يفتح التصعيد الإسرائيلي المتواصل في لبنان، والذي بلغ ذروته في مجزرة كفررمان التي أوقعت 11 شهيداً، الباب أمام تساؤلات حول أهداف الاحتلال من توسيع نطاق استهدافه للجنوب اللبناني، وما إذا كانت العمليات العسكرية الأخيرة تندرج في إطار الضغط على المقاومة والدولة اللبنانية، أم أنها تمهّد لفرض وقائع ميدانية جديدة تتجاوز ما هو قائم من تفاهمات ومسارات تفاوضية.
ويأتي التصعيد في وقت تشهد فيه الجبهة اللبنانية توتراً متصاعداً، بالتوازي مع استمرار الاحتلال الإسرائيلي في السيطرة على مواقع ومناطق جنوبية، وفشل المسار التفاوضي حتى الآن في تحقيق اختراق يفضي إلى إنهاء الاحتلال والاعتداءات الإسرائيلية.
ولا تقتصر الأسئلة التي يطرحها التصعيد على البعد العسكري، إذ تتصل أيضاً بالحسابات السياسية داخل الكيان، في ظل اقتراب الانتخابات وما يواجهه رئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو من ضغوط سياسية وقضائية، فيما يرى محللون أن إبقاء ملف الأمن والحرب في صدارة النقاش الإسرائيلي قد يخدم موقعه السياسي، في حين يضع آخرون ما يجري ضمن رؤية استراتيجية أوسع تتجاوز الانتخابات إلى إعادة رسم البيئة الأمنية والسياسية المحيطة بالكيان.
نتنياهو والتصعيد.. هل تصبح الحرب ورقة لإنقاذ مستقبله السياسي؟
ويرى المختص في الشأن الإسرائيلي عادل شديد أن إبقاء حالة التصعيد العسكري يخدم نتنياهو، الذي يسعى، وفق تقديره، إلى إبقاء النقاش العام في “إسرائيل” محصوراً في قضايا الأمن والتهديد والحرب، بدلاً من انتقاله إلى ملفات الفساد والفشل السياسي والأمني التي تلاحقه.
ويقول شديد في حديث لـ”قدس برس”، إن نتنياهو يريد إبقاء “النقاش الأمني ونقاش التهديد والخوف والحرب”، مشيراً إلى قضايا الفساد التي يواجهها، إضافة إلى المسؤولية السياسية عن إخفاقات السابع من تشرين الأول/ أكتوبر.
وبحسب شديد، فإن نتنياهو قد يرى في رفع مستوى التصعيد، ولا سيما إذا أدى إلى انخراط “حزب الله” بشكل أوسع وإطلاق صواريخ باتجاه “إسرائيل”، فرصة لتأجيل الانتخابات، معتبراً أن رئيس الحكومة الإسرائيلية لا يريد خوض انتخابات في ظل استطلاعات رأي تشير، وفق قراءته، إلى صعوبة تشكيله حكومة جديدة.
ويضيف أن عدم قدرة نتنياهو على تشكيل حكومة جديدة قد يفاقم وضعه القضائي، ولذلك يرى أن التصعيد يمثل، من وجهة نظره، خياراً يخدم بقاءه السياسي.
من الحساب الانتخابي إلى “إسرائيل الكبرى.. هل يتجاوز التصعيد مشروع نتنياهو السياسي؟
لكن الكاتب والباحث في الشأن الإسرائيلي محمد القيق يضع التصعيد في إطار أوسع من الحسابات الانتخابية المباشرة، معتبراً أن نتنياهو لا ينظر إلى الانتخابات باعتبارها مجرد استحقاق لضمان مستقبله السياسي، بل يتحرك، وفق تقديره، بعقلية تسعى إلى تكريس موقعه التاريخي في الحكم.
ويرى القيق في حديث لـ”قدس برس”، أن نتنياهو يتعامل مع نفسه باعتباره “ملكاً لإسرائيل”، مستنداً إلى سنوات طويلة قضاها في رئاسة الحكومة، وإلى شبكة من العلاقات السياسية والاستراتيجية مع الإدارة الأميركية وشخصيات مؤثرة فيها، إضافة إلى علاقاته مع دول في المنطقة ضمن مسار التطبيع واتفاقيات إبراهيم، وسعيه إلى بناء قاعدة سياسية تستند بصورة أساسية إلى المستوطنين.
وبحسب القيق، فإن التصعيد في لبنان يمثل جزءاً من رؤية أوسع لدى نتنياهو تقوم على بناء ما يسميه “إسرائيل الكبرى”، معتبراً أن هذه الرؤية تفسر، من وجهة نظره، التصعيد المتزامن في لبنان وسوريا والضفة الغربية وقطاع غزة، إلى جانب السعي إلى إضعاف القوى الإقليمية، وفي مقدمتها إيران وتركيا.
ويعتبر أن العقلية الاستراتيجية الإسرائيلية تقوم، وفق قراءته، على اعتقاد بأن “إسرائيل” تحتاج إلى التوسع وفرض الردع بالقوة حتى لا تصبح ضعيفة في المنطقة، معتبراً أن ما يجري في لبنان لا يمكن فصله عن تطورات ساحات أخرى.
ويقول القيق، إن “الهدف الإسرائيلي يتمثل في السيطرة وإضعاف قوى المقاومة وتحويلها إلى قوى محدودة التأثير”، معتبراً أن نتنياهو قد يتجه لاحقاً إلى مزيد من التصعيد في سوريا، في ضوء ما يصفه بالعقلية التوسعية والاستيطانية التي تحكم سياساته.
تمدد الاستهداف جنوباً.. هل يمهّد التصعيد لعملية إسرائيلية أوسع؟
وفي المقابل، يحذر الكاتب والباحث السياسي قاسم قصير من أن يحمل التصعيد الحالي أبعاداً ميدانية أكثر خطورة، ولا سيما مع انتقال الاستهداف إلى مناطق لم تكن تتعرض للقصف بهذه الكيفية سابقاً.
ويعتبر قصير في حديث لـ”قدس برس”، أن الرسالة الأبرز قد تكون محاولة منع عودة الحياة الطبيعية إلى المناطق القريبة من المناطق التي تحتلها “إسرائيل”، مشيراً إلى أن استهداف منطقة النبطية ومناطق أخرى يثير مخاوف من احتمال التحضير لعملية عسكرية أوسع.
ويقول قصير، إن “(إسرائيل) ترفع مستوى التصعيد من خلال استهداف مناطق جديدة وارتكاب مجازر بحق المدنيين واستهداف مؤسسات الدولة”، لكنه يؤكد في الوقت نفسه عدم وجود معطيات حاسمة تسمح بالجزم بأن “إسرائيل” تتجه فعلاً إلى حرب واسعة.
وبحسب قصير، قد يكون أحد أهداف التصعيد استفزاز حزب الله وإيران وقوى المقاومة للانخراط في مواجهة واسعة، فيما قد يكون هدفاً آخر إقامة نوع من “الحزام الناري” يسمح لإسرائيل بالتحكم بالمناطق القريبة من مناطق انتشارها واحتلالها.
ويربط قصير جزءاً من هذا التصعيد بالأجواء الانتخابية داخل “إسرائيل”، معتبراً أن العمليات العسكرية يمكن أن تستخدم لإرسال رسالة إلى الجمهور الإسرائيلي بأن الجيش قادر على فرض السيطرة وتحقيق إنجازات ميدانية، وأن الحكومة لن تسمح، وفق خطابها، بعودة حزب الله إلى مناطق الجنوب.
المواقع الاستراتيجية والتفاوض.. هل تريد “إسرائيل” فرض واقع جديد في الجنوب؟
أما العميد الركن والخبير العسكري محمد حرز، فيرى أن التصعيد الإسرائيلي الأخير يندرج في سياق نهج متواصل للاحتلال، مشيراً إلى أن مجزرة كفررمان تأتي بعد سلسلة اعتداءات طالت البنى التحتية والممتلكات في الجنوب.
ويعتبر حرز في حديث لـ”قدس برس” أن الهدف من هذا النمط من العدوان هو “إخضاع المواطنين ودب الرعب في نفوسهم”، وصولاً إلى دفعهم نحو النزوح القسري، معتبراً أن ذلك يتيح لـ”إسرائيل” مراقبة حركة المقاومة والضغط على بيئتها، بما قد يؤدي إلى خلق بيئة شعبية مناهضة لها والمطالبة بنزع سلاحها.
ويرى أن تحقيق منطقة خالية من السلاح والتهديد المباشر يخدم هدف “إسرائيل” في فرض سيطرة عسكرية وميدانية على مناطق إضافية من الجنوب، مشيراً إلى مواقع استراتيجية بينها علي الطاهر وقلعة الشقيف، وصولاً إلى إقليم التفاح وجبل صافي.
ويعتبر حرز أن السيطرة على هذه المواقع تمنح “إسرائيل” موقعاً تفاوضياً أقوى، فضلاً عن توفير عمق أمني وعسكري على حدودها الشمالية، ويربط ذلك أيضاً بالحسابات السياسية الداخلية الإسرائيلية، معتبراً أن تحقيق إنجازات ميدانية يمكن أن يخدم نتنياهو في الانتخابات ويعزز فرص استمراره في الحكم.
وفي الجانب السياسي، يرفض حرز استمرار التفاوض في ظل القصف والاحتلال، معتبراً أن الاتفاق الحالي “ولد ميتاً”، وداعياً إلى العودة إلى القرار 1701 ومندرجاته برعاية دولية وأممية.
كما يتحدث عن وجود مسار تفاوضي أميركي موازٍ، ويربطه بطرح يتعلق بمصير موقع علي الطاهر مقابل انسحاب إسرائيلي إلى ما يصفه بـ”الخط الرمادي”، مشيراً إلى أن هذه الطروحات تأتي، وفق تقديره، في سياق محاولة دفع المسار الدبلوماسي إلى الأمام.
ويأتي التصعيد الأخير في سياق مرحلة شديدة الحساسية على الجبهة اللبنانية، حيث لم يؤدِ وقف إطلاق النار إلى إنهاء الاعتداءات الإسرائيلية أو إخراج القوات الإسرائيلية من جميع المواقع التي سيطرت عليها في الجنوب.
وفي المقابل، تستمر المساعي السياسية والدبلوماسية للتوصل إلى ترتيبات جديدة تتعلق بالوجود العسكري الإسرائيلي والوضع الأمني في المناطق الحدودية.
وتأتي مجزرة كفررمان في سياق تصعيد إسرائيلي متسارع في جنوب لبنان، شهد خلال الأيام الأخيرة اتساعاً في نطاق الغارات وارتفاعاً في حصيلة الضحايا، رغم استمرار العمل بوقف إطلاق النار والتفاهمات التي أُبرمت في حزيران/يونيو الماضي.
وأعلنت وزارة الصحة اللبنانية أن الاعتداءات الإسرائيلية خلال الأيام الثلاثة الماضية أسفرت، وفق حصيلة غير نهائية، عن 27 شهيداً و69 جريحاً، بينهم أطفال ونساء ومسعفون.
وفجر اليوم الإثنين، استهدفت غارة إسرائيلية مبنى سكنياً في بلدة كفررمان، ما أدى إلى استشهاد 11 شخصاً، بينهم طفلان وأربع سيدات، فيما أصيب آخرون، كما ارتقى مسعف في ضربة بطائرة مسيّرة استهدفت سيارة في البلدة، وفق حصيلة وزارة الصحة اللبنانية.
SOURCE: QUDS PRESS INTERNATIONAL NEWS AGENCY