أعادت تسريبات نشرتها صحيفة /واشنطن بوست/ الأمريكية حول تحويلات مالية ودعم منسوب لإسرائيل لصالح قوى محلية في سوريا، من بينها “قسد” (قوات سوريا الديمقراطية) وجهات فاعلة في السويداء، فتح النقاش مجددا حول طبيعة الصراع الجاري وحدود استخدام الفواعل دون الدولة كأدوات ضغط في المرحلة الحالية، في وقت تشهد فيه سوريا مسارا سياسيا وأمنيا متسارعا بدعم إقليمي ودولي.
وقال الكاتب والباحث السوري بسام سليمان إن تسريبا بهذا الحجم، يتضمن أرقاما وأسماء وتحويلات، يشير بوضوح إلى حالة استخباراتية مدروسة، موضحا أن واشنطن بوست تعد منابر معروفة تاريخيا بتمرير هذا النوع من الرسائل السياسية والأمنية.
وأشار سليمان إلى أن توقيت التسريب يحمل دلالات مهمة، لافتا إلى أن كثيرا من الفواعل دون الدولة في سوريا دخلت مرحلة الأفول، وبات واضحا أن الاستثمار الدولي والإقليمي فيها يتراجع، باستثناء حالات محدودة قد يعاد تفعيلها إذا طرأت ضغوط أو تغيرات كبرى في المسارات السياسية.
ونوه إلى أن هذه الفواعل، سواء في مناطق الجزيرة السورية حيث تنشط قسد، أو في السويداء وبعض الجيوب الأخرى، ثبت بما لا يقبل الشك أنها مجرد أدوات جرى توظيفها ضد مسار بناء الدولة الوطنية السورية، معتبرا أن بعض هذه الأدوات انتهى دورها، بينما قد يستمر بعضها مرحليا.
وفي رده على سؤال حول الجهات التي انتهى دورها، اعتبر سليمان أن قسد باتت الأقرب إلى نهاية وظيفتها، مشيرا إلى أن ما جرى في حلب مؤخرا يعكس سلوك التنظيمات دون الدولة عندما تصل إلى لحظات حرجة، حيث تلجأ إلى التفجير الذاتي سياسيا وأمنيا، لا إلى تحقيق مكاسب، مؤكدا أن الدولة السورية قادرة على ضبط هذه الحالات واحتوائها ضمن مسار سياسي ينتهي باستعادة السيطرة الوطنية على الجزيرة السورية.
وأوضح أن التحالفات التي جمعت قسد وجهات في السويداء وفلولا أخرى لم تعد في مرحلة القوة، مع إمكانية ظهور ردات فعل محدودة، لكنها لن ترتقي إلى مستوى دعم دولي واسع، في ظل قناعة دولية عامة، باستثناء إسرائيل وإيران، بضرورة قيام دولة سورية واحدة مستقرة وشريكة في أمن المنطقة.
ولفت إلى أن موازين القوى الإقليمية تبدلت، موضحا أن تركيا والسعودية في عام 2025 تختلفان جذريا عن موقعيهما في عام 2011، وأن هناك قوى إقليمية وازنة دفعت باتجاه الاستقرار في سوريا، حتى إن إسرائيل لم تنجح في فرض رؤيتها المتعلقة باستمرار العقوبات.
وفي سياق متصل، اعتبر سليمان أن الدولة السورية قطعت شوطا كبيرا في تهيئة الظروف لإنهاء ظاهرة الفواعل دون الدولة، عبر تثبيت حضورها السياسي والأمني، وهو ما انعكس في عودة التواصل الدولي وانتهاء العقوبات، معتبرا أن المرحلة الأخيرة من هذا المسار تحتاج وقتا ولا تخلو من التعقيد.
وحول التنسيق السوري التركي، أشار إلى أن اللقاءات رفيعة المستوى بين مسؤولي البلدين تتجاوز الطابع البروتوكولي، وتمثل ما يشبه غرفة عمليات مشتركة للتعامل مع خطر قسد، التي اتهمها بدعم التوترات في سوريا والسعي لإفشال المرحلة الانتقالية، والمساهمة في تغذية الفتن، خاصة في السويداء، ثم الاستثمار الإعلامي فيها.
ونوه إلى أن مرونة الدولة السورية لم تقابل بتجاوب من قسد، معتبرا أن بنيتها الداخلية المتصارعة تعيق اتخاذ قرار وطني واضح، ما يفتح الباب أمام سيناريوهات متعددة، تبدأ بالعزل السياسي المؤقت، ولا تستبعد عملا عسكريا مشتركا سوريا تركيا، مدعوما سياسيا من دول عربية وازنة، أو عمليات محدودة إذا استمر التعنت الإسرائيلي.
بدوره، قال المحلل السياسي الكردي علي متي إن تل أبيب تسعى منذ تحرير دمشق إلى الانتقام بشكل متدرج، معتبرا أن ما يجري يندرج ضمن محاولة استخدام أدوات داخلية للضغط على الحكومة السورية ودفعها نحو اتفاقات أمنية، وهو ما ترفضه دمشق حتى اللحظة، خاصة فيما يتعلق بالجولان.
وأشار متي إلى أن قسد تعيش مأزقا حقيقيا بعد تطورات ميدانية وأمنية، منها حادثة تدمر، والتصريحات الأمريكية حول نقل أسلحة عبر مناطق سيطرتها، معتبرا أن واشنطن بدأت بكشف أوراق حلفائها المفترضين، وأن ما نشرته واشنطن بوست يصب في هذا السياق.
ولفت إلى أن قسد لا تمثل الشارع الكردي، وأنها مجرد جناح عسكري انتهت وظيفته، ويحاول اليوم الاحتماء بخطاب الأقليات، مؤكدا أن اتفاق العاشر من آذار الذي رعته واشنطن ونسقته أنقرة لم ينفذ، ومع اقتراب انتهاء مدته بات بحكم الملغى، ما يفتح الباب أمام خيارات أكثر صرامة.
وتعكس التسريبات الإعلامية الأخيرة، وفق قراءات محللين وباحثين، تحولا في مقاربة القوى الدولية والإقليمية لملف الفواعل دون الدولة في سوريا، مع تراجع الرهان عليها كأدوات فعالة، مقابل صعود خيار الدولة المركزية الواحدة، ما يجعل المرحلة المقبلة مفتوحة على ضغوط سياسية متدرجة، قد تنتهي بتسويات وطنية، أو بمواجهات محسوبة تعيد رسم المشهد السوري ضمن معادلات جديدة.
SOURCE: QUDS PRESS INTERNATIONAL NEWS AGENCY