Search
Close this search box.
Search
Close this search box.

بين الحياد والانحياز.. قراءة في مواقف ميلادينوف من خروقات الاحتلال في غزة

في كل مرة يدلي فيها المدير التنفيذي لـ”مجلس السلام” نيكولاي ميلادينوف بتصريحات تتعلق بالحرب على قطاع غزة، يتجدد الجدل بشأن حدود الحياد المفترض في الوسطاء الدوليين، ومدى التزامهم بالتعامل المتوازن مع أطراف الصراع وفقًا لمبادئ القانون الدولي.

وفي ظل الظروف الإنسانية الكارثية التي يعيشها أكثر من مليوني فلسطيني نتيجة الحرب والحصار والنزوح، يرى منتقدون أن بعض التصريحات الدولية، ومنها مواقف صدرت عن ميلادينوف، تتعامل مع المأساة من منظور أمني وسياسي ضيق، متجاهلة جوهر الأزمة المرتبط بالاحتلال وما خلّفه من دمار واسع النطاق وخسائر بشرية جسيمة.

ويرى مراقبون أن الوسيط الدولي مطالب بالحفاظ على مسافة واحدة من جميع الأطراف والاستناد إلى قواعد القانون الدولي في تقييم الأحداث، إلا أن مواقف ميلادينوف الأخيرة أثارت تساؤلات حول مدى احتفاظه بصورة الوسيط المحايد، خصوصاً مع تركيزه، بحسب منتقديه، على تحميل الجانب الفلسطيني مسؤولية تعثر بعض المسارات السياسية، مقابل تجاهل سياسات الحصار والتجويع والدمار الذي تعرض له قطاع غزة.

وتقوم صفة “الوسيط النزيه” على القدرة على إدارة التوازن بين الأطراف المتنازعة، والاحتكام إلى الوقائع والقانون الدولي بعيداً عن تبني رواية طرف على حساب آخر. غير أن منتقدي ميلادينوف يرون أن تصريحاته الأخيرة عكست انحيازاً سياسياً واضحاً، من خلال منح أولوية للمخاوف الأمنية الإسرائيلية مقابل حضور محدود للحديث عن الضحايا المدنيين الفلسطينيين والانتهاكات التي وثقتها مؤسسات حقوقية دولية.

“اختير لأنه يحظى برضا أصحاب النفوذ”

من جانبه، قال رئيس مؤسسة “قرطبة لحوار الثقافات”في لندن والأمين العام للتحالف الدولي لأجل فلسطين، الدكتور أنس التكريتي، إن اختيار ميلادينوف لشغل مناصب دبلوماسية مرتبطة بملف الصراع الفلسطيني الإسرائيلي لم يكن أمراً عفوياً.

وأوضح التكريتي لـ”قدس برس” أن ميلادينوف دبلوماسي مخضرم شغل سابقاً منصب وزير الخارجية البلغاري، كما تولى مهمة المبعوث الخاص للأمم المتحدة لعملية السلام في الشرق الأوسط، مشيراً إلى أن تعيينه جاء في إطار توازنات دولية وسياسية أكثر من كونه اختياراً مبنياً على الحياد المجرد.

وأضاف: “لم يُختر ميلادينوف لأنه يتمتع بدرجة استثنائية من النزاهة أو لأنه قادر على الوقوف على مسافة متساوية من جميع الأطراف، وإنما لأنه يحظى بقبول القوى الدولية الأكثر تأثيراً في هذا الملف”.

ورأى التكريتي أن بعض المواقف والتصريحات التي صدرت عن ميلادينوف سابقاً وحالياً يمكن فهمها في ضوء هذه الخلفية السياسية.

واعتبر أن التفاهمات والمبادرات التي جرى الترويج لها تحت مسميات مختلفة، بما فيها ما يعرف بـ”مجلس السلام”، لم تُصمم بما يحقق العدالة للشعب الفلسطيني، بل جاءت – بحسب رأيه – منسجمة بدرجة كبيرة مع المصالح الإسرائيلية.

وأشار إلى أن ميلادينوف يعكس إلى حد كبير صورة المجتمع الدولي الذي أخفق، من وجهة نظره، في التعامل المتوازن مع القضية الفلسطينية، متهماً إياه بتوفير الوقت والغطاء السياسي للاحتلال لتحقيق أهدافه على الأرض.

وشدد التكريتي على أن مطلب نزع سلاح المقاومة يمثل مطلباً إسرائيلياً بالدرجة الأولى، معتبراً أن تصريحات ميلادينوف بشأن هذا الملف لم تنجح في إظهار صورة الوسيط المحايد كما حاول أن يقدم نفسه.

“إشكالية تتعلق بمبدأ الحياد”

بدوره، قال رئيس الهيئة الدولية للدفاع عن حقوق الشعب الفلسطيني “حشد”، صلاح عبد العاطي، إن القراءة الحقوقية لمجمل الإحاطات والتقديرات السياسية التي قدمها ميلادينوف، وخاصة أمام مجلس الأمن، تكشف عن إشكالية جدية تتعلق بمبدأ الحياد الذي يُعد حجر الأساس في عمل أي وسيط أو مبعوث أممي.

وأوضح عبد العاطي لـ”قدس برس” أنه بدلاً من الالتزام الصارم بالقانون الدولي الإنساني وتقديم توصيف متوازن يراعي مسؤوليات جميع الأطراف، برز في عدد من الإحاطات نمط من الخطاب يمنح أولوية للمنظور الأمني الإسرائيلي، مقابل ضعف واضح في توصيف الانتهاكات الواقعة بحق المدنيين الفلسطينيين أو التقليل من خطورتها.

وأضاف أن بعض المقاربات السياسية التي طرحها ميلادينوف، بما فيها الملفات المتعلقة بنزع السلاح وترتيبات ما بعد الحرب، جاءت منفصلة عن القضايا الجوهرية التي يفرضها القانون الدولي، وفي مقدمتها وقف إطلاق النار، وحماية المدنيين، وضمان تدفق المساعدات الإنسانية دون عوائق، وإنهاء الاحتلال، وتهيئة الظروف اللازمة لإعادة الإعمار.

وأشار إلى أن أي خطاب صادر عن وسيط دولي يتضمن تحميل الضحايا مسؤولية ما يتعرضون له، أو يبرر بصورة مباشرة أو غير مباشرة استخدام القوة المفرطة، أو يتجاهل الانتهاكات الواسعة بحق المدنيين، يمثل انحرافاً عن معيار الحياد ويقوض الدور المفترض للمبعوث الدولي بوصفه حامياً للقانون الدولي لا مفسراً له وفق اعتبارات سياسية.

وأكد عبد العاطي أن هذا النمط من الأداء لا يُنظر إليه باعتباره مجرد خلل مهني، بل بوصفه إشكالية تمس مصداقية الوساطة الدولية ذاتها، وتضعف ثقة الأطراف المتضررة في آليات الوساطة الأممية، وتسهم عملياً في تكريس اختلال موازين القوة بدلاً من تصحيحها أو ضبطها وفق أحكام القانون الدولي.

وتتواصل خروقات الاحتلال لاتفاق وقف إطلاق النار من خلال القصف المتكرر لمناطق النازحين، وعمليات النسف والتدمير داخل ما يُعرف بـ”الخط الأصفر”، إلى جانب استمرار فرض القيود على دخول البضائع والمساعدات وحركة السفر.

SOURCE: QUDS PRESS INTERNATIONAL NEWS AGENCY