أثارت زيارة السفير الأمريكي لدى “إسرائيل” مايك هاكابي إلى بلدة ترمسعيا، شمال رام الله، وسط الضفة الغربية، أمس السبت، انتقادات فلسطينية واسعة، على خلفية ما اعتبره كتّاب وباحثون دلالات سياسية في طبيعة الزيارة والمصطلحات التي استخدمها السفير، وما غاب عن خطابه من مفردات تتصل بالاحتلال والاستيطان وحقوق الفلسطينيين في أرضهم.
وتركزت الانتقادات على أن هاكابي قدّم الزيارة أساسًا باعتبارها لقاءً مع فلسطينيين يحملون الجنسية الأمريكية، وليس زيارة إلى بلدة فلسطينية تقع في الضفة الغربية المحتلة، كما استخدم تعبير “يهودا والسامرة” عند الحديث عن المنطقة، وهي التسمية التي يستخدمها الخطاب الإسرائيلي للضفة الغربية.
ويرى منتقدو الزيارة أن هذا الخطاب يحمل دلالة تتجاوز الاختيار اللغوي، ويعيد صياغة القضية الفلسطينية باعتبارها قضية سكان يعيشون في منطقة متنازع عليها، بدلًا من التعامل معها باعتبارها قضية شعب واقع تحت الاحتلال والاستيطان.
القيق: الأخطر في الزيارة هو ما حملته من رسائل سياسية
الكاتب والباحث السياسي محمد القيق يرى أن خطورة زيارة هاكابي لا تكمن في شكلها البروتوكولي، وإنما في الرسائل التي حملتها.
ويقول القيق لـ”قدس برس” إن السفير ركّز على تقديم خدمات قنصلية للفلسطينيين من حملة الجنسية الأمريكية، من قبيل إصدار التأشيرات وتجديدها وتسهيل إجراءات السفر، بدلًا من طرح قضية الأراضي المصادرة أو الاعتداءات الاستيطانية باعتبارها قضية سياسية مرتبطة بالاحتلال.
ويضيف أن هاكابي دعا سكان ترمسعيا إلى “التعايش”، معتبرًا أن السؤال الأساسي الذي يطرح نفسه هنا هو: التعايش مع من؟
ويرى القيق أن الدعوة إلى التعايش، دون الحديث عن إعادة الأراضي المصادرة أو وقف التوسع الاستيطاني، تعني عمليًا مطالبة الفلسطيني بالتعايش مع واقع فُرض عليه بالقوة.
ويشير إلى أن السفير، بحسب قراءته، لم ينظر إلى خرائط الأرض الفلسطينية أو يناقش قضية الأراضي، وإنما ركّز على منزل أحد المواطنين الأمريكيين وقصة بنائه وعمله في الولايات المتحدة.
ويعتبر القيق أن تحويل الزيارة إلى ما يشبه زيارة شخصية لمنزل مواطن أمريكي، ثم تحويل المنزل إلى “مكتب خدمات”، يتجاهل البعد السياسي للقضية.
“لا فلسطينيين.. ولا علم فلسطيني”
ومن أبرز ما يتوقف عنده القيق غياب أي تمثيل فلسطيني رسمي أو حضور واضح للعلم الفلسطيني خلال الزيارة.
ويعتبر أن ذلك يحمل رسالة سياسية، خصوصًا أن السفير جاء إلى بلدة فلسطينية في الضفة الغربية، لكنه – بحسب القيق – تعامل معها بوصفها منطقة يقيم فيها مواطنون أمريكيون.
ويضيف أن هذا النهج يتقاطع مع ما يراه تطبيقًا عمليًا لأفكار “صفقة القرن”، القائمة – وفق قراءته – على التعامل مع الفلسطينيين باعتبارهم تجمعات سكانية، وليس دولة وشعبًا ذا سيادة.
ويقول القيق إن الخطورة تكمن كذلك في حديث السفير عن إمكانية تسهيل سفر السكان، معتبرًا أن الإيحاء بأن مغادرة المكان خيار متاح للفلسطينيين يمثل رسالة خطيرة، لأنها قد تُفهم باعتبارها تعاملًا مع الهجرة أو الرحيل كحل لمشكلة الأمن، بدلًا من معالجة أسبابها.
لم يقل “مستوطنون”
ومن النقاط التي يركز عليها القيق استخدام هاكابي عبارات عامة عند الحديث عن الاعتداءات.
ويقول إن السفير لم يستخدم، في بعض المواضع التي تحدث فيها عن الاعتداءات، مصطلح “المستوطنين” أو “Settlers”، وإنما تحدث عن أشخاص يرتكبون اعتداءات، مطالبًا بوقف العنف.
ويرى القيق أن حذف المصطلح يحمل أهمية سياسية، لأن وصف المعتدين بأنهم “مستوطنون” يضع الاعتداءات في سياق الاستيطان والاحتلال، بينما الاكتفاء بوصفهم أفرادًا يرتكبون أعمال عنف يحوّل القضية إلى مشكلة أمنية أو جنائية منفصلة.
ويضيف أن هذا الخطاب يتزامن، من وجهة نظره، مع دعم أمريكي لمؤسسات وشخصيات إسرائيلية مرتبطة بالمشروع الاستيطاني، ما يجعله يرى في الزيارة محاولة لتقديم صورة مختلفة عن طبيعة السياسة الأمريكية تجاه الضفة الغربية.
شهاب محمد: المصطلحات تكشف الرؤية السياسية
بدوره، يرى الكاتب شهاب محمد أن هاكابي كان حذرًا في انتقاء المصطلحات خلال زيارته لترمسعيا.
ويشير إلى أن السفير قال إنه يزور مواطنين يحملون الجنسية الأمريكية، ولم يقدمهم أساسًا باعتبارهم فلسطينيين يتعرضون للظلم والاعتداء.
ويعتبر شهاب أن ذلك يعني، في قراءته، أن السفير يتعامل مع المنطقة باعتبارها نطاقًا جغرافيًا تقع فيه مسؤولية قنصلية تتعلق بالمواطنين الأمريكيين، وليس باعتبارها جزءًا من الضفة الغربية المحتلة.
ويشير كذلك إلى استخدام هاكابي مصطلح “يهودا والسامرة” بدلًا من “الضفة الغربية”، معتبرًا أن اختيار التسمية يحمل دلالة سياسية.
ويقول إن الحديث عن “يهودا والسامرة” بدلًا من الضفة الغربية ينقل النقاش من الإطار القانوني والسياسي المتعلق بالأرض المحتلة إلى إطار الرواية الإسرائيلية التي تنظر إلى المنطقة باعتبارها جزءًا من المجال التاريخي الإسرائيلي.
“التعايش” مع المستوطنين
ويضيف شهاب أن دعوة السفير إلى التعايش تطرح سؤالًا حول طبيعة التعايش المطلوب.
فإذا كان الفلسطيني يمتلك منزله وأرضه، والمستوطن يقيم في مستوطنة أو بؤرة أُقيمت على أرض فلسطينية، فإن الدعوة إلى التعايش، وفق شهاب، قد تعني مطالبة الفلسطيني بالتكيف مع واقع الاستيطان، بدلًا من معالجة أصل المشكلة.
ويقول إن الخطاب الأمريكي، بهذه الطريقة، قد يتحول من المطالبة بإنهاء الاحتلال والاستيطان إلى المطالبة فقط بأن تكون ممارسات الاحتلال أقل قسوة.
معز كراجة: تحويل الصراع إلى “جرائم أفراد”
من جانبه، يرى الكاتب معز كراجة أن خطاب هاكابي خلال زيارته للضفة الغربية يقدم نموذجًا لما وصفه بـ”خطاب سياسي وإعلامي” ينسجم مع المشروع الإسرائيلي.
ويقول كراجة إن هذا الخطاب يسعى إلى تحويل الفلسطينيين في الضفة الغربية إلى مجرد “سكان مناطق”، والتعامل مع الاعتداءات التي يتعرضون لها باعتبارها جرائم فردية.
ويوضح أن إدانة الاعتداء على منزل أو سيارة باعتبارها جريمة أمر مختلف عن الاعتراف بأن هذه الاعتداءات تحدث داخل سياق سياسي يتمثل في الاحتلال والاستيطان والسيطرة على الأرض.
وبحسب كراجة، فإن تقديم الاعتداء باعتباره جريمة يرتكبها “بضعة متطرفين” يفصل الجريمة عن سياقها السياسي، ويجعلها شبيهة بأي جريمة يرتكبها أفراد ضد أقلية أو مجموعة سكانية داخل دولة.
ويرى أن ذلك يؤدي إلى تغييب حقيقة أن القضية الفلسطينية ليست مجرد علاقة بين أفراد، وإنما صراع على الأرض والحقوق والسيادة.
هاكابي بين إدانة العنف والدفاع عن المستوطنين
ولا يخلو خطاب السفير الأمريكي من مفارقة واضحة؛ فهو، من جهة، أدان أعمال العنف التي يرتكبها مستوطنون، ودعا إلى وقفها، ومن جهة أخرى، أكد أن هذه الأفعال تمثل، بحسب وصفه، سلوك فئة محدودة، وأن غالبية المستوطنين يريدون العيش بأمان في المنطقة.
وهذه النقطة تحديدًا يراها المنتقدون جزءًا من المشكلة؛ إذ إن إدانة الاعتداء لا تعني بالضرورة الاعتراف بالسياق الذي أنتج الاعتداء.
فالخطاب الذي يقول إن المشكلة تكمن في “متطرفين” فقط يختلف جذريًا عن خطاب يعتبر الاستيطان نفسه أحد جذور الصراع.
وهنا يرى القيق وشهاب وكراجة أن السؤال لا ينبغي أن يتوقف عند: من أحرق المنزل أو اعتدى على السكان؟ بل يجب أن يمتد إلى: من صادر الأرض؟ ومن أقام المستوطنة؟ ومن يفرض السيطرة على المنطقة؟
ترمسعيا.. حين تتقدم الجنسية على القضية
تكتسب زيارة ترمسعيا خصوصية إضافية بسبب ارتفاع نسبة الفلسطينيين من حملة الجنسية الأمريكية في البلدة.
لكن تحويل الزيارة إلى ملف قنصلي، وفق المنتقدين، يطرح سؤالًا حول ما إذا كانت الجنسية الأمريكية أصبحت هي المدخل الوحيد الذي تنظر من خلاله واشنطن إلى الفلسطينيين.
فالفلسطيني الأمريكي في ترمسعيا هو، في الوقت نفسه، فلسطيني يعيش في أرض محتلة، ومواطن أمريكي يُفترض أن تحمي واشنطن حقوقه ومصالحه.
ويرى منتقدو الزيارة أن التركيز على الشق الأول وإهمال الثاني يحوّل القضية من قضية حقوق وأرض واحتلال إلى قضية خدمات قنصلية.
غياب العلم.. حضور السياسة
ولعل المشهد البصري للزيارة كان، في قراءة منتقديها، أكثر تعبيرًا من الكلمات.
ففي الوقت الذي كان فيه السفير الأمريكي حاضرًا في بلدة فلسطينية، غاب – وفق القيق – العلم الفلسطيني والتمثيل الرسمي الفلسطيني عن المشهد.
ويعتبر القيق أن هذا الغياب لا يمكن فصله عن رفض التعامل مع السلطة الفلسطينية أو ممثليها خلال الزيارة، ويرى أنه يعكس تصورًا سياسيًا لا يريد منح المؤسسات الفلسطينية دورًا في تعريف مستقبل المنطقة.
ومن هنا يربط القيق بين الزيارة وبين ما يصفه باستمرار النهج الأمريكي القائم على تهميش التمثيل السياسي الفلسطيني، والتعامل مع الفلسطينيين بوصفهم مجموعات سكانية منفصلة يمكن إدارة شؤونها، بدلًا من الاعتراف بهم كطرف سياسي صاحب حقوق وطنية.
ما وراء الزيارة
تكشف زيارة هاكابي لترمسعيا، وفق القراءات التي قدمها القيق وشهاب محمد ومعز كراجة، عن معركة لا تتعلق فقط بما يحدث على الأرض، بل أيضًا باللغة التي يجري من خلالها وصف الأرض وسكانها.
فالفرق بين “الضفة الغربية” و”يهودا والسامرة”، وبين “المستوطنين” و”أشخاص يعيشون في المنطقة”، وبين “شعب فلسطيني” و”مواطنين أمريكيين”، ليس فرقًا لغويًا محضًا.
إنه فرق في تعريف القضية نفسها.
فإذا كانت المشكلة هي الاحتلال والاستيطان، فإن الحل يفترض أن يتصل بإنهائهما وبإعادة الحقوق إلى أصحابها.
أما إذا كانت المشكلة هي مجرد اعتداءات يرتكبها أفراد ضد أفراد، فإن الحل يصبح أمنيًا: حماية المنزل، ومنع اقتحامه، ومحاسبة المعتدي، وتسهيل حياة السكان.
وهنا تحديدًا يرى منتقدو هاكابي أن الخطر السياسي الأكبر للزيارة لا يكمن في تصريح منفرد، وإنما في الصورة الكاملة التي ترسمها: فلسطينيون يعيشون في “منطقة”، ومستوطنون يعيشون في المنطقة ذاتها، واعتداءات يرتكبها “متطرفون”، ودعوة إلى التعايش؛ بينما تتراجع إلى الخلفية أسئلة الأرض والاحتلال والاستيطان والسيادة الفلسطينية.
وبذلك تتحول ترمسعيا من نموذج لبلدة فلسطينية تواجه تمدد الاستيطان واعتداءات المستوطنين، إلى نموذج لما قد يكون عليه شكل الخطاب الأمريكي تجاه الضفة الغربية: إدارة الواقع بدلًا من تغييره، وحماية السكان بدلًا من إنهاء أسباب تعرضهم للخطر، والتعايش مع الاستيطان بدلًا من تفكيك منظومته.
وهو ما يجعل زيارة هاكابي، في نظر منتقديه، أكبر من مجرد إفطار أو جولة دبلوماسية؛ إنها رسالة سياسية حول الكيفية التي تنظر بها واشنطن إلى الفلسطينيين والأرض التي يعيشون عليها ومستقبل الضفة الغربية.
SOURCE: QUDS PRESS INTERNATIONAL NEWS AGENCY