أثارت نتائج انتخابات اللجنة المركزية لحركة “فتح”، التي جرت ضمن أعمال المؤتمر الثامن الأسبوع الماضي، موجة واسعة من الجدل الداخلي، وسط اتهامات بوجود تحالفات مسبقة وتوجيهات تنظيمية أثرت على مسار الاقتراع، مقابل تأكيدات رسمية بأن العملية عكست وحدة الحركة وقدرتها على تجديد مؤسساتها رغم الانقسامات والظروف السياسية المعقدة.
وانعقد المؤتمر على مدار ثلاثة أيام (14 – 16 أيار/مايو الجاري) في أربع ساحات متزامنة شملت الضفة الغربية وقطاع غزة ولبنان ومصر، بمشاركة نحو 2600 عضو، وسط منافسة حادة على عضوية اللجنة المركزية والمجلس الثوري، في واحدة من أكثر المحطات التنظيمية حساسية داخل الحركة منذ سنوات.
وتنافس 60 مرشحًا على 18 مقعدًا في اللجنة المركزية، و456 مرشحًا على 80 مقعدًا في المجلس الثوري، فيما تحولت منصات التواصل الاجتماعي خلال الأيام التي سبقت الاقتراع إلى ساحة دعاية مفتوحة، في ظاهرة اعتبرها بعض كوادر الحركة مخالفة للأعراف التنظيمية.
وبحسب النتائج الأولية غير الرسمية، تصدّر الأسير مروان البرغوثي قائمة الفائزين، تلاه رئيس جهاز المخابرات العامة في السلطة الفلسطينية ماجد فرج، ثم جبريل الرجوب وحسين الشيخ. كما برز صعود ياسر عباس، نجل الرئيس محمود عباس، إلى عضوية اللجنة المركزية، في خطوة رأى فيها مراقبون تكريسًا لنفوذ الدائرة المقربة من الرئيس داخل البنية القيادية.
وحملت النتائج مفاجآت لافتة، أبرزها دخول أسرى محررين إلى اللجنة المركزية لأول مرة، مثل زكريا الزبيدي وتيسير البرديني، مقابل خروج أسماء تاريخية من “الحرس القديم” مثل عباس زكي وعزام الأحمد.
تحالفات بقيادة عباس
وكشفت مصادر فتحاوية عن تحالفات داخلية معقدة سبقت الاقتراع، قادها الرئيس محمود عباس وعدد من قيادات الصف الأول، بهدف إعادة تشكيل موازين القوى داخل اللجنة المركزية.
ووفق المصادر، انقسم تيار الأسرى المحررين إلى ثلاثة اتجاهات: أحدها مقرّب من الرئيس ونجله، وآخر يقوده الزبيدي والبرديني، فيما خاض التيار الثالث المنافسة بصورة فردية. وأشارت المصادر إلى أن التيار الأكبر اتجه لدعم توفيق الطيراوي وجبريل الرجوب وحسين الشيخ وماجد فرج، مقابل وعود بإحداث تغييرات تنظيمية وتحسين أوضاع الحركة.
قدورة وزكي
ورغم إعلان النتائج، لم تهدأ الاعتراضات داخل الحركة. فقد فجّر القيادي قدورة فارس جدلًا واسعًا بعدما أكد حصوله على 898 صوتًا، أي أكثر من محمد اشتية الذي أُعلن فوزه بـ891 صوتًا، متسائلًا عن آلية احتساب النتائج. وقال إنه سيتقدم باعتراض رسمي ويطالب بإعادة الفرز إذا لم تُصحح النتائج النهائية.
وفي موازاة ذلك، أثار تسريب صوتي لعباس زكي، عقب خروجه من اللجنة المركزية، تفاعلات واسعة بعدما وجّه انتقادات حادة للحركة والسلطة، متحدثًا عن فساد وعجز في الإجابة عن أسئلة الشارع المتعلقة بالشهداء والأسرى والحرب على غزة. وقال زكي إن “فتح الجذور” ستعود للعمل بسرية لإعادة تصحيح المسار، معتبرًا أن المرحلة المقبلة قد تشهد تغييرات عميقة داخل البنية التنظيمية.
خلافات عميقة
وفي قراءة تحليلية، رأى الكاتب نبهان خريشة أن نمط التصويت أظهر وجود “تحالفات مغلقة” أكثر من كونه تعبيرًا عن تصويت حر، مشيرًا إلى التقارب الكبير في أعداد الأصوات بين بعض المرشحين، ما اعتبره مؤشرًا على “هندسة سياسية” للنتائج أو ضبط مسبق لموازين القوى.
وأوضح أن الفوارق الرقمية الضئيلة بين بعض الأسماء، مثل ليلى غنام ومحمود العالول، أو محمد المدني وإياد صافي، تثير تساؤلات إحصائية حول طبيعة العملية الانتخابية في مؤتمر يضم آلاف الناخبين وعشرات المرشحين.
من جهته، اعتبر الناشط السياسي سائد جملان أن الانتخابات لم تُحدث تغييرًا جذريًا، بل أعادت إنتاج النخبة التقليدية مع تعديلات محدودة، موضحًا أن غياب انهيار انتخابي لأي من أقطاب الحركة يشير إلى أن المؤتمر جرى ضمن سقف مضبوط سياسيًا وتنظيميًا. وأضاف أن ارتفاع نسب الأصوات التي حصل عليها عدد كبير من المرشحين يعكس وجود لوائح تصويت شبه موحدة أو تدخل مراكز نفوذ في توجيه الأصوات، دون أن يشكل ذلك دليلًا مباشرًا على تزوير تقني.
في المقابل، دافعت قيادات في الحركة عن النتائج، معتبرة أن “فتح” نجحت في تنظيم انتخابات معقدة في أربع ساحات مختلفة رغم الظروف السياسية والأمنية. وقال محمد اشتية إن نجاح المؤتمر لا يُقاس فقط بإجراء الانتخابات، بل بقدرته على إنتاج رؤية سياسية وتنظيمية جديدة تعيد بناء الشرعية الوطنية وتعزز حضور الحركة في الشارع الفلسطيني.
ومع استمرار الجدل، تبدو انتخابات المؤتمر الثامن أقرب إلى معركة لإعادة ترتيب موازين القوى داخل الحركة، وسط اتهامات بتغليب النفوذ والتحالفات على المنافسة الحرة، في وقت تواجه فيه “فتح” تحديات سياسية وتنظيمية غير مسبوقة على الساحة الفلسطينية.
SOURCE: QUDS PRESS INTERNATIONAL NEWS AGENCY