يرى الكاتب والمحلل السياسي إبراهيم المدهون أن المقترح الأمريكي الأخير يهدف بالأساس إلى إنقاذ الاحتلال الإسرائيلي من العزلة الدولية المتفاقمة، في ظل الإدانات الواسعة والضغط الشعبي والرسمي الذي يضعه في خانة مرتكبي الإبادة الجماعية. ويعتبر أن هذا المقترح يشكّل غطاءً سياسياً ودبلوماسياً يحوّل مسار النقاش من مساءلة قانونية إلى تفاوض سياسي.
ويضيف المدهون أن الخطة جاءت لامتصاص الغضب الدولي، ومنع مزيد من الاعترافات بالدولة الفلسطينية، وتفادي عزلة قد تقيد حرية الاحتلال سياسياً واقتصادياً. ويصفها بأنها “أداة إنقاذ دبلوماسية للاحتلال، تُقدَّم على حساب حقوق الشعب الفلسطيني”.
“حماس” لن ترفض المقترح بالكامل
يشير المدهون إلى أن الورقة الأمريكية تتضمن بنوداً إنسانية وسياسية عاجلة، مثل وقف إطلاق النار، ووقف التهجير، وانسحاب الاحتلال من غزة، لكنها في الوقت ذاته تحمل بنوداً ملغومة، كالإدارة الأمنية، ونزع سلاح المقاومة، وتجزئة الانسحاب على مراحل. ويؤكد أن هذه البنود تتماشى مع شروط الاحتلال، ما يستدعي قراءة دقيقة لكل بند في سياقه السياسي.
ويتابع أن “حماس معنية أولاً بوقف الإبادة، لكنها تدرك أن الورقة تمس جوهر القضية الوطنية، لذا من المتوقع أن تخضع لنقاش معمّق داخل الحركة ومع الفصائل والنخب الوطنية، باعتبار أن آثارها تتجاوز حماس وتمس المشروع الفلسطيني برمّته”.
ويضيف أن “حماس ستتعاطى مع الورقة بمرونة محسوبة، لتجنب تحميلها مسؤولية استمرار الحرب، دون التفريط بالثوابت، وستتجه نحو مقاربة وطنية جماعية تُحمّل الجميع مسؤولية القرار، وتُبقي على مساحة للمناورة السياسية”.
ورقة تتقاطع مع رؤية الاحتلال
يوضح المدهون أن الدول العربية والإسلامية لعبت دوراً أساسياً في دفع واشنطن نحو التفكير بوقف الحرب، وهو جهد لا يمكن إنكاره. لكنه يلفت إلى أن بعض التعديلات التي أُدخلت على الورقة جاءت لتقارب أكثر مع الرؤية الإسرائيلية. ويطالب هذه الدول بممارسة ضغط فعلي على واشنطن لضمان أولويات واضحة: وقف الحرب، انسحاب الاحتلال، والإفراج عن الأسرى.
ويختم بالقول: “الحل لا يكمن في الرفض أو القبول الميكانيكي، بل في تفكيك الورقة: القبول بما يوقف العدوان فوراً، والمطالبة بتوضيحات وضمانات للبنود الأخرى، ووضع خطوط حمراء لا يمكن تجاوزها. بهذا الشكل تُحمّل الولايات المتحدة المسؤولية عن أي غموض أو مماطلة، بينما يحافظ الشعب الفلسطيني على موقف وطني متوازن، يرفض الاستسلام دون أن يمنح الاحتلال ذرائع مجانية”.
مبادرة لكسر العزلة الدولية
وفي السياق ذاته، يؤكد الكاتب والمحلل السياسي حازم عيّاد أن المبادرة الأمريكية جاءت لكسر العزلة الدولية التي بات الاحتلال يواجهها، والتي تجلّت في اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة، واعتراف عدد من الدول الغربية بدولة فلسطين، إضافة إلى الأسطول البحري المتجه إلى غزة لكسر الحصار.
ويضيف في حديث خاص لـ”قدس برس” أن “حماس ليست معنية برفض كامل ومطلق لكافة بنود الخطة، بل يمكنها الموافقة على بعض البنود ورفض أخرى لا تتوافق مع مصالح الشعب الفلسطيني. أما نتنياهو، فهو يتمنى الرفض الكامل من حماس، ليحصل على غطاء لاستمرار الحرب”.
إدراك عربي لخطر الاحتلال
يشير عيّاد إلى أن المقاومة الفلسطينية قادرة على إحباط الأهداف السياسية للاحتلال من خلال عدم الرفض التام للخطة، وإدخال تعديلات تنسجم مع مطالب الشعب الفلسطيني بوقف العدوان. ويرى أن هناك “حرب إرادات” بين من يسعى لاحتواء الحراك الدولي وتشويه صورة المقاومة، وبين من يعمل على عزل الاحتلال وفضحه أمام العالم.
ويؤكد أن الدول العربية والإسلامية باتت تدرك خطر الاحتلال على أمنها القومي، خاصة بعد الاعتداء على الوفد المفاوض في الدوحة، وهو ما دفعها للضغط على إدارة ترامب لوقف الحرب.
ومنذ إطلاق المقاومة الفلسطينية لعملية “طوفان الأقصى” في السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، يواصل جيش الاحتلال الإسرائيلي، بدعم سياسي وعسكري مفتوح من الولايات المتحدة وعدد من القوى الغربية، شنّ حرب إبادة شاملة على قطاع غزة للعام الثاني على التوالي.
وقد أسفرت هذه الحرب غير المسبوقة في حدّتها ودمويتها عن استشهاد عشرات الآلاف من الفلسطينيين، غالبيتهم من النساء والأطفال وكبار السن، وتدمير نحو 80 بالمئة من البنية التحتية في القطاع، بما في ذلك المستشفيات والمدارس والجامعات والمجمعات السكنية.
كما شهدت غزة واحدة من أوسع موجات النزوح الداخلي القسري في التاريخ الحديث، بفعل أوامر الإخلاء المتكررة التي يفرضها جيش الاحتلال، وسط حصار خانق وانهيار شبه كامل لمقومات الحياة.
SOURCE: QUDS PRESS INTERNATIONAL NEWS AGENCY