Search
Close this search box.
Search
Close this search box.

“نازا”.. هل تتحول شهادة الجاني إلى بطولة أخلاقية؟

أعاد عرض فيلم “نازا” في مهرجان البندقية بإيطاليا، وما رافقه من احتفاء بشهادات جنود إسرائيليين حول ممارسات جيش الاحتلال في قطاع غزة، طرح تساؤلات بشأن وزن الشهادات القادمة من داخل المؤسسة العسكرية، وحدود توظيفها في صياغة الرواية المتعلقة بالحرب على القطاع.

وبينما ترى أصوات أن هذه الإفادات قد تشكل أدلة إضافية مهمة في توثيق الجرائم ومحاسبة مرتكبيها، تحذر أخرى من أن التركيز على الإسرائيلي الذي يكشف الجريمة قد ينقل مركز الاهتمام من الضحايا الفلسطينيين إلى الجاني الذي يعترف، بما يتيح إعادة تقديم صورة مختلفة عن الاحتلال أمام الجمهور الدولي.

الشهادة الإسرائيلية لا تمنح الرواية الفلسطينية صدقيتها

وقالت الباحثة والمؤرخة المقدسية نائلة الوعري، إن الفلسطيني “قد يفرح، ولكن بحذر، لأن ما عاشه ووثقه بالدم والصورة والشهادة وصل أخيرا إلى مهرجان عالمي، وأصبح يُروى أيضا من داخل المؤسسة العسكرية التي ارتكبت الجرائم”.

وأضافت في منشور عبر حسابها على منصة “إكس”، أن “الفلسطيني يتساءل في الوقت نفسه عن سبب احتياج العالم إلى صوت الجندي الإسرائيلي حتى يصغي إلى حقيقة قالها الفلسطيني منذ بداية الصراع وما زال يقولها”، مؤكدة أن “شهادات الجنود والضباط تكتسب أهميتها باعتبارها أدلة إضافية من داخل المؤسسة العسكرية، لكنها لا تؤسس الحقيقة ولا تمنح الشهادة الفلسطينية صدقيتها”.

وحذرت الوعري من أن “الخطر يبدأ عندما ينتقل مركز الصورة من الطفل والمرأة والعائلة التي أُبيدت في غزة، إلى الجندي الذي اعترف والمخرج الذي كشف والفنان الإسرائيلي الذي احتج”، معتبرة أن “الإسرائيلي قد يصبح، مرة أخرى، بطل الحكاية، بينما تتراجع الضحية إلى خلفية المشهد”.

وقالت إنها “لا تستطيع الجزم بأن الفيلم جزء من لعبة سياسية أو خطة محبوكة من دون دليل، وقد يكون صانعوه مدفوعين بالفعل بموقف أخلاقي صادق”، لكنها رأت أن “توظيف الفيلم لتحسين صورة إسرائيل يمكن أن يحدث حتى من دون وجود خطة مركزية”.

إعادة تقديم “الإسرائيلي الجيد”

وأوضحت الوعري أن ذلك “قد يتم من خلال الفصل بين إسرائيل المتطرفة وإسرائيل أخرى يجري تقديمها وتلميعها، ثم إعادة السينما والثقافة الإسرائيليتين إلى المهرجانات العالمية من بوابة الاعتراض الداخلي والضمير الأخلاقي”.

وأضافت أن “السؤال لا ينبغي أن يقتصر على (ماذا كشف الفيلم؟)، وإنما يجب أن يمتد إلى (كيف سيُستخدم هذا الكشف، ومن سيبقى في مركز الصورة بعد انتهاء التصفيق؟)”.

وتساءلت عما إذا كان الفيلم “سيقود إلى محاسبة مرتكبي الجرائم وإنصاف الضحايا، أم ينتهي إلى بداية صناعة صورة أخلاقية للإسرائيلي الذي اعترف”.

وأكدت الوعري “تقديرها لكل شهادة تكشف الجريمة”، لكنها شددت على “رفض أن تحل شهادة الجاني محل شهادة الضحية، أو أن تتحول مأساة غزة إلى طريق لإعادة تأهيل صورة إسرائيل أمام العالم”.

حوا: كيف يمكن أن تتحول الإبادة إلى رصيد لصورة الاحتلال؟

من جانبها، تساءلت الإعلامية منى حوا: “كيف تستثمر إسرائيل حتى في إبادتنا؟”، معتبرة أن “الاحتفاء بالفيلم وصانعيه يثير سؤالا حول الطريقة التي يُعاد بها توزيع أدوار الضحية والجاني في المشهد الإعلامي والثقافي”.

وقالت حوا في منشور عبر حسابها على منصة “إكس”، إن فيلم “نازا”، الذي عرض في مهرجان البندقية، “يقدم شهادات لعسكريين إسرائيليين حول قتل المدنيين في غزة”، مشيرة إلى أن “الجمهور صفق لصانعيه لنحو نصف ساعة”، معتبرة أن “المشهد يطرح مفارقة تتمثل في مقتل الفلسطيني ثم الاحتفاء بالإسرائيلي الذي يروي تفاصيل قتله بوصفه صاحب موقف أخلاقي”.

ورأت حوا أن “هذه الآلية قد تسهم في ترميم صورة الاحتلال، عبر استيعاب فضح الجرائم وتسويق النقد الداخلي باعتباره دليلا على الانفتاح، مع حصر المسؤولية في حكومة متطرفة يمكن تغييرها عبر الانتخابات، بينما تبقى قضايا الاحتلال والتهجير والاقتلاع والإبادة خارج دائرة المحاسبة”.

وأضافت أن “السؤال قد يتحول من حقوق الفلسطينيين ومسؤولية الاحتلال إلى قدرة إسرائيل على إصلاح نفسها، ومن الجريمة ذاتها إلى قيمة الاعتراف بها”، معتبرة أن “الشهادات ينبغي أن تكون وسيلة للمحاسبة لا مصدرا لإعادة تأهيل صورة مرتكبي الجرائم”.

منشور سابق لأبراهام يثير أسئلة حول مقاربة الفيلم

واستحضرت حوا منشورا سابقا لمخرج الفيلم يوفال أبراهام، يعود إلى 7 نيسان/إبريل 2024، قالت إنه “بدأ بالحديث عن ثلاثة إسرائيليين يعرفهم قتلوا على يد حركة (حماس)، وعن إسرائيليين محتجزين في غزة، وما وصفته بتعرض أسيرات إسرائيليات للاعتداء والتعذيب، قبل أن ينتقل إلى إدانة جرائم الاحتلال في القطاع”.

وأشارت إلى أن “ذلك المنشور جاء في وقت كانت فيه الحصيلة المعلنة للضحايا الفلسطينيين في غزة قد تجاوزت 33 ألفا”، متسائلة عن “سبب الحاجة إلى شهادة عسكري إسرائيلي لتأكيد وقائع وثقتها صور الفلسطينيين وشهاداتهم على مدى الحرب”.

وتساءلت: “أين كانت آذانكم حين روى الفلسطينيون التفاصيل نفسها؟ وأين كان اعترافكم حين صوّر أهل غزة أطفالهم تحت الأنقاض، وأطباءهم يبترون أطراف الجرحى دون تخدير؟”.

وقالت إن “قيمة شهادات العسكريين تكمن في إمكانية الاستفادة منها في توثيق الجرائم والمحاسبة”، لكنها رفضت “تحويل الاعتراف إلى بطولة أخلاقية”، معتبرة أن “إخفاء هويات أصحاب الشهادات قد يمنحهم مساحة للاحتفاء بهم، في وقت تبقى فيه مسؤولياتهم القانونية خارج المساءلة”.

الخدعة تكتمل أمام الكاميرا

من جهته، رأى المخرج والكاتب السينمائي يحيى بركات أن “ما رافق فيلم (نازا) منذ ظهوره في مهرجان البندقية يتجاوز، في قراءته، حدود العمل السينمائي إلى إعادة تشكيل صورة الاحتلال أمام الجمهور العالمي”.

وقال بركات في منشور عبر حسابها على موقع “فيسبوك”، إنه “راقب المشهد منذ ظهور الفيلم في فينيسيا”، مشيرا إلى أن “الحديث عن جنود وضباط إسرائيليين عادوا من حرب غزة وهم يحملون الشعور بالذنب والانهيار النفسي سبق عرض الفيلم، وأنه حذر آنذاك من صورة قد تنقل مرتكب الجريمة، بعد قتل الأطفال والنساء، من موقع الجاني إلى موقع من يُطلب التعاطف معه”.

وأضاف أن “(نازا) جاء بشهادات 24 جنديا وضابطا واستخباراتيا إسرائيليا حول آلة القتل في غزة، من خلال مخرجين إسرائيليين، قبل أن يعرض في البندقية ويحظى بتصفيق استمر نحو 25 دقيقة، ويحصل على جائزة، وتتسع حوله حملة إعلامية عالمية وعربية”.

وأشار إلى أن المشهد، بحسب قراءته، تطور لاحقا مع دخول الجيش الإسرائيلي إلى النقاش ونفيه ما ورد في الفيلم، ثم اعتراض وزير الثقافة الإسرائيلي وتهديده بسحب الجنسية من صانعيه، وهو ما أسهم، وفق تقديره، في زيادة الضوء على الفيلم، قبل اتساع دائرة التضامن مع مخرجيه ووصولها إلى أكثر من 200 سينمائي إسرائيلي.

وقال بركات: “بالنسبة إليّ، لم تعد هذه لقطات منفصلة”، معتبرا أن تتابعها يرسم، في رأيه، مسارا متكاملا لإعادة تقديم صورة مختلفة عن “إسرائيل” بعد تضرر صورتها جراء الحرب على غزة.

«الإسرائيلي الجيد» يعود إلى المشهد

وأوضح بركات أن الصورة الجديدة تقوم، بحسب رؤيته، على الفصل بين نتنياهو وبن غفير وسموتريتش والجيش الذي ارتكب المجازر من جهة، وبين الجندي النادم والمخرج الذي يكشف والفنان الذي يحتج من جهة أخرى، معتبرا أن “ذلك يعيد إلى المشهد نموذج (الإسرائيلي الجيد)”.

وتوقع أن تكون الخطوة التالية، في قراءته، “عودة السينما الإسرائيلية والسينمائيين الإسرائيليين إلى المهرجانات العالمية من أوسع أبوابها، عبر القول لمن طالبوا بالمقاطعة إن هؤلاء يمثلون (إسرائيل الأخرى)”.

وأضاف أن “هذا المسار قد يقود لاحقا إلى مراجعة مواقف وبيانات المقاطعة الثقافية والفنية”، محذرا من أن “غزة قد تتحول، في هذه الحالة، من قضية تستدعي محاسبة مرتكبي الجرائم إلى مادة تستخدم في إعادة صناعة صورة الإسرائيلي أمام العالم”.

وختم بركات قراءته بالقول: “لم تُمح غزة من الصورة؛ استُخدمت غزة لإعادة صناعة صورة الإسرائيلي”، مضيفا أنه “لا يقرأ اللقطة منفردة، وإنما يقرأ ما بينها وبين اللقطة التي سبقتها والتي ستأتي بعدها، لأن السياسة، مثل المونتير، تعرف أنه إذا لم تستطع تغيير الحقيقة، غيّر ترتيب الصور، يتغير المعنى.

والسبت، أقيم حفل توزيع جوائز مهرجان البندقية، أقدم مهرجان سينمائي في العالم، والذي انطلق في 2 أيلول/سبتمبر الجاري في جزيرة ليدو بمدينة البندقية الإيطالية.

وحظي فيلم “نازا”، الذي أنتجته صحيفة “الغارديان”، بإشادة كبيرة من رواد المهرجان خلال عرضه، حيث قوبل بتصفيق حار متواصل لمدة 25 دقيقة، قبل أن يُمنح “جائزة لجنة التحكيم الخاصة”.

وخلال تسلم الجائزة، تحدث أبراهام عن شن حملة تشويه ضد فيلمهما في إسرائيل، وبذل جهود كبيرة للحيلولة دون رؤية الحقائق.

واسم الفيلم “نازا” هو اختصار يستخدمه جهاز الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية (أمان) للإشارة إلى عدد المدنيين الذين يُتوقع مقتلهم في غارة جوية.

وصُوّر الفيلم سرا على أسطح مبانٍ في “تل أبيب” على مدى 3 سنوات، وأُخفيت هويات المشاركين وأصواتهم وملامحهم من خلال تعديلات رقمية حفاظا على سلامة المشاركين.

وظهر في الفيلم أفراد من الجيش الإسرائيلي قالوا إنهم شهدوا مباشرة إحراق مناطق سكنية يستخدمها سكان غزة كملاجئ، وقتل أشخاص أثناء توزيع الغذاء.

وفي 8 تشرين الأول/أكتوبر 2023 بدأت إسرائيل، بدعم أمريكي، حرب إبادة جماعية في غزة، ما خلّف أكثر من 73 ألف شهيد وما يزيد على 174 ألف جريح فلسطيني، معظمهم أطفال ونساء.

SOURCE: QUDS PRESS INTERNATIONAL NEWS AGENCY