تحوّلت المسيرات والفعاليات الشعبية الموازية لأعمال مؤتمر الأمم المتحدة للمناخ (كوب 30) في مدينة بيلم شمالي البرازيل إلى منصّة واسعة لطرح القضية الفلسطينية، مع مشاركة نشطاء من دول متعددة أكدوا أن العدالة المناخية مرتبطة مباشرة بعدالة الشعوب، وعلى رأسها الفلسطينيون في قطاع غزة الذي يواجه حرباً مفتوحة منذ عامين.
وشهدت “المسيرة العالمية من أجل المناخ” مشاركة نحو 70 ألف شخص، رفع كثير منهم الأعلام الفلسطينية وارتدوا الكوفيات، في مشهد هيمنت عليه رسالة واضحة: “لا عدالة مناخية دون عدالة لفلسطين.”
النظام الذي يدمّر الأمازون هو نفسه الذي ينتج الإبادة في غزة
اعتبر الناشط الإنساني البرازيلي تياغو آفيلا أن الإبادة البيئية التي تواجهها البرازيل، نتيجة توسع صناعات النفط والغاز والتعدين والقطاع الزراعي المدمّر، هي جزء من المنظومة نفسها التي تسمح بوقوع الإبادة الجماعية في غزة.
وصرّح آفيلا أمام مقر انعقاد المؤتمر بأن المفاوضات داخل القاعات الرسمية “خاضعة لمصالح مجموعات اقتصادية نافذة، بينما خارج القاعات تتحرك الشعوب لبناء مستقبل خالٍ من الاستعمار البيئي والحروب”. وأكد أن النضال البيئي في الأمازون مرتبط عضوياً بالنضال الفلسطيني والسوداني والكونغولي، باعتبارها ضحايا مشتركة لسلوك المنظومة نفسها.
وكشف آفيلا، وهو عضو الهيئة الإدارية لـ”أسطول الصمود” العالمي، أن الاستعدادات جارية لإطلاق أكبر مهمة بحرية في تاريخ قوافل التضامن الدولية دعماً لفلسطين، بهدف الوصول إلى قطاع غزة الذي يتعرّض للحصار والقصف المستمر. وقال إن قافلة الصمود تعمل حالياً على مهمة جديدة “نظراً لمسؤوليتنا في مواصلة العمل ما دام الهجوم على غزة مستمراً، وما دامت فلسطين التاريخية تعيش تحت الاحتلال والإبادة والتطهير العرقي”. وأوضح أن تفاصيل العملية – من عدد القوارب والمشاركين – لا يمكن الكشف عنها لأسباب تتعلق بالسلامة، لكنه أكد أنها “ستكون المهمة الأكبر على الإطلاق، بمشاركة واسعة من مختلف دول العالم، وتهدف هذه المرة إلى الوصول فعلياً إلى غزة”.
لا يمكن ترك المستعمر يفلت من المحاسبة
وفي منطقة مخصصة لحقوق الشعوب الأصلية داخل مقر المؤتمر، برزت مشاركة المحامي الأمريكي في الحقوق المدنية أليكس بروكس الذي ظهر مرتدياً الكوفية الفلسطينية. وقال إن الولايات المتحدة تقدم نموذجاً واضحاً “لما يحدث حين يترك المستعمر دون محاسبة”، مشيراً إلى حملات الملاحقة ضد طلاب ومتظاهرين مؤيدين لفلسطين في الجامعات الأمريكية.
وأضاف بروكس أنه يدرك مخاطر ظهوره العلني في البرازيل بهذه الرمزية، لكنه يرى أن “التضحية جزء من المسؤولية الأخلاقية تجاه قضية عادلة.”
وفد إسرائيلي رمزي وسط تضامن واسع مع غزة
وبحسب ما رصدته وسائل إعلام دولية، فإن الوفد الإسرائيلي إلى المؤتمر اقتصر على ثلاثة أشخاص فقط دون جناح رسمي، في حين تحوّل مدخل المنطقة الزرقاء إلى نقطة تجمع لمجموعات مؤيدة لفلسطين، وسط وجود أمني. ورفعت إحدى المجموعات العلم الفلسطيني ورددت شعارات تضامنية.
وشهد مدخل المؤتمر احتجاجات على مشاركة الوفد الإسرائيلي. وقال المتضامنون في كلمة مصوّرة جرى تداولها إن “وجود ممثل النظام الإسرائيلي في هذه القاعة يُعدّ تدنيساً لتضامننا وإنسانيتنا”. وردد المشاركون هتافات: “إسرائيل قاتلة”، “دولة إبادة جماعية”، و”الحرية لفلسطين”.
غزة تواجه إبادة بيئية كاملة
قال الناشط سارباز روح الله رضوي، ذو الأصول الكشميرية، إن دخوله غزة لأول مرة عام 2011 ضمن قافلة آسيوية من نشطاء متعددي الخلفيات كشف له مبكراً حجم الاستهداف البيئي للقطاع، لكن ما يحدث اليوم، وفق وصفه، بلغ مستوى “الإبادة البيئية الكاملة”. وأوضح أن غزة فقدت نحو 43% من غطائها الأخضر، وأن نحو 93% من الثروة الحيوانية نفق أو جاع حتى الموت، بينما تسببت الغارات الإسرائيلية خلال العامين الماضيين في انبعاث أكثر من 280 مليون طن من ثاني أكسيد الكربون، وهو رقم يفوق إنتاج دول بأكملها.
وأشار إلى أن القصف المتواصل خلّف تلوثاً واسعاً في الهواء وتصاعداً كبيراً في الغازات السامة الناتجة عن الحرائق والانفجارات. وأضاف رضوي أنه أصر على الحضور مع مجموعة من النشطاء إلى بيلم والمشاركة في “كوب 30″، لأن تجاهل فلسطين في هذا المحفل الدولي “أمر غير مقبول في ظل ما يتعرض له قطاع غزة من تدمير بيئي هو الأكبر في سياق حرب حديثة”.
جيلٌ يرفض التستر على الحرب عبر شعارات المناخ
وفي جلسة نظّمها “المعهد الفلسطيني للاستراتيجية المناخية” و”شبكة العمل المناخي”، قالت الناشطة المكسيكية ماريا رييس إن الحكومات تستخدم مصطلحات مثل “الانتقال العادل” لتغطية مشاركتها في الحروب التي تدمّر البيئة.
وأكدت رييس أن “إسرائيل” تتحدث عن “الابتكار الغذائي” بينما تسببت في مجاعة في فلسطين، وأن عروض الشركات للتعاون في مشاريع “طاقة شمسية” داخل فلسطين مقابل التمويل تُعد محاولات لـ”غسل جرائم الحرب بلونٍ أخضر”، وقد رفضها الائتلاف.
وتحدث شبان في الجلسة عن ضرورة استعادة السيادة على الأرض والبذور والموارد في فلسطين باعتبارها جزءاً أساسياً من عملية الإعمار الحقيقي بعد توقف الحرب.
خلاصة المشهد في بيلم
أجمع الناشطون على أن الحرب بحد ذاتها تتناقض مع أي مسار عالمي لمواجهة التغير المناخي، وأن غزة اليوم تمثل أوضح نموذج لكيفية ارتباط العنف العسكري بالتدمير البيئي.
وتشير رسائل المشاركين في “كوب 30” إلى أن قضية فلسطين باتت جزءاً عضوياً من النقاش البيئي الدولي، رغم غيابها عن الجناح الرسمي، في ظل قناعة متنامية بأن العدالة المناخية لا يمكن أن تنفصل عن العدالة السياسية وحقوق الشعوب.
يُذكر أن مؤتمر الأمم المتحدة للمناخ “COP30” يُعقد في مدينة بيلم شمالي البرازيل بين 10 و21 تشرين الثاني/نوفمبر 2025، وهي المرة الأولى التي تستضيف فيها منطقة الأمازون هذا الحدث العالمي. يجمع المؤتمر ممثلي الحكومات والمنظمات الدولية والخبراء والناشطين لبحث آليات تنفيذ “اتفاق باريس”، وتقييم خطط خفض الانبعاثات، وتمويل المناخ، وحماية المجتمعات المتأثرة بتداعيات التغير المناخي.
SOURCE: QUDS PRESS INTERNATIONAL NEWS AGENCY