في تاريخ المقاومة الفلسطينية، برزت العديد من الأسماء التي ترددت في أروقة صنع القرار العسكري الإسرائيلي ككوابيس تؤرق قادته، ومن بين هذه الأسماء يبرز اسم القائد العسكري البارز في كتائب الشهيد عز الدين القسام، عز الدين الحداد، المعروف بـ”أبي صهيب”، والذي ارتقى شهيداً بعد مسيرة حافلة بالمواجهة والتضحية.
مثّلت شخصية الحداد حالة فريدة في القيادة العسكرية؛ إذ جمع بين الكفاءة الميدانية في لواء غزة، الذي يُعد أقوى تشكيلات القسام، والخبرة الأمنية العميقة التي اكتسبها من عمله في جهاز الأمن الداخلي “مجد”. وقد منحته هذه الثنائية قدرة استثنائية على الإفلات من الملاحقة الإسرائيلية لعقود، ليصبح “المطلوب الأول” في مراحل مفصلية من الحرب، لا سيما بعد اغتيال قادة الصف الأول، مثل محمد الضيف ومحمد السنوار.
وبرز دور الحداد بصورة خاصة في إعادة بناء الهيكل التنظيمي لكتائب القسام في ظل القصف المكثف والحصار الخانق، ولا سيما في المنطقة الشمالية من قطاع غزة، حيث أشرف على إعادة ترميم البنية العسكرية وتفعيل الخلايا القتالية في مناطق أعلن الاحتلال “تطهيرها”.
الجذور والنشأة
وُلد عز الدين الحداد عام 1970 في حي التفاح شرقي مدينة غزة، ونشأ في مرحلة شهدت تحولات كبرى في القضية الفلسطينية، تزامنت مع تصاعد القمع الإسرائيلي وبروز التيار الإسلامي الحركي في القطاع.
ومع اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الأولى عام 1987، وكان حينها في السابعة عشرة من عمره، التحق بحركة “حماس” في سنواتها الأولى، ليبدأ مسيرة نضالية امتدت قرابة أربعة عقود.
بدأ الحداد نشاطه في العمل الشعبي والميداني، قبل أن ينتقل سريعاً إلى العمل العسكري السري ضمن الخلايا الأولى التي شكّلت نواة كتائب القسام. وفي تلك المرحلة، انصبّ التركيز على بناء مجموعات صغيرة قادرة على تنفيذ عمليات نوعية ضد قوات الاحتلال والمستوطنين داخل القطاع.
وتدرّج الحداد في الرتب العسكرية من مقاتل مشاة إلى قائد فصيل، ثم قائد كتيبة، حيث صقلت تلك المرحلة خبرته في حرب العصابات داخل المناطق الحضرية، وهو المجال الذي برع فيه لاحقاً وأصبح من أبرز منظّريه داخل القسام.
المسيرة العسكرية
شهدت المسيرة العسكرية لعز الدين الحداد تطوراً متدرجاً عكس الخبرة التراكمية التي اكتسبها خلال الحروب المتعاقبة على قطاع غزة.
فخلال حرب 2008 – 2009، قاد العمليات العسكرية في المنطقة الشرقية لمدينة غزة، وهي المنطقة التي شهدت أعنف المواجهات البرية في أحياء الشجاعية والتفاح. وفي تلك الحرب تعرّض منزله للقصف للمرة الأولى، لكنه واصل إدارة العمليات الميدانية، ما عزز صورته قائداً ميدانياً لا يغادر ساحة المواجهة.
ومع تطور البنية التنظيمية للقسام، تولى قيادة لواء جنوب مدينة غزة خلال حرب 2012، حيث أشرف على استراتيجية دفاعية حالت دون تقدم القوات الإسرائيلية نحو عمق المدينة.
وبحلول عام 2021، وخلال معركة “سيف القدس”، كان يشغل منصب قائد المساعدة القتالية العامة في قطاع غزة، وهو منصب عملياتي ولوجستي رفيع يُعنى بتنسيق الدعم بين مختلف الألوية العسكرية.
وبعد استشهاد القائد باسم عيسى، قائد لواء غزة، في تلك المعركة، جرى تعيين الحداد خلفاً له لقيادة أهم وأكبر ألوية القسام في القطاع.
التطور الوظيفي والعسكري
في 1987 – 2005 مقاتل ثم قائد فصيل وكتيبة التأسيس والعمليات الصغرى، وحرب 2008-2009 قائد المنطقة الشرقية بمدينة غزة للدفاع عن أحياء الشجاعية والتفاح، وفي حرب 2012 قائد لواء جنوب مدينة غزة ومكلّفاً بإدارة العمليات الدفاعية والصاروخية، وفي حرب 2021 قائد المساعدة القتالية العامة التنسيق اللوجستي والعملياتي للقطاع.
وفي 2021 – 2024 قائد لواء مدينة غزة قيادة أكبر لواء عسكري في القسام، كما تولى قيادة المنطقة الشمالية وإعادة ترميم الكتائب بعد الاجتياح 2024 – 2025،؟ وفي عام 2025 – 2026 أصبح القائد العام لكتائب القسام قيادة أركان المقاومة بعد استشهاد محمد السنوار.
دوره في السابع من أكتوبر
يُعد عز الدين الحداد أحد أبرز العقول العسكرية التي شاركت في التخطيط لعملية “طوفان الأقصى” في السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023.
وبحسب ما كشفته تقارير وتصريحات لاحقة، فإن التخطيط للعملية استند إلى اختراق استخباراتي نوعي، حيث أكد الحداد في مقابلات إعلامية أن جهاز استخبارات القسام تمكن من اختراق أحد خوادم وحدة الاستخبارات الإسرائيلية “8200،” ما أتاح الحصول على وثائق حساسة تتعلق بخطط إسرائيلية لاستهداف قطاع غزة.
وفي السادس من أكتوبر، عقد الحداد اجتماعاً سرياً مع قادة الكتائب الست التابعة للواء غزة، وسلّمهم أوامر العمليات النهائية مكتوبة على أوراق تحمل شعار القسام، تضمنت تعليمات بأسر أكبر عدد ممكن من الجنود الإسرائيليين في الساعات الأولى، ونقلهم إلى داخل القطاع، إلى جانب توثيق مجريات الاقتحام ميدانياً.
وأدار الحداد بصورة مباشرة عملية السيطرة على قاعدة “ناحال عوز” وقاعدة “إيريز”، حيث شكّلت قوات النخبة التابعة للواء غزة رأس الحربة في تلك العمليات.
القيادة تحت الحصار
مع اتساع الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة واستهداف معظم أعضاء المجلس العسكري للقسام، برز الحداد بوصفه أحد أبرز القادة القادرين على الحفاظ على تماسك البنية العسكرية للمقاومة.
وتولى مسؤولية المنطقة الشمالية التي تضم لواءي غزة والشمال، وأشرف على إعادة تنظيم 14 كتيبة تعرضت لضربات عنيفة.
ووصفت تقارير إسرائيلية الحداد بأنه المسؤول عن “ترميم” البنية العسكرية للقسام، بعدما نجح في إعادة تفعيل خلايا المقاومة في مناطق كان الجيش الإسرائيلي قد أعلن السيطرة عليها.
واعتمد في ذلك على تحويل المقاتلين من تشكيلات شبه نظامية إلى مجموعات صغيرة مستقلة، قادرة على العمل في مناطق الدمار دون الحاجة إلى مركزية قيادية مستمرة، كما أشرف على تطوير تكتيكات القنص والكمائن المركبة، مستفيداً من معرفته الدقيقة بجغرافيا مدينة غزة وشبكة الأنفاق.
البعد السياسي والتفاوضي
امتلك الحداد رؤية سياسية انعكست على مواقفه من المفاوضات المتعلقة بوقف إطلاق النار.
فقد عارض بشدة أي اتفاق يتضمن نزع سلاح المقاومة، واعتبر أن المساس بالسلاح يمثل “تصفية نهائية للقضية الفلسطينية”. وأصرّ، وفق ما نقلته مصادر فلسطينية، على أن أي اتفاق يجب أن يتضمن انسحاباً إسرائيلياً كاملاً ورفعاً للحصار دون المساس بالقدرات العسكرية للمقاومة.
وكان يرى أن قطاع غزة قادر على استنزاف الاحتلال لسنوات طويلة، وهو ما جعل “إسرائيل” تعتبره “العقبة الرئيسية” أمام مشاريع التسوية المتعلقة بالسلاح.
وفي الوقت نفسه، شدد الحداد في أكثر من مناسبة على أن صمود الحاضنة الشعبية الفلسطينية يمثل العنصر الأساسي في استمرار المقاومة رغم الحصار والدمار.
الظهور الإعلامي الأخير
في يناير/كانون الثاني 2025، ظهر عز الدين الحداد في مقابلة حصرية ضمن برنامج “ما خفي أعظم” على قناة الجزيرة، في أول ظهور إعلامي لقائد بهذا المستوى من الملاحقة الأمنية.
ووجّه الحداد خلال المقابلة رسائل مباشرة للاحتلال والمجتمع الدولي، مؤكداً أن المقاومة لن تستجيب للمطالب الإسرائيلية المدعومة أمريكياً.
كما تحدث عن “ساعة الصفر” الخاصة بعملية “طوفان الأقصى”، مؤكداً أن الأهداف العسكرية المرسومة للعملية تحققت خلال الساعات الأولى، وتناول أوضاع الأسرى الإسرائيليين لدى المقاومة، مشيراً إلى أن القصف الإسرائيلي عرّض حياتهم للخطر مراراً.
محاولات الاغتيال المتكررة
نجا عز الدين الحداد من ست محاولات اغتيال مؤكدة، ما عزز صورته داخل الأوساط الفلسطينية والإسرائيلية بوصفه أحد أكثر قادة القسام قدرة على التخفي والعمل الأمني.
وقصفت إسرائيل منزله في أعوام 2009 و2012 و2021، ثم استهدفته عدة مرات خلال الحرب المستمرة منذ عام 2023، كما نفذت قوات خاصة عمليات مداهمة لمواقع اشتبه بوجوده فيها دون نجاح.
ودفع الحداد ثمناً شخصياً باهظاً خلال الحرب، إذ استشهد نجله الأكبر صهيب وحفيده في يناير/كانون الثاني 2025، إثر غارة إسرائيلية على حي التفاح، ثم استشهد نجله الثاني في شهر نيسان من العام ذاته.
ورغم تلك الخسائر، واصل الحداد إدارة المعركة، ما دفع وسائل إعلام إسرائيلية إلى إطلاق لقب “ذو الأرواح السبعة” عليه، في إشارة إلى نجاته المتكررة من الاغتيال.
اغتيال القائد
انتهت رحلة “شبح القسام” مساء الجمعة 15 أيّار/مايو 2026، إثر عملية عسكرية واستخباراتية إسرائيلية معقدة استهدفته في حي الرمال وسط مدينة غزة.
وأعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع يسرائيل كاتس، في بيان مشترك، نجاح الجيش الإسرائيلي وجهاز “الشاباك” في اغتيال الحداد، بعد عملية مراقبة وتعقب استمرت أكثر من أسبوع.
ووفقاً للتقارير الإسرائيلية، نُفذت العملية عبر ثلاث طائرات حربية وعدد من الطائرات المسيّرة، حيث استُهدفت شقة سكنية في “عمارة المعتز” بعدة صواريخ وقنابل ثقيلة، بالتزامن مع استهداف مركبة غادرت الموقع، لمنع أي محاولة فرار.
وأسفرت الغارة عن استشهاد عز الدين الحداد وزوجته وابنته، إلى جانب سبعة فلسطينيين آخرين، وإصابة نحو خمسين شخصاً.
واعتبرت إسرائيل العملية “إنجازاً استراتيجياً”، ووصفت الحداد بأنه “آخر مهندسي السابع من أكتوبر” الذين بقوا في الميدان، فيما أشارت تقارير إسرائيلية إلى أن اغتياله جاء في إطار السعي لإزالة أبرز المعارضين لمشاريع نزع سلاح المقاومة في قطاع غزة.
SOURCE: QUDS PRESS INTERNATIONAL NEWS AGENCY