مع دخول الصيادلة والمهندسين العاملين في القطاع الحكومي بإضراب شامل في الضفة الغربية، بعد الأطباء، تتسع رقعة الإضرابات والاحتجاجات والمواجهة المفتوحة مع حكومة “السلطة الفلسطينة” في رام الله، في ظل أزمة الرواتب والمستحقات المالية، وسط اتهامات للحكومة باتباع “سياسة تمييز” في صرف الحقوق المالية لبعض الفئات دون غيرها، ما فجّر حالة غضب واسعة بين الموظفين العموميين والعاملين في القطاعات الحيوية، لا سيما الصحة والهندسة والتعليم والخدمة المدنية.
وخلال الأيام القليلة الماضية، أعلنت نقابات الأطباء والمهندسين والصيادلة وموظفي القطاع العام، إلى جانب نقابات صحية أخرى، عن خطوات تصعيدية شملت الإضراب الشامل، وتعليق الدوام، وتقليص الخدمات، وذلك بعد تصاعد الجدل حول صرف مستحقات مالية للقضاة وفئات محددة، في وقت ما يزال فيه آلاف الموظفين يتقاضون أجزاء من رواتبهم منذ سنوات.
وتقول الكاتبة والمحللة السياسية سناء زكارنة إن تصاعد الإضرابات النقابية في فلسطين للمطالبة بصرف الرواتب والمستحقات كاملة يطرح تساؤلات جوهرية حول طبيعة الأزمة المالية التي تعيشها السلطة الفلسطينية، وما إذا كانت مرتبطة باعتبارات سياسية تتجاوز الجانب الاقتصادي.
وأضافت زكارنة لـ”قدس برس” اليوم الأربعاء، أن “توجه النقابات نحو التصعيد في هذا التوقيت يفتح الباب أمام تساؤلات مشروعة، أبرزها: هل وصلت هذه النقابات إلى قناعة بأن الأموال متوفرة ويمكن صرفها؟ أم أن التحرك جاء كرد فعل على صرف جزء من مستحقات القضاة؟ أم أن الجميع بدأ يدرك أخيرًا أن الراتب المجتزأ لم يعد قادرًا على توفير الحد الأدنى من الحياة الكريمة للموظف الفلسطيني؟”.
وأشارت إلى أن فئة المعلمين كانت الأكثر تضررًا خلال السنوات الماضية، حيث “أمضى عدد كبير منهم سنوات طويلة يتقاضون الحد الأدنى من الرواتب وسط صمت رسمي ونقابي ومجتمعي مؤلم”، مؤكدة أن “كرامة المعلم ورسالة التعليم لا يمكن اختزالها بمبالغ رمزية لا تتناسب مع حجم الأعباء المعيشية المتفاقمة”، معتبرة أن ما يجري يعكس عمق الأزمة الاقتصادية والاجتماعية التي يعيشها المجتمع الفلسطيني.
وحذرت من خطورة المرحلة المقبلة، قائلة إن “أخطر ما يمكن أن يواجهه الفلسطينيون هو الوصول إلى معادلة قاسية تقوم على المفاضلة بين بقاء حكومة فلسطينية بلا مقومات صمود، وبين القبول بإدارة مدنية مرتبطة بالاحتلال مقابل انتظام الرواتب ودفع المستحقات”.
وشددت زكارنة على أن الأزمة المالية “ليست مجرد أزمة اقتصادية عابرة، بل أزمة مفتعلة مرتبطة باستحقاقات سياسية وميدانية”، مضيفة أن “هناك أطرافًا فلسطينية تشارك بصورة مباشرة أو غير مباشرة في تكريس هذا الواقع، وتسعى لحجز مكان لها ضمن أي ترتيبات سياسية أو إدارية قادمة”.
العدالة في التوزيع
وفي السياق ذاته، اعتبر مستشار الائتلاف من أجل النزاهة والمساءلة “أمان”، عزمي الشعيبي، أن الأزمة المالية التي تعيشها السلطة الفلسطينية لا تتيح حلولًا قادرة على تلبية احتياجات جميع الأطراف بشكل كامل، إلا أن المخرج الأساسي يكمن، وفق قوله، في “العدالة في توزيع الأعباء”.
وقال الشعيبي، في تصريح صحفي، إن “من كانوا يحصلون سابقًا على حقوقهم كاملة يُفترض أن يتحملوا اليوم جزءًا من العبء مع بقية الموظفين”، مضيفًا أن الأولوية يجب أن تُعطى للفئات الأضعف والأكثر تضررًا.
وشدد على أن فكرة العدالة تصبح بلا معنى حين يتم استثناء بعض المؤسسات أو الفئات من سياسة التقشف، مشيرًا إلى وجود مؤسسات رسمية تتمتع باستقلال مالي وإداري، لكنها تبقى مؤسسات عامة ويجب أن تخضع للسياسات ذاتها المطبقة على موظفي الخدمة المدنية.
ولفت إلى مؤسسات مثل سلطة النقد، وهيئات تنظيم الكهرباء والمياه والاتصالات، ومكتب الرئيس، إلى جانب مؤسسات أخرى “غير وزارية”، معتبرًا أن أي فائض مالي لديها يجب أن يوجَّه إما لدعم الخزينة العامة أو لتحسين الخدمات المقدمة للموظفين.
ورأى أن ما جرى من صرف مستحقات للقضاة لم يكن السبب الوحيد للأزمة، بل كشف جانبًا من واقع أوسع، معتبرًا أن هناك مؤسسات أخرى ما تزال تدفع رواتب كاملة رغم الأزمة، الأمر الذي يعمق حالة الاحتقان.
تصورات للحل
وكان نقيب الأطباء صلاح الهشلمون قد أوضح أن النقابات قدمت تصورًا “منطقيًا وقابلًا للتنفيذ” للخروج من الأزمة، يقوم على مبدأ “استمرارية تقديم الخدمة بشكل كامل مقابل التزام مالي من الحكومة يمنح الموظف القدرة على العمل بأريحية وكرامة”.
وأضاف أن النقابات لم تتمسك بالضرورة بصرف راتب كامل فورًا، رغم أن مطلبها الأساسي المعلن هو “راتب كامل مقابل دوام كامل”، موضحًا أن الطرح الذي قُدم للحكومة قد يتضمن راتبًا أقل قليلًا إذا كان ذلك يشكل مدخلًا للحل.
وأشار إلى أن الحكومة تمر بالفعل بأزمة مالية حادة، إلا أن إدارة الأزمة، بحسب وصفه، يجب أن تكون “أخف وطأة على المواطن والموظف والمريض”، مؤكدًا أن استمرار الوضع الحالي لم يعد ممكنًا.
وحول أسباب التصعيد المفاجئ خلال اليومين الماضيين، قال الهشلمون إن “الكيل بمكيالين مرفوض جملة وتفصيلًا”، مضيفًا أن ما جرى من صرف مستحقات لفئات محددة خلق حالة واسعة من عدم الرضا بين الموظفين والنقابات.
وأكد أن الحكومة اعترفت بوجود خطأ في هذا الملف، معتبرًا أن شعور الموظفين بغياب العدالة في توزيع الأعباء كان الشرارة الأساسية التي دفعت النقابات إلى التصعيد.
المنظومة الصحية مهددة
وامتدت تداعيات الأزمة إلى القطاع الصحي الأهلي والخاص، حيث حذّر اتحاد المستشفيات والمراكز الطبية الأهلية والخاصة من أن الأزمة المالية لم تعد ظرفًا مؤقتًا، بل تحولت إلى تهديد مباشر لاستمرارية المنظومة الصحية الفلسطينية.
وقال الاتحاد، في بيان وصل “قدس برس” اليوم الأربعاء، إن المستشفيات الخاصة والأهلية تتحمل منذ سنوات أعباء تشغيلية ومالية متزايدة، لكنها واصلت أداء دورها الوطني رغم محدودية الإمكانيات.
وأشار إلى أن تراكم المستحقات وتأخر التدفقات المالية أدى إلى ضغوط غير مسبوقة على المستشفيات، وصعوبات متزايدة في توفير الأدوية والمستلزمات الطبية، إضافة إلى تهديد قدرة بعض المؤسسات على الاستمرار بالمستوى ذاته من الجاهزية.
وأكد الاتحاد أن المستشفيات الأهلية والخاصة ليست مؤسسات ربحية بالمعنى التجاري، بل تشكل شريكًا أساسيًا في حماية الأمن الصحي الفلسطيني، داعيًا إلى تحرك عاجل لمعالجة الأزمة وضمان استدامة الخدمات الصحية.
SOURCE: QUDS PRESS INTERNATIONAL NEWS AGENCY