم في الداخل والشتات.

وتكتسب هذه المبادرات أهمية أكبر في ظل الأوضاع الاقتصادية الصعبة، إذ يمكن للعرس الجماعي ومساهمات المغتربين وتخفيف الأسر لمتطلبات الزواج أن تقلل جزءا من الكلفة، وتفتح المجال أمام شباب كانوا مضطرين إلى تأجيل الزواج لسنوات.

ومع غياب إحصاءات منشورة تفصل معدلات الزواج لدى فلسطينيي سوريا عن بقية السكان، تعكس شهادات الشباب والأسر حجم الضغوط التي تحيط بهذه الخطوة، في ظل ارتفاع مستويات الفقر وصعوبة تأمين السكن والدخل المستقر.

وبين المهر والذهب والحفل والسكن والأثاث، بات الزواج يحتاج إلى عدة آلاف من الدولارات، ما يدفع كثيرا من الشباب الفلسطينيين في سوريا إلى تأجيله أو الاستدانة أو الاعتماد على أسرهم.

وفي مقابل هذه الصعوبات، تبرز مبادرات الأعراس الجماعية ومساهمات المغتربين في دعم المقبلين على الزواج بوصفها محاولات مجتمعية لتخفيف جزء من الأعباء، إلا أن اتساع الفجوة بين الدخل وتكاليف تأسيس أسرة يبقي الحاجة قائمة إلى مزيد من التكافل وتخفيف شروط الزواج، بما يساعد الشباب على الانتقال من تأجيل هذه الخطوة إلى القدرة الفعلية على تأسيس أسر مستقرة.

SOURCE: QUDS PRESS INTERNATIONAL NEWS AGENCY