Search
Close this search box.
Search
Close this search box.

الضفة على صفيح ساخن.. عملية تل ورسالة الـ600 إسرائيلي تكشفان اقتراب لحظة الانفجار

لم تُقرأ العملية التي شهدتها بلدة “تل” جنوب غربي نابلس، والتي نفذها الشهيد فاروق عدنان علي رمضان باعتبارها حادثًا أمنيًا منفصلًا، بل باعتبارها انعكاسًا لحالة تراكمية تشكلت خلال السنوات الأخيرة بفعل تصاعد الاستيطان، واعتداءات المستوطنين على البلدات والقرى الفلسطينية، ومحاولات فرض وقائع جديدة على الأرض عبر التوسع الاستيطاني ومشاريع الضم والتهجير.

ويرى محللون فلسطينيون أن العملية حملت أبعادًا تتجاوز الجانب الميداني، إذ اعتُبرت رسالة سياسية وأمنية للاحتلال بأن استمرار سياسات الضغط والاعتداء على الفلسطينيين في الضفة الغربية قد يؤدي إلى نتائج غير محسوبة، وأن حالة الغضب الشعبي المتراكمة يمكن أن تتحول إلى مواجهة أكثر اتساعًا.

وقال الكاتب والمحلل السياسي إبراهيم المدهون، في حديثه لـ”قدس برس”، إن عملية تل تمثل “واحدة من العمليات الفلسطينية النوعية والعفوية التي جاءت في توقيتها”، مؤكدًا أنها لم تكن حدثًا منفصلًا عن سياقها، وإنما جاءت نتيجة تراكم طويل من الاعتداءات التي تعرض لها الفلسطينيون في الضفة الغربية، سواء عبر اقتحام الأراضي أو مهاجمة المنازل أو الاعتداء على السكان.

وأوضح المدهون أن أهمية العملية لا ترتبط فقط بإمكانية أن تؤدي إلى تكرار عمليات مشابهة، وإنما بالرسالة التي حملتها إلى الجانب الإسرائيلي، والمتمثلة في أن استمرار اعتداءات المستوطنين لن يبقى من دون تداعيات، وأن البيئة التي يصنعها الاحتلال في الضفة الغربية باتت تحمل عوامل انفجار أكبر.

وأشار إلى أن الشهيد فاروق عدنان علي رمضان أصبح بعد العملية رمزًا في الوعي الفلسطيني، بسبب الطريقة التي تعامل بها مع المهاجمين، خاصة بعد تمكنه من انتزاع سلاح أحدهم ومواجهتهم، معتبرًا أن ذلك يعكس حالة الرفض المتراكمة تجاه اعتداءات المستوطنين وسياسات الاحتلال.

وأضاف المدهون أن العملية قد تشكل محطة مهمة في تحديد مسار جديد للضفة الغربية، خصوصًا في ظل ما وصفه بالتصعيد الإسرائيلي غير المسبوق، ومحاولات الحكومة الإسرائيلية فرض واقع جديد على الأرض من خلال توسيع المستوطنات وتعزيز السيطرة على المناطق الفلسطينية.

وحذر من خطورة ظاهرة تسليح المستوطنين، معتبرًا أنها تمثل عاملًا يزيد من احتمالات وقوع اعتداءات واسعة ضد الفلسطينيين، ويخلق بيئة قابلة للتدهور الأمني المتسارع. ودعا إلى تحرك عربي وإسلامي ودولي جاد من أجل حماية الفلسطينيين ومنع وصول الأوضاع في الضفة الغربية والقدس إلى مرحلة يصعب السيطرة عليها.

من جهته، قال أستاذ العلوم السياسية الدكتور رامي عياصرة، إن عملية تل تؤكد أن عناصر القوة والمقاومة الفلسطينية ما زالت موجودة في المشهد، وأن الشعب الفلسطيني، بحسب تقديره، لا يزال يمتلك القدرة على مواجهة محاولات الاحتلال الرامية إلى قضم الأراضي وفرض سياسات التهجير.

وأضاف عياصرة في حديثه لـ”قدس برس”أن العملية تحمل رسالة واضحة بأن المقاومة الشعبية في الضفة الغربية لا تزال قائمة، وأنها عنصر لا يمكن تجاهله في الحسابات الأمنية والسياسية الإسرائيلية، معتبرًا أنها تعكس استمرار حالة الرفض الشعبي للاحتلال والإجراءات التي يفرضها على الأرض.

لكنه في الوقت ذاته حذر من أن الاحتلال الإسرائيلي قد يحاول استغلال العملية لتبرير مزيد من الإجراءات التصعيدية، وتسريع مخططات التوسع الاستيطاني والتهجير، خاصة في ظل الظروف الإقليمية الحالية وانشغال المنطقة بالعديد من الملفات السياسية والأمنية.

وأشار عياصرة إلى أن الضفة الغربية تختلف عن قطاع غزة من حيث طبيعة الجغرافيا والبنية الأمنية والسياسية، الأمر الذي يجعل المرحلة الحالية بحاجة إلى حسابات دقيقة، حتى لا تتحول الأحداث إلى مبرر تستخدمه الحكومة الإسرائيلية لتنفيذ سياسات تهدف إلى تكريس السيطرة على الأرض الفلسطينية.

وفي الجانب الإسرائيلي، كشفت وسائل إعلام إسرائيلية عن وجود حالة قلق داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية بشأن التطورات في الضفة الغربية، حيث نقلت إذاعة جيش الاحتلال عن مصادر أمنية أن النقاشات داخل الأجهزة الأمنية بدأت تستخدم بالفعل مصطلح “الانتفاضة” عند توصيف طبيعة الأحداث المتصاعدة.

وبحسب ما نقلته الإذاعة، فإن التقديرات الأمنية الإسرائيلية تشير إلى وجود قاسم مشترك بين الأحداث الأخيرة، يتمثل في ارتفاع استعداد الفلسطينيين لمواجهة اقتحامات المستوطنين للقرى والبلدات الفلسطينية.

كما تحدثت المصادر الإسرائيلية عن تراجع ما وصفته بـ”حاجز الخوف” لدى الفلسطينيين، محذرة من احتمال انتقال المواجهات من نطاق العمليات الفردية إلى تحركات شعبية أوسع، وربما خروج قرى فلسطينية بأكملها إلى مواجهات مشابهة من حيث الاتساع لما شهدته مراحل تاريخية سابقة مثل الانتفاضة الأولى.

600 شخصية إسرائيلية تحذر ترمب من انهيار الأوضاع في الضفة الغربية

وفي سياق القلق الإسرائيلي المتزايد من تدهور الوضع الأمني، وجه نحو 600 من كبار ضباط الاحتياط والمسؤولين السابقين في الأجهزة الأمنية والدبلوماسية الإسرائيلية رسالة إلى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، حذروا فيها من تداعيات استمرار تصاعد العنف في الضفة الغربية والسياسات التي تتبعها الحكومة الإسرائيلية الحالية.

وبحسب ما نقلته القناة /12/ الإسرائيلية، فقد وقع الرسالة عدد كبير من الشخصيات الأمنية والسياسية الإسرائيلية المنضوية ضمن حركة “قادة من أجل أمن إسرائيل”، وهي مجموعة تضم مسؤولين سابقين في المؤسسات الأمنية والعسكرية، من بينهم رؤساء سابقون لجهازي الموساد والشاباك، إلى جانب نواب سابقين لرئيس هيئة أركان الجيش الإسرائيلي.

وحذر الموقعون على الرسالة من أن ما وصفوه بـ”الإرهاب اليهودي” الناتج عن اعتداءات مجموعات استيطانية متطرفة، إضافة إلى الإجراءات الأحادية التي تُتخذ في الضفة الغربية، قد تدفع المنطقة نحو انفجار أمني واسع، لا تقتصر تداعياته على الضفة فقط، بل قد تمتد إلى جبهات أخرى وتهدد الاستقرار الإقليمي.

وطالب المسؤولون الإسرائيليون السابقون الرئيس الأمريكي باستخدام نفوذه للضغط على رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو من أجل اتخاذ خطوات تهدف إلى منع تدهور الأوضاع.

وتضمنت مطالب الرسالة عدة محاور رئيسية، أبرزها:

أولاً: وقف التصعيد العسكري والسياسي

الدفع باتجاه إنهاء الحرب والتوصل إلى ترتيبات شاملة تتعلق بملف المحتجزين، معتبرين أن استمرار التصعيد العسكري يزيد من احتمالات توسع دائرة المواجهة.

ثانيًا: الحد من اعتداءات المستوطنين

طالبوا باتخاذ إجراءات لكبح جماح المجموعات الاستيطانية المتطرفة، محذرين من أن استمرار هذه الاعتداءات قد يؤدي إلى إضعاف المنظومة الأمنية في الضفة الغربية وخلق واقع يصعب احتواؤه.

ثالثًا: فتح مسار إقليمي سياسي وأمني

دعت الرسالة إلى العمل على إيجاد ترتيبات إقليمية بالتنسيق مع الأطراف المعنية، بما في ذلك السلطة الفلسطينية والدول العربية، بهدف منع انهيار الوضع الأمني والحفاظ على قدر من الاستقرار.

وتأتي هذه الرسالة في ظل تصاعد ملحوظ في اعتداءات المستوطنين المسلحين ضد الفلسطينيين في مختلف مناطق الضفة الغربية، وسط تحذيرات فلسطينية ودولية من أن استمرار هذا النهج قد يؤدي إلى انفجار واسع.

ويربط مراقبون بين التحذيرات الصادرة من شخصيات أمنية إسرائيلية سابقة وبين المخاوف المتزايدة داخل المؤسسة الإسرائيلية من أن استمرار الضغط على الفلسطينيين، إلى جانب تصاعد الاستيطان وتسليح المستوطنين، قد يؤدي إلى تحول الضفة الغربية إلى ساحة مواجهة مفتوحة.

وبينما ترى الأطراف الفلسطينية أن الأحداث الأخيرة تعكس حالة رفض متراكمة للسياسات الإسرائيلية، تخشى أوساط إسرائيلية من أن يؤدي استمرار التصعيد إلى انتقال المواجهة من نطاقات محدودة إلى حالة شعبية واسعة، وهو السيناريو الذي بات حاضرًا في النقاشات الأمنية الإسرائيلية بشكل متزايد.

وعليه، فإن الضفة الغربية تقف أمام مرحلة حساسة، تتداخل فيها العوامل الأمنية والسياسية والشعبية، وسط مؤشرات على أن استمرار السياسات الحالية قد يدفع الأوضاع نحو مزيد من التصعيد، في ظل غياب خطوات جدية لاحتواء أسباب التوتر المتراكمة.

SOURCE: QUDS PRESS INTERNATIONAL NEWS AGENCY