على قمة جبل “رأس العين”، في بلدة قصرة جنوب نابلس شمالي الضفة الغربية، لا تبدو المعركة على الأرض مجرد صراع على منزل أو قطعة أرض. فمنذ نحو يومين، يعيش أفراد من عائلة أبو ريدة داخل “فيلا” على أطراف البلدة، تحت حصار يفرضه مستوطنون إسرائيليون يحاولون الوصول إلى المنزل والسيطرة عليه، فيما يجد أفراد العائلة أنفسهم أمام مهمة يومية تتمثل في حماية المكان وإبقاء أبوابه مفتوحة لأصحابه.
نُصبت خيمة للمستوطنين أمام الفيلا، وأُغلقت الطرق المؤدية إليها، فيما مُنع السكان داخلها من الخروج أو استقبال الزوار أو إدخال المواد الغذائية. وتحولت محاولات الوصول إلى المنزل، حتى لإيصال الطعام أو نقل مريض، إلى مهمة تحتاج إلى تنسيق مع الإسعاف ومحاولات عبور طرق جبلية وعرة، وسط وجود عسكري إسرائيلي في المنطقة.
وتقع الفيلا في منطقة جبل رأس العين، المصنفة، وفق إفادات سكان المنطقة، ضمن المناطق “ب”، وعلى موقع مرتفع يصفه الأهالي بالاستراتيجي. ويقول أبو مالك القصراوي، شقيق صاحب المنزل، إن ارتفاع الجبل يصل إلى نحو 914 مترًا عن سطح البحر، ويعد من أعلى المرتفعات في محيط محافظة نابلس.
أربعة أشهر من الحراسة
القصة لم تبدأ قبل يومين؛ فبحسب أبو مالك القصراوي، بدأت محاولات المستوطنين الوصول إلى المنزل قبل نحو أربعة أشهر، بعدما أصبح المنزل غير مأهول بصورة دائمة، نظرًا لإقامة مالكه لؤي عبد المنعم أبو ريدة في الولايات المتحدة وحمله الجنسية الأميركية.
ومنذ ذلك الوقت، يقول أبو مالك لـ”قدس برس” اليوم الثلاثاء، بدأ أفراد العائلة بالتناوب على الإقامة في الفيلا، حتى لا تبقى خالية، وللحيلولة دون استغلال غياب صاحبها للسيطرة عليها.
ويقول إن المنزل تعرض خلال الفترة الماضية لأكثر من محاولة لقطع التيار الكهربائي، ما دفع العائلة إلى تركيب منظومة للطاقة الشمسية والإبقاء على الكهرباء متوفرة قدر الإمكان.
كما تعرضت الفيلا، وفق رواية العائلة، للرشق بالحجارة ومحاولات حصار متكررة، فيما كان أفراد الأسرة يتنقلون إليها عبر طرق جبلية صعبة، في ظل عدم وجود منازل كثيرة مأهولة في محيطها.
ويشير أبو مالك إلى أن الفيلا التي أقامها شقيقه كلفت نحو ثلاثة ملايين شيكل، وأن الأراضي المحيطة بها تضم مساحات واسعة من الأراضي الزراعية.
حصار يمنع الطعام والإسعاف
خلال اليومين الأخيرين، أخذت المواجهة منحى أكثر خطورة، بعدما شدد المستوطنون حصارهم على الموقع وأغلقوا الطريق المؤدي إلى المنزل.
ويقول أبو مالك إن الطريق الذي يستخدمه الأهالي للوصول إلى المكان يمر عبر منطقة جبلية مكشوفة، وإن الوصول إلى الفيلا بات بالغ الصعوبة، خصوصًا مع وجود قوات الاحتلال في المنطقة.
وتقول العائلة إن مستوطنين أقاموا نقطة قريبة من المنزل ومنعوا الأشخاص من الوصول إليه، فيما تدخل الجيش الإسرائيلي بحجة أن المنطقة عسكرية، وفق رواية أبو مالك.
وتعقدت الأمور أكثر مع وجود طفلة داخل المنزل تعاني إصابة في يدها، إضافة إلى وجود أفراد آخرين يحتاجون إلى الطعام والاحتياجات الأساسية.
ويقول أبو مالك إن العائلة تمكنت، بعد جهود وتنسيق استمر ساعات، من محاولة إيصال سيارة إسعاف إلى المكان، إلا أن المستوطنين اعترضوها، فيما بقيت الطفلة داخل المنزل ولم تتمكن من الخروج لتلقي العلاج، بحسب إفادته.
ويضيف أن محاولة إيصال الطعام واجهت المصير نفسه، إذ لم يتمكن أقارب العائلة من إدخال الكميات اللازمة من المواد الغذائية إلى المنزل.
ولا تبدو المشكلة مرتبطة بالعائلة وحدها، إذ يقول أبو مالك إن تسعة متضامنين أجانب، إلى جانب صحفيين، حاولوا الوصول إلى المكان عبر الطرق الجبلية، لكنهم واجهوا المنع من قبل المستوطنين والجيش الإسرائيلي.
منزل معزول فوق الجبل
على مسافة من الفيلا، توجد منازل قليلة، معظمها غير مأهول، فيما يقيم في أحد المنازل القريبة شاب متزوج مع زوجته وطفلته الصغيرة.
ويشرح أبو مالك أن المسافة بين المنزل والبيوت الأخرى تجعل العائلة في عزلة نسبية، خصوصًا أن المنطقة مكشوفة وجبلية، وأن الطريق إليها ليس سهلًا.
ويقول إن سكان “قصرة” يحاولون الوصول إلى المكان، لكن المسافة والظروف الأمنية تحول دون ذلك، خصوصًا عندما يغلق الجيش الطرق أو يعلن المنطقة عسكرية.
وبحسب روايته، شهدت المنطقة خلال الفترة الأخيرة انتشارًا للقوات الإسرائيلية، واستخدام بعض المنازل كنقاط عسكرية، الأمر الذي زاد من صعوبة وصول الأهالي إلى العائلة المحاصرة.
لماذا هذا الموقع؟
بالنسبة إلى أبو مالك، لا يمكن فصل ما يجري عن موقع الفيلا. فجبل “رأس العين” يقع في منطقة مرتفعة بين “قصرة” و”تلفيت”، ويطل على مساحات واسعة من المنطقة. ويقول إن الجبل يضم أيضًا مصادر مياه، من بينها عين مياه يعرفها سكان المنطقة بأسماء مختلفة، تبعًا للجهة التي ينظرون منها إلى الموقع.
ويؤكد أن أهمية الموقع لا تقتصر على الفيلا نفسها، مشيرًا إلى وجود عدة أبنية قيد الإنشاء في محيطها، إلى جانب أراضٍ واسعة.
ويقول إن توقف أعمال البناء في المنطقة خلال الفترة الأخيرة زاد المخاوف من أن تتحول محاولات الاستيلاء على موقع واحد إلى جزء من تحرك أوسع للسيطرة على المنطقة.
الخوف من أن يصبح الاستيلاء أمرًا واقعًا
لا تتعامل العائلة مع ما يحدث باعتباره حادثة عابرة. فخلال الأشهر الأربعة الماضية، اختارت الأسرة إبقاء أفراد منها داخل الفيلا بالتناوب، رغم صعوبة الوصول إليها، خشية أن يؤدي تركها خالية إلى تمكين المستوطنين من الاستيلاء عليها.
ويقول أبو مالك إن وجود صاحب الفيلا في الولايات المتحدة وحمله الجنسية الأميركية لم يمنع، وفق اعتقاد العائلة، محاولات المستوطنين الضغط للسيطرة على المكان.
وبينما تحاول العائلة الحفاظ على المنزل، فإنها تواجه معادلة شديدة الصعوبة: منزل معزول، وطرق جبلية مغلقة، ومستوطنون يمنعون الوصول، وقوات إسرائيلية تنتشر في محيط المنطقة، واحتياجات إنسانية تتزايد داخل الفيلا.
وتقول العائلة إن الأمر لم يعد يتعلق بحماية جدران المنزل، بل بمنع تحويل الغياب القسري لصاحبه إلى فرصة للاستيلاء على المكان.
قصرة في مواجهة تمدد المستوطنين
وتأتي قصة عائلة أبو ريدة في وقت تواجه فيه مناطق واسعة جنوب نابلس تصاعدًا في اعتداءات المستوطنين ومحاولات فرض وقائع جديدة على الأرض.
وفي حالة جبل “رأس العين”، تبدو المعادلة أكثر تعقيدًا بسبب موقعه المرتفع وطبيعة المنطقة الجغرافية، إلى جانب قربه من قرى وبلدات فلسطينية ووجود أراضٍ زراعية ومصادر مياه في محيطه.
أما داخل الفيلا، فتستمر العائلة في الإقامة رغم الحصار. طعام محدود، وكهرباء تعتمد على الطاقة الشمسية، وطفلة تحتاج إلى العلاج، وطرق لا يمكن سلوكها بسهولة، فيما يقف أفراد الأسرة أمام منزل يقولون إنهم قرروا حمايته منذ أشهر، قبل أن يتحول الحصار الأخير إلى اختبار حقيقي لقدرتهم على البقاء.
وفي قمة جبل “رأس العين”، لا تبدو الفيلا مجرد منزل منعزل؛ إنها، بالنسبة إلى عائلة أبو ريدة، عنوان لمعركة أكبر على الأرض. فتركها خالية قد يعني فقدانها، والوصول إليها بات مخاطرة، والبقاء فيها أصبح مهمة تتطلب الحراسة والتنسيق والصمود.
وهكذا، تتحول الحياة اليومية في هذا الجزء من قصرة إلى معركة صغيرة في تفاصيلها، لكنها تحمل في خلفيتها سؤالًا أكبر: من يملك الأرض حين يصبح الوصول إلى البيت نفسه ممنوعًا، وحين تتحول حماية منزل إلى مهمة تستدعي الإسعاف والمتضامنين والصحفيين، بينما يواصل المستوطنون محاولة فرض وجودهم على قمة الجبل؟
SOURCE: QUDS PRESS INTERNATIONAL NEWS AGENCY