Search
Close this search box.
Search
Close this search box.

الأورومتوسطي: “إسرائيل” تمهّد لاستهداف ما تبقى من مستشفيات غزة

حذّر “المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان” من تصاعد حملة التهديد والتحريض الرسمية والإعلامية الإسرائيلية ضد المستشفيات والمراكز الطبية في قطاع غزة، معتبرًا أنها تمهّد لاستهداف ما تبقى من مرافق الرعاية الصحية، في مسار يرمي إلى تجريد الفلسطينيين من أي فرصة للنجاة وإخضاعهم لظروف معيشية تؤدي إلى هلاكهم.

وأكد المرصد (حقوقي مقره جنيف)، في بيان صحفي اليوم الجمعة، أن توظيف ادعاءات غير مسندة لتسويغ الهجمات على المنشآت الطبية، بعد ثلاثة أعوام من التدمير المنهجي للمنظومة الصحية، يشير إلى الإصرار على مواصلة الإبادة الجماعية عبر القضاء على القدرة على إنقاذ الجرحى وعلاج المرضى، ومنع استعادة الخدمات الضرورية لبقاء السكان.

وقال المرصد إنه يتابع بقلق بالغ التهديدات التي نشرها الجيش الإسرائيلي في 6 تشرين الأول/أكتوبر 2026، وزعم فيها أن “حركة حماس ما تزال تستغل مراكز وبنى مدنية لأغراضها الإرهابية، خاصة في المستشفيات والمنشآت الطبية”، دون إرفاق أدلة تدعم هذه الادعاءات.

وأوضح أن هذه الاتهامات تكرّر نهجًا اتبعه الجيش الإسرائيلي منذ بدء الإبادة الجماعية، يقوم على استباق الهجمات على المستشفيات بحملات اتهام غير موثقة تربطها بنشاط عسكري، ثم اتخاذها ذريعة لقصفها واقتحامها وإخراجها من الخدمة، وتقديم التدمير المنهجي للرعاية الصحية باعتباره عمليات ضد أهداف عسكرية، في وقت لم تعد فيه المنظومة الصحية في القطاع تحتمل مزيدًا من الهجمات أو التعطيل.

وبيّن المرصد أن الجيش الإسرائيلي نشر خلال اليومين الماضيين ست رسائل تحريضية ضد المستشفيات والمراكز الطبية في القطاع، من بينها منشور أرفقه بمقطع فيديو، زعم فيه أن قواته رصدت شخصين قال إنهما ينتميان إلى حركة حماس أثناء خروجهما من مستشفى كمال عدوان شمالي القطاع، وأن أحدهما زرع عبوات ناسفة نُقلت من داخل المستشفى قرب “الخط الأصفر” لاستهداف قواته.

ولفت إلى أن المقطع المنشور يفتقر إلى عناصر الإثبات اللازمة لإسناد رواية الجيش؛ إذ لا يحدد موقع الشخص الظاهر قرب الركام أو صلته بمستشفى كمال عدوان، ولا يُظهر خروجه من المستشفى أو نقل عبوات من داخله، كما لا تتيح جودة الصورة التحقق من طبيعة ما يتعامل معه أو الجزم بأنه يزرع عبوة ناسفة.

وأضاف أن التسجيل ينتقل لاحقًا إلى لقطات نهارية لمبنى مدمر، دون تحديد هويته أو موقعه أو إثبات صلته بالمشهد السابق، ما يترك فجوات مكانية وزمنية تحول دون اعتبار هذه اللقطات دليلًا على خروج الشخص من المستشفى أو نقل العبوات المزعومة من داخله.

وأكد المرصد أن الجيش يبني اتهامه للمستشفى على استنتاجات متتابعة لا تسندها المادة المنشورة، بدءًا من تفسير حركة الشخص بأنها زرع لعبوة ناسفة، مرورًا بالادعاء بأن العبوة نُقلت من داخل المستشفى، وصولًا إلى اتخاذ ذلك ذريعة لاتهام المنشأة بالاستخدام العسكري، مشددًا على أن كل استنتاج يحتاج إلى ما يثبته، وأن تكرار المزاعم لا يعوّض غياب الدليل.

وشدد على أن ارتكاب شخص فعلًا عسكريًا خارج المستشفى، حتى إن ثبت، لا يكفي لإثبات استخدام المنشأة نفسها في أعمال ضارة بالعدو خارج وظيفتها الإنسانية، ولا يحوّلها تلقائيًا إلى هدف عسكري، معتبرًا أن توظيف المقطع لتسويغ استهدافها يُحلّ ادعاءات الجيش محل التحقق الواجب قانونًا.

وحذّر المرصد من أن تتابع الرسائل الإسرائيلية وتعميم اتهامات الاستخدام العسكري على المنشآت الطبية، في ضوء نمط الاعتداءات السابقة عليها، يؤشر إلى تمهيد منظم لاستهدافها، عبر تصوير مرافق العلاج والإنقاذ بوصفها مواقع قتالية وتقديم الاعتداء عليها باعتباره ضرورة عسكرية.

وأوضح أن التهديدات قد تقوّض عمل هذه المرافق حتى قبل تنفيذ أي هجوم، من خلال إعاقة وصول المرضى والجرحى إليها، وتعطيل حركة الطواقم والإسعاف والإمدادات، أو دفعها إلى تعليق بعض خدماتها خشية الاستهداف، بما يؤدي إلى انقطاع العلاج وتأخير التدخلات المنقذة للحياة وزيادة خطر الوفيات التي يمكن منعها، وتعميق حرمان السكان من الرعاية الضرورية لبقائهم.

وفي ما يتعلق بالحماية القانونية، بيّن المرصد أن المستشفيات تتمتع بحماية خاصة بموجب القانون الدولي الإنساني، وأن المادة 18 من اتفاقية جنيف الرابعة توجب احترام المستشفيات المدنية وحمايتها وتحظر مهاجمتها، ولا تُسقط هذه الحماية تصريحات الجيش أو الاتهامات الإعلامية.

وأشار إلى أن المادة 19 تحصر فقدان الحماية في استخدام المستشفى، خارج واجباته الإنسانية، لارتكاب أعمال ضارة بالعدو، ولا تجيز انتهاء الحماية إلا بعد توجيه إنذار واجب يتضمن مهلة معقولة في الحالات المناسبة، وبقاء الإنذار دون استجابة مع استمرار تلك الأعمال، مؤكدًا أن تقديم العلاج للجرحى والمرضى من أفراد القوات أو الجماعات المسلحة لا يُعد عملًا ضارًا بالعدو ولا يفقد المستشفى حمايته.

وأوضح أن فقدان الحماية الخاصة، حتى عند تحقق شروطه، لا يبيح الهجوم تلقائيًا، إذ يظل واجبًا التحقق من استيفاء المنشأة، أو الجزء المعني منها، معايير الهدف العسكري، واحترام التناسب واتخاذ جميع الاحتياطات الممكنة لحماية المرضى والجرحى والطواقم الطبية.

وشدد على أن تعمّد توجيه هجمات ضد المستشفيات وأماكن تجمع المرضى والجرحى، متى لم تكن أهدافًا عسكرية، يشكل جريمة حرب بموجب المادة 8(2)(ب)(9) من نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، وأن الإنذارات أو الادعاءات غير المسندة لا تمنح الهجوم مشروعية ولا تعفي المسؤولين عنه من المساءلة.

وأشار المرصد إلى أن التدمير المتعمد للخدمات الصحية وحرمان السكان من الدواء قد يشكلان جرائم ضد الإنسانية متى ارتُكبا ضمن هجوم واسع النطاق أو منهجي موجّه ضد السكان المدنيين، مع العلم بالهجوم، وقد يندرجان ضمن جريمة الإبادة الجماعية إذا فُرضت هذه الظروف عمدًا لإهلاك جزء من السكان وأفضت إلى قتل جماعي، بما في ذلك عبر الحرمان من العلاج والدواء.

وأكد أن استمرار تهديد المرافق الطبية، بعد ثلاثة أعوام من التدمير المنهجي للمنظومة الصحية، مع العلم بما يترتب على حرمان السكان من العلاج من وفيات، يشكل مؤشرًا على القصد الخاص للإبادة الجماعية، إذ يستهدف ما تبقى من وسائل إنقاذ الفلسطينيين ويمنع استعادة الخدمات الضرورية لبقائهم.

وأضاف أن هذه التهديدات، عند قراءتها مع نمط الأفعال والتصريحات الإسرائيلية، تعزز الدلالة على تعمد إخضاع الفلسطينيين لظروف معيشية يُراد بها تدميرهم المادي كليًا أو جزئيًا، وهو أحد أفعال الإبادة الجماعية المنصوص عليها في المادة الثانية، الفقرة (ج)، من اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها.

وأكد المرصد أن التزامات “إسرائيل”، بوصفها سلطة احتلال، تشمل ضمان استمرار المؤسسات والخدمات الطبية والمستشفيات والصحة العامة، بأقصى ما تسمح به الوسائل المتاحة لها، وفق المادة 56 من اتفاقية جنيف الرابعة، بما يقتضي حماية عمل الطواقم وتأمين الإمدادات اللازمة، بدلًا من تقويض قدرة المنشآت الطبية على أداء وظائفها.

وأوضح أن “إسرائيل” عمدت إلى ممارسة الإبادة الطبية في إطار جريمة الإبادة الجماعية المستمرة في القطاع، إذ دمرت وعطلت أكثر من نصف المستشفيات والمراكز الطبية الرئيسية، وقتلت ما يزيد على 1700 من الكوادر الصحية خلال السنوات الثلاث الماضية، بمن فيهم أطباء وممرضون وعاملون في مختلف المهن والتخصصات الصحية، واعتقلت أكثر من 330 آخرين، لا يزال 81 منهم قيد الاعتقال، فيما توفي عدد منهم تحت التعذيب.

ومن أبرز هؤلاء الطبيب عدنان البرش، أحد أبرز جراحي العظام في غزة، الذي اعتُقل من داخل مستشفى العودة شمالي القطاع أثناء وجوده على رأس عمله، وقُتل داخل السجون الإسرائيلية في نيسان/أبريل 2024، بعد أربعة أشهر من التعذيب.

ودعا المرصد الأورومتوسطي المؤسسات الأممية والدولية، وفي مقدمتها منظمة الصحة العالمية و”يونيسف” واللجنة الدولية للصليب الأحمر، إلى الاضطلاع بمسؤولياتها في التحقق من الادعاءات الإسرائيلية المتعلقة بالمستشفيات والمنشآت الصحية في قطاع غزة، وتوضيح موقفها منها بصورة علنية وشفافة، لا سيما في ظل وجود فرق وموظفين تابعين لهذه الجهات بصورة منتظمة في عدد من المرافق الصحية في القطاع، ومعرفتهم المباشرة بواقع عملها والظروف التي تعمل فيها.

وأكد أن امتلاك هذه المؤسسات قدرًا من الوصول الميداني والخبرة المباشرة بالمنظومة الصحية في غزة يحمّلها مسؤولية مضاعفة لمنع تمرير ادعاءات غير موثقة قد تُستخدم لتبرير استهداف المنشآت الطبية والعاملين فيها، خصوصًا في ظل القيود الإسرائيلية المشددة التي حدّت من إدخال الإمدادات والمستلزمات الطبية، وأبقت ما يصل منها عند مستويات شحيحة للغاية.

وحذّر المرصد من مغبة الاكتفاء بالاستجابة المتأخرة وانتظار وقوع الهجمات لإصدار بيانات التنديد، مؤكدًا أن حماية الأعيان الطبية تقتضي تحركًا استباقيًا عاجلًا من الفاعلين الدوليين وأجهزة الأمم المتحدة، لكشف زيف تلك الذرائع وتجريد إسرائيل من أي مسوغات غير قانونية لضرب ما تبقى من البنية التحتية الصحية، وتدارك العواقب الكارثية للتحريض العسكري المتواصل بحق المنظومة الصحية ومئات آلاف المدنيين والمرضى الذين تخدمهم.

ونبّه إلى أن التهديد الإسرائيلي باستهداف مستشفيات قطاع غزة قد ينذر بعدوان أوسع، يهدف أساسًا إلى تصعيد عمليات القتل والتهجير القسري التي لم تتوقف رغم إعلان وقف إطلاق النار في تشرين الأول/أكتوبر 2025، مشيرًا إلى أن إسرائيل قتلت منذ ذلك الحين أكثر من 1470 فلسطينيًا وأصابت آلافًا آخرين، لترتفع حصيلة الإبادة الجماعية إلى ما يزيد على 74200 شهيد و175 ألف مصاب، بالتزامن مع توسيع رقعة الاحتلال لتشمل أكثر من 65% من مساحة القطاع الإجمالية.

ولفت إلى أن أكثر من 2.1 مليون فلسطيني، معظمهم من النازحين، متروكون للعام الرابع على التوالي تحت وطأة الاستهداف المباشر والتجويع الممنهج داخل شريط غربي ضيق لا يتعدى 35% من مساحة القطاع. وأضاف أنه رغم هذا الواقع الكارثي، يواصل مسؤولون إسرائيليون الدعوة علنًا إلى استمرار الحصار وتجريد السكان من مقومات الحياة وصولًا إلى ترحيلهم نهائيًا، في تكريس صريح لجريمة الإبادة الجماعية.

وطالب المرصد الأورومتوسطي المجتمع الدولي باتخاذ إجراءات عاجلة وملموسة لوقف حملة التهديد والتحريض الإسرائيلية ضد المنشآت الطبية ومنع الاعتداء عليها، واستخدام أدوات الضغط السياسي والدبلوماسي والاقتصادي لإلزام “إسرائيل” بحماية المرضى والجرحى والطواقم الطبية وسيارات الإسعاف، ووقف أي أوامر أو عمليات تستهدف مرافق الرعاية الصحية بالمخالفة للقانون الدولي الإنساني.

كما دعا إلى إلزام “إسرائيل” بفتح المعابر ورفع القيود المفروضة على إدخال الأدوية والوقود والمعدات وقطع الغيار اللازمة لتشغيل المستشفيات، وضمان وصول الطواقم الإنسانية والطبية والإجلاء الطبي الآمن للمرضى الذين يحتاجون إلى علاج غير متاح في القطاع، واتخاذ تدابير فعلية لضمان تنفيذ أوامر محكمة العدل الدولية الملزمة، بما فيها الأمر الصادر في 28 آذار/مارس 2024 بتوفير الإمدادات والرعاية الطبية والخدمات الأساسية على نطاق واسع ودون عوائق.

وحثّ الدول على وقف توريد الأسلحة والذخائر والمعدات والمساعدة العسكرية التي يوجد خطر واضح من استخدامها في انتهاكات القانون الدولي الإنساني، وفرض عقوبات موجّهة على المسؤولين عن الاعتداءات على المنظومة الصحية، مشددًا على أن واجب منع الإبادة الجماعية يقتضي استخدام وسائل التأثير المتاحة عند العلم، أو وجوب العلم، بوجود خطر جدي لوقوعها، ولا يجوز تعليق التحرك على صدور حكم قضائي نهائي.

وطالب المرصد مكتب المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية ولجنة التحقيق الدولية المستقلة بالتحقيق في جميع الجرائم المرتكبة ضد المنشآت الطبية، بما يشمل سلسلة القيادة والأوامر والمسؤولية عن إصدارها وتنفيذها. كما دعا الدول إلى دعم هذه التحقيقات والتعاون الكامل مع المحكمة الجنائية الدولية، بما يشمل تنفيذ أوامر القبض وفق التزاماتها القانونية، ووقف أي دعم عسكري أو أمني يسهم في الاعتداءات على المنظومة الصحية، وتفعيل الولاية القضائية العالمية وفق شروطها القانونية لملاحقة المسؤولين عن الجرائم.

وبحسب أحدث بيانات وزارة الصحة في غزة، أسفرت الخروقات الإسرائيلية لاتفاق وقف إطلاق النار، حتى الأربعاء الماضي، عن استشهاد 1467 فلسطينيًا وإصابة 5161 آخرين.

ومنذ بدء الحرب الإسرائيلية على القطاع في تشرين الأول/أكتوبر 2023، استشهد أكثر من 74 ألف فلسطيني، وأصيب ما يزيد على 175 ألفًا، فيما طال الدمار نحو 90% من البنية التحتية في قطاع غزة، وفق الأرقام الواردة في التقرير.

وترتكب “إسرائيل” منذ 8 تشرين الأول/أكتوبر 2023 -بدعم أميركي أوروبي- إبادة جماعية في قطاع غزة، شملت قتلا وتجويعا وتدميرا وتهجيرا واعتقالا ومرضا، متجاهلة النداءات الدولية وأوامر لمحكمة العدل الدولية بوقفها.

وخلفت الإبادة أكثر من 249 ألف فلسطيني بين شهيد وجريح معظمهم أطفال ونساء، وما يزيد على 11 ألف مفقود، إضافة إلى مئات آلاف النازحين ومجاعة أزهقت أرواح كثيرين معظمهم أطفال، فضلا عن الدمار الشامل ومحو معظم مدن القطاع ومناطقه من على الخريطة.

SOURCE: QUDS PRESS INTERNATIONAL NEWS AGENCY