يثير أداء المستوطنين “السليخوت”، المعروفة بطقوس التوبة وطلب الصفح، في المنطقة الشرقية للمسجد الأقصى المبارك، تحذيرات من توظيف الطقوس الدينية لفرض حضور استيطاني دائم داخل المسجد، وتحويل ساحاته إلى فضاء تؤدى فيه الشعائر اليهودية بصورة علنية ومتكررة.
ويرى باحثون ومتخصصون في شؤون القدس أنّ تكرار هذه الطقوس خلال “أيام التوبة” يندرج ضمن مسار يستهدف تغيير هوية الأقصى الإسلامية، وتهيئة الأذهان للتعامل معه باعتباره “هيكلًا قائمًا” من الناحية المعنوية، تمهيدًا لفرض تغييرات أوسع عليه.
وتوافق “أيام التوبة” هذا العام الفترة الممتدة ما بين 12 و 21 أيلول/سبتمبر 2026، بدءًا من رأس السنة العبرية وانتهاءً بيوم الغفران، أحد أهم محطات الأعياد اليهودية موسم العدوان الأعتى على المسجد الأقصى.
وكانت محافظة القدس (تابعة للسلطة الفلسطينية) قد حذرت، الأربعاء 16 أيلول/سبتمبر، من تحويل المنطقة الشرقية إلى موقع ثابت للطقوس التوراتية من قبل جماعات “الهيكل”، مشيرة إلى مقطع مصور أظهر مستوطنين يؤدون الطقوس كاملة باستخدام أوراق دينية، ويقيمون حلقات جماعية، مع بقائهم في المنطقة لأكثر من نصف ساعة خلال الاقتحامات.
من الطقوس الخاطفة إلى الأمر الواقع
وقال الباحث المختص في الشأن العبري محمد هلسة، في حديث لـ”قدس برس”، إنّ: “(السليخوت) طقوس لطلب الصفح، تتضمن ترديد ترانيم ونصوص دينية، موضحًا أن توقيتها المعتاد يكون بعد منتصف الليل أو في الساعات التي تسبق الفجر”.
ورأى هلسة أنّ “أداءها داخل الأقصى في وضح النهار يعكس محاولة لتطويع النصوص والممارسات الدينية لخدمة أهداف جماعات الهيكل السياسية والدينية في المسجد”.
وأوضح هلسة أنّ “الطقوس التي كانت تؤدى بصورة خاطفة وعابرة في السابق أصبحت تُفرض بوصفها أمرًا واقعًا شبه يومي، تحت مسميات متعددة، بما يجعل التكرار وسيلة لتثبيت حضور المستوطنين وشعائرهم داخل المسجد”.
وبحسب هلسة، تسعى جماعات الهيكل إلى التعامل مع الأقصى باعتباره مكانًا يهوديًا مقدسًا و”هيكلًا قائمًا” معنويًا، رغم بقاء مبانيه ومعالمه الإسلامية، عبر تكرار الصلوات واستدعاء النصوص المرتبطة بهذه الرؤية.
وأضاف هلسة أنّ: “الهدف يتصل بتعويد الجمهور اليهودي على هذا التصور، وفي الوقت نفسه دفع الجمهور العربي إلى الاعتياد على مشاهد لم تكن مألوفة داخل الأقصى، بحيث تتراجع صدمة الانتهاك مع تواتر عرضه وتكراره”.
وحذر من أنّ هذا المسار يرمي، في تقديره، إلى فرض التعامل مع المسجد كمكان مشترك في المرحلة الراهنة، تمهيدًا للاستئثار به إذا تهيأت الظروف السياسية والأمنية، وصولًا إلى تحقيق مخططات هدمه وإقامة “الهيكل” مكانه.
الطقوس مقدمة للإحلال
من جانبه، اعتبر أستاذ دراسات بيت المقدس عبد الله معروف أنّ “حرص المستوطنين على أداء صلوات التوبة وسائر الطقوس خلال موسم الأعياد يعكس جدية مشروع إحلال وجودهم مكان الوجود الإسلامي في المسجد الأقصى”.
وأوضح معروف، في حديث لـ”قدس برس”، أنّ “أداء الصلوات الدينية كاملة داخل المسجد يشكل مقدمة يبني عليها الاحتلال مساعيه للإحلال، وهو ما يفسر، بحسبه، إصرار جماعات الهيكل على ممارسة مختلف الشعائر، بما فيها الطقوس الثانوية والمناسبات التي لم تكن تحظى بهذه الأهمية سابقًا”.
وقال معروف: “إنّ تحويل المناسبات الثانوية إلى محطات مركزية للاقتحام يتيح توسيع فرص الحضور الاستيطاني، ويخدم هدف جعله وجودًا دائمًا بحكم الأمر الواقع”.
وشدّد معروف على أنّ خطورة هذه الممارسات تكمن في توظيفها للسيطرة على المسجد كاملًا، عبر تكريس الطقوس والوجود الاستيطاني بصورة متواصلة، تمهيدًا لإحلالهما مكان الوجود الإسلامي.
حماية عسكرية لمشروع ديني
بدوره، قال المحامي خالد زبارقة، المختص بشؤون القدس والمسجد الأقصى، إنّ الاحتلال يستغل المناسبات الدينية بمسمياتها المختلفة لإضفاء صبغة يهودية على المسجد ومحاولة تغيير هويته الإسلامية.
وأضاف زبارقة، في حديث لـ”قدس برس”، أنّ “فرض الطقوس في ساحات الأقصى يجري بقوة السلاح والحماية العسكرية، مع استخدام اسم ديني مختلف في كل مناسبة، في محاولة لصناعة شرعية دينية للمستوطنين داخل المسجد”.
واعتبر أن مختلف سلطات الاحتلال، ولا سيما الأجهزة العسكرية والشرطة، تعمل على إنجاح هذا التوظيف الديني، مشيرًا إلى أن دور الشرطة داخل الأقصى يتجاوز، وفق تقييمه، مهمة حفظ الأمن والنظام إلى تأمين فرض الطقوس والمخططات الدينية.
ورأى معروف أنّ “الشرطة نفسها تسهم في الإخلال بالأمن والنظام العام عندما تفرض هذه الممارسات بالقوة، معتبرًا ذلك انتهاكًا للقوانين والأعراف والترتيبات المرتبطة بالوضع القائم التاريخي والديني في المسجد”.
وتتزامن هذه التحذيرات مع مطالب جماعات الهيكل بتوسيع أوقات الاقتحام لتشمل فترة مسائية بعد صلاة العشاء لأداء “السليخوت”. وبحسب الباحث زياد ابحيص، فإن هذه المطالب تأتي ضمن جهود توسيع التقسيم الزماني للأقصى، إلى جانب السعي لفتحه أمام الاقتحامات أيام السبت.
SOURCE: NATIONAL IRAQI NEWS AGENCY