يرى محللون فلسطينيون أن الحديث المتصاعد عن إمكانية تحويل جزء من أموال المقاصة الفلسطينية، أو إعادة إدارتها ضمن ترتيبات دولية مرتبطة بقطاع غزة، لا يعكس مجرد إجراء مالي مؤقت لمعالجة تداعيات الحرب والأزمة الإنسانية، بل يشير إلى تحولات سياسية واقتصادية أعمق قد تضع السلطة الفلسطينية أمام واحدة من أخطر مراحلها المالية منذ تأسيسها.
وبحسب هؤلاء المحللين، فإن أموال المقاصة، التي تُعد المصدر الرئيسي لإيرادات الخزينة الفلسطينية، باتت اليوم محور ضغوط وتجاذبات إقليمية ودولية تتجاوز البعد الاقتصادي، لتطال شكل النظام السياسي الفلسطيني ومستقبل دوره في الضفة الغربية وقطاع غزة.
ويحذر مراقبون من أن أي مساس بسيطرة السلطة الفلسطينية على هذه الأموال، أو إعادة توجيهها عبر أطر دولية وإقليمية، قد يفتح الباب أمام مرحلة من الاختناق المالي الحاد، تنعكس بشكل مباشر على قدرة الحكومة على دفع الرواتب والوفاء بالتزاماتها تجاه القطاع الخاص والبنوك والخدمات الأساسية.
كما تتزايد المخاوف من أن يتحول ملف المقاصة إلى أداة ضغط سياسي تُستخدم لفرض ترتيبات جديدة تتعلق بإدارة غزة ومستقبل السلطة الفلسطينية، في ظل استمرار الضغوط الأمريكية والإسرائيلية والدولية تحت عناوين “الإصلاح” و”إعادة الإعمار” و”الاستقرار المالي”.
بدوره، يرى الكاتب والمحلل السياسي صلاح الدين موسى أن هذا الطرح يكشف جملة من الحقائق السياسية الخطيرة، أبرزها أن السلطة الفلسطينية وقعت في “فخ سياسي” عندما أبدت دعمها لخطة ترامب وما تضمنته من التزامات مرتبطة بمفهوم الإصلاح، الأمر الذي أتاح للإدارة الأمريكية استخدام هذا الملف كأداة ضغط مباشرة.
ويضيف موسى في حديثه لـ”قدس برس”، أن الحصار المالي والسياسي المفروض على السلطة لا تقوده “إسرائيل” وحدها كما يُروّج أحيانًا، بل يأتي ضمن قرار أمريكي متكامل.
ويشير إلى أن أخطر ما في المقترح الأمريكي يتمثل في تحويل الأموال الفلسطينية إلى وسيلة ابتزاز سياسي، وفرض نوع من الوصاية الدولية عبر ما يُسمى بـ”مجلس السلام”، دون الحاجة إلى تشكيل لجان إدارة خاصة بالضفة الغربية، على غرار ما جرى الحديث عنه سابقًا بشأن قطاع غزة.
كما يحذر من أن هذا المجلس، وفق الصيغة المتداولة، لن يكون مجرد جهة تنسيق مالي أو إداري، بل قد يتحول إلى جهة إشراف مباشر على عمليات الإنفاق وإدارة الملفات الحيوية، ما يعني ـ سياسيًا ـ توسع النفوذ الدولي في الشأن الفلسطيني.
وفي هذا السياق، يدعو موسى القيادة الفلسطينية، ممثلة بالرئيس ونائب الرئيس ورئيس الحكومة، إلى مصارحة الشعب الفلسطيني بحقيقة ما يجري، والإعلان بوضوح عن وجود مشروع يستهدف فرض وصاية دولية تمهيدًا لتصفية القضية الفلسطينية، معتبرًا أن كشف ما يدور في الغرف المغلقة أصبح ضرورة وطنية ملحّة.
ويؤكد أن المرحلة الراهنة تتطلب التعامل مع الأزمة باعتبارها أزمة بنيوية وليست ظرفية، مشيرًا إلى أن استمرار الحصار المالي والسياسي مرهون بمدى الاستجابة للشروط الأمريكية والدولية.
كما يرى أن استمرار التعامل مع الاتحاد الأوروبي وبعض الدول العربية باعتبارها أطرافًا محايدة لم يعد واقعيًا، محذرًا من أن تراكم الشروط السياسية مقابل أي دعم اقتصادي قد يمس لاحقًا ثوابت وطنية ورمزية فلسطينية.
وفي ختام حديثه، يعتبر موسى أن سياسة “سحب الذراع” التي انتهجتها السلطة خلال السنوات الماضية لم تحقق نتائجها، بل ساهمت في اتساع نطاق الضغوط لتشمل مختلف مكونات النظام السياسي، محذرًا من أن استمرار هذا المسار قد يقود إلى فرض شروط سياسية أمريكية بصورة كاملة، حتى دون إعلان ذلك رسميًا.
من جانبه، قال الكاتب والمحلل السياسي سليمان بشارات إنّ مجرد طرح هذه الفكرة لا يُعد فقط غير قانوني وغير شرعي، بل يمثل حالة من القرصنة السياسية والمالية التي لا تنسجم مع مفاهيم القانون الدولي.
وأوضح أن أموال المقاصة هي حق فلسطيني خالص، تقوم “إسرائيل” بجبايتها نيابة عن السلطة الفلسطينية، ووفقًا لاتفاقية باريس والبروتوكول الاقتصادي الملحق بها، فإنها مُلزمة بتحويل هذه الأموال إلى الخزينة الفلسطينية دون أي شروط أو قيود.
وأضاف بشارات في حديث خاص لـ”قدس برس” أن الولايات المتحدة باتت تتبنى النهج الإسرائيلي نفسه في التعامل مع السلطة الفلسطينية، القائم على الابتزاز المالي ومحاولة إضعافها عبر تجفيف مصادرها الأساسية، وعلى رأسها عائدات المقاصة.
وأشار إلى أن هذا التوجه يثير تساؤلات جوهرية حول طبيعة الدور الذي أُنشئ من أجله “مجلس السلام”، والذي كان من المفترض أن يكون إطارًا دوليًا لتعزيز الاستقرار، قبل أن تطرح حوله مخاوف من تحوله إلى أداة ضغط سياسي ومالي.
ولفت إلى أن ما يجري اليوم يعكس محاولة لتحويل ملف إعادة إعمار قطاع غزة إلى أداة ابتزاز سياسي، سواء تجاه الفصائل في غزة أو تجاه السلطة في رام الله، بما يؤدي إلى إضعاف الحالة الفلسطينية ودفعها نحو تنازلات تمس الثوابت الوطنية.
وختم بالقول إن أي ذهاب أمريكي نحو تفعيل هذا المسار عبر “مجلس السلام”، وربط أموال المقاصة وملف الإعمار بأدوات الضغط السياسي، يُعد تطورًا خطيرًا ستكون له تداعيات قانونية وسياسية واسعة، داعيًا المجتمع الدولي والدول الوسيطة إلى عدم القبول بهذا النهج أو تمريره.
من جانبه، قال الخبير والباحث الاقتصادي مؤيد عفانة إن الحديث عن تحويل أموال المقاصة أو إدارتها عبر أطر دولية أو جهات بديلة عن السلطة الفلسطينية لم يعد سيناريو بعيدًا أو مستبعدًا، في ظل التحولات السياسية والاقتصادية المتسارعة والضغوط المتزايدة التي تتعرض لها القيادة الفلسطينية.
وأوضح عفانة أن هذا التوجه يرتبط بسياقين رئيسيين: الأول يتمثل في إعادة إحياء وتمويل ما يُعرف بـ”مجلس السلام” باعتباره إطارًا دوليًا يسعى لتولي أدوار مالية وإدارية متزايدة داخل الأراضي الفلسطينية، والثاني يتعلق بتكثيف الضغوط الاقتصادية والاجتماعية بما يؤدي إلى إضعاف قدرة الفلسطينيين على الصمود.
وأشار إلى أن خطورة هذا الطرح تنبع من الأهمية الحيوية لأموال المقاصة، إذ تشكل ما يقارب 68% من إجمالي الإيرادات العامة للسلطة الفلسطينية، ما يجعل أي مساس بها تهديدًا مباشرًا لقدرة الحكومة على القيام بالتزاماتها الأساسية.
وبيّن أن فقدان السيطرة على هذه الأموال سينعكس فورًا على دفع الرواتب وتسديد مستحقات القطاع الخاص والوفاء بالتزامات البنوك، ما قد يقود إلى مزيد من الاختناق الاقتصادي.
وأضاف أن الأخطر يتمثل في احتمالية تحويل جزء من هذه الإيرادات مستقبلًا لصالح جهات أو ترتيبات بديلة، الأمر الذي يعني عمليًا حرمان الخزينة الفلسطينية من جزء كبير من مواردها، والدخول في مرحلة من الشلل الاقتصادي الحاد.
وحذر من أن استمرار هذا المسار قد يؤدي إلى تفكيك الأدوات المالية التي تعتمد عليها السلطة في إدارة مؤسساتها، في ظل غياب بدائل حقيقية واستمرار تراجع الدعم الخارجي.
وكانت مصادر إعلامية عربية قد كشفت، الجمعة الماضية، عن وجود توجه أمريكي لمطالبة حكومة الاحتلال بتحويل جزء من عائدات الضرائب المحتجزة (أموال المقاصة) إلى “مجلس السلام” الذي أنشأه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وذلك لتمويل خطته لمرحلة ما بعد الحرب في غزة.
SOURCE: QUDS PRESS INTERNATIONAL NEWS AGENCY