تتسع تداعيات التوسع الاستيطاني واعتداءات المستوطنين في الضفة الغربية لتتجاوز الاستيلاء على الأراضي وإقامة البؤر الجديدة، وصولًا إلى تهجير التجمعات الرعوية الفلسطينية وتقويض مصادر رزقها، في ظل تقييد الوصول إلى المراعي والمياه، وتزايد الضغوط على الثروة الحيوانية والأمن الغذائي.
وقال المختص بشؤون الاستيطان رائد موقدي إن التوسع في إقامة البؤر الاستيطانية الرعوية يفرض واقعًا جديدًا على الأرض، من خلال إحكام السيطرة على المراعي ومصادر المياه، وتضييق المساحات المتاحة أمام الفلسطينيين لرعي مواشيهم، الأمر الذي يدفع التجمعات الرعوية إلى مغادرة مناطقها تحت ضغط الاعتداءات والقيود المفروضة على حركتها.
وأضاف لـ”قدس برس” أن خطورة هذا النمط من الاستيطان لا تقتصر على مساحة الأرض التي تسيطر عليها البؤرة، بل تمتد إلى نطاق أوسع من الأراضي المحيطة بها، نتيجة منع الرعاة من الوصول إلى المراعي ومصادر المياه، بما يؤدي إلى حرمانهم من مقومات الاستمرار في مناطقهم.
وأشار إلى أن التوسع الاستيطاني يترافق مع إجراءات رسمية إسرائيلية لتثبيت السيطرة على الأرض، تشمل إصدار أوامر عسكرية وتخصيص مساحات للرعي لصالح المستوطنين، إلى جانب شرعنة بؤر زراعية ورعوية، ما يعمق التفاوت في إمكانية الوصول إلى الموارد الطبيعية واستغلالها.
وتشير البيانات الفلسطينية إلى امتداد السيطرة الإسرائيلية إلى 42% من مساحة الضفة الغربية، و71% من المنطقة المصنفة “ج”، ونحو 91% من مساحة الأغوار الفلسطينية.
كما خصصت أوامر عسكرية إسرائيلية 16,200 دونم للنشاط الرعوي للمستوطنين، بالتزامن مع شرعنة 70 بؤرة استيطانية زراعية ورعوية.
وفي ملف الاستيلاء على الأراضي، أصدرت سلطات الاحتلال خلال عام 2024 نحو 35 أمرًا بوضع اليد على 1,073 دونمًا، وخمسة أوامر استملاك لنحو 803 دونمات، وتسعة أوامر لإعلان أراضٍ تبلغ مساحتها قرابة 24,597 دونمًا “أراضي دولة”، إضافة إلى ستة أوامر لتعديل حدود محميات طبيعية، جرى من خلالها الاستيلاء على نحو 20 ألف دونم.
الأغوار في قلب الاستهداف
من جهته، قال الباحث في ملف الأغوار فارس فقها إن التجمعات الرعوية في الأغوار تواجه ضغوطًا متزايدة بفعل السيطرة على الأراضي والمراعي، وتقييد الوصول إلى المياه، بما ينعكس مباشرة على قدرة العائلات على تربية المواشي والحفاظ على مصادر دخلها.
وأوضح لـ”قدس برس” أن الرعي يشكل ركيزة أساسية لمعيشة كثير من الأسر في الأغوار، ولذلك فإن فقدان المراعي أو منع الوصول إليها لا يمثل خسارة لمساحة من الأرض فحسب، بل يهدد منظومة معيشية متكاملة تعتمد على توافر المراعي والمياه والقدرة على التنقل بين المناطق.
وأضاف أن ارتفاع تكاليف الأعلاف المشتراة، في ظل تراجع إمكانية الاعتماد على المراعي الطبيعية، يضع الأسر الرعوية أمام أعباء اقتصادية إضافية، وقد يدفعها إلى تقليص أعداد مواشيها أو مغادرة مناطقها، بما يهدد استمرارية وجودها في تلك المناطق.
وتنسجم هذه التداعيات مع ما أورده بيان مشترك للجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني وسلطة جودة البيئة، في السلطة الفلسطينية صدر اليوم الأربعاء، بمناسبة اليوم العربي للبيئة، إذ أكد أن فقدان المراعي وتقييد الوصول إليها يزيدان اعتماد الأسر الرعوية على الأعلاف المشتراة، ويرفعان تكاليف تربية الثروة الحيوانية، بما يهدد قدرتها على مواصلة أنشطتها المعيشية.
وأشار البيان إلى أن تغيير استخدامات الأراضي وشق الطرق يؤثران كذلك في استمرارية الموائل الطبيعية والتنوع الحيوي، بما يضيف أبعادًا بيئية إلى الأضرار الاقتصادية والاجتماعية الناجمة عن التوسع الاستيطاني.
أرقام مرعبة
ووفق بيانات فلسطينية رسمية، تسببت هذه الاعتداءات والتوسعات في تهجير 118 تجمعًا ومجموعة رعوية خلال الفترة بين عامي 2023 و2025، بالتزامن مع إقامة مئات البؤر الاستيطانية وتوسيع نطاق الأراضي الخاضعة لسيطرة المستوطنين.
وتكشف الأرقام حجم التحولات التي تشهدها الأراضي الفلسطينية؛ إذ أقيمت 185 بؤرة استيطانية جديدة خلال الفترة المذكورة، بينها نحو 130 بؤرة رعوية وتلال استيطانية، تقدر مساحة الأراضي التي تسيطر عليها بنحو 1.07 مليون دونم، أي قرابة 18% من مساحة الضفة الغربية. كما أضيف نحو 300 ألف دونم إلى الأراضي التي استولى عليها المستوطنون عبر هذه البؤر خلال عام 2025 وحده.
وبحسب البيانات، بلغ عدد البؤر الاستيطانية الرعوية 231 بؤرة ضمن نحو 400 بؤرة استيطانية، فيما وصل عدد المستوطنين في الضفة الغربية إلى نحو 790 ألفًا حتى نهاية تموز/يوليو 2026، موزعين على 170 مستوطنة ونحو 400 بؤرة استيطانية.
وتبلغ مساحة المراعي في الضفة الغربية نحو 2,111 كيلومترًا مربعًا، بما يعادل قرابة 37% من مساحتها، وتشكل مراعي السفوح الشرقية نحو 61% من إجمالي مساحة المراعي، ما يجعل السيطرة عليها وتقييد الوصول إليها عاملًا مؤثرًا في استمرارية حياة التجمعات الرعوية.
غزة.. تقلص المساحات الزراعية المتاحة
وفي قطاع غزة، أظهرت أحدث التقييمات الجغرافية المكانية الصادرة عن منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة ومركز الأمم المتحدة للأقمار الصناعية أن 4,480 دونمًا فقط من الأراضي الزراعية، أي نحو 3% من إجمالي المساحة الزراعية، كانت متاحة للوصول إليها وغير متضررة حتى 24 حزيران/يونيو 2026.
وبحسب البيان الفلسطيني، تحد هذه المعطيات من القدرة على الإنتاج الزراعي وتوفير الأعلاف والحفاظ على الثروة الحيوانية، وتفاقم صعوبات استعادة سبل العيش وتعزيز الأمن الغذائي.
وشدد الجهاز المركزي للإحصاء وسلطة جودة البيئة على أهمية حماية المراعي وإدارتها بصورة مستدامة، وتعزيز التنسيق بين المؤسسات الوطنية والدولية والإقليمية، ودعم إعادة تأهيل المناطق المتضررة وحماية التنوع الحيوي والموائل الطبيعية، بما يسهم في صون الموارد الطبيعية الفلسطينية وتعزيز صمود التجمعات الرعوية وأمنها الغذائي.
وتبرز هذه المعطيات أن خسارة المراعي لا تنفصل عن قضية الأرض والوجود الفلسطيني؛ فمع اتساع السيطرة على الموارد الطبيعية، تواجه التجمعات الرعوية تحديًا متزايدًا في الحفاظ على مصادر رزقها والبقاء في مناطقها، فيما تتجاوز آثار ذلك حدود الأسر المتضررة لتطال الإنتاج الزراعي والثروة الحيوانية والأمن الغذائي الفلسطيني.
SOURCE: QUDS PRESS INTERNATIONAL NEWS AGENCY