Search
Close this search box.
Search
Close this search box.

من الإعلام إلى حملة “تنازل لله”.. لماذا تستهدف “إسرائيل” أصحاب التأثير الاجتماعي؟

لم يكن اعتقال الإعلامي والناشط المجتمعي الفلسطيني علاء الريماوي، فجر الخميس، مجرد حلقة جديدة في سجل الاعتقالات التي طاولته سابقًا، بل جاء بعد أسابيع قليلة من تحوله إلى واحد من أبرز الوجوه التي قادت مبادرة اجتماعية واسعة نجحت، بحسب القائمين عليها، في دفع فلسطينيين إلى إسقاط عشرات الملايين من “الشواكل” من ديون المتعثرين، وتحويل فكرة فردية إلى حالة تضامن عابرة للمدن والمناطق.

واقتحمت قوات الاحتلال الإسرائيلي منزل الريماوي في مدينة رام الله، واعتقلته واقتادته إلى جهة غير معلومة، وفق مصادر عائلية نقلت عنها وسائل إعلام، في ثالث اعتقال إسرائيلي له.

وكان قد أُفرج عنه في تشرين الأول/أكتوبر 2025، بعد اعتقال إداري استمر نحو عامين، فيما سبق أن اعتقلته “إسرائيل” في نيسان/أبريل 2021، وأصدرت بحقه حينها أمر اعتقال إداري، قبل الإفراج عنه إثر إضرابه عن الطعام.

ويكتسب الاعتقال الجديد دلالة إضافية من توقيته؛ فالريماوي كان خلال الأسابيع الأخيرة حاضرًا بقوة في المجال الاجتماعي، عبر مبادرة “تنازل لله”، التي انطلقت من واقعة بسيطة تتعلق بمعلمة متعثرة ماليًا، قبل أن تتحول خلال أيام إلى حملة واسعة لحث أصحاب الحقوق على إسقاط ديونهم، كليًا أو جزئيًا، عن أشخاص يواجهون أزمات مالية.

وبحسب آخر الأرقام التي أعلنها الريماوي، تجاوزت قيمة الديون التي أعلن أصحابها التنازل عنها 65 مليون “شيكل”، أي ما يقارب 21.6 مليون دولار، فيما كانت الحملة قد تجاوزت حاجز 50 مليون شيكل في 13 أيلول/سبتمبر الجاري.

وشملت المبادرة أفرادًا وتجارًا وأصحاب محال ومزارعين، إلى جانب حالات تنازل بين أقارب وأصدقاء، ووصلت إلى قطاع غزة ومناطق فلسطينية أخرى، وسط تفاعل واسع مع فكرة “جبر خواطر” المتعثرين.

من صحفي إلى مؤثر اجتماعي

الريماوي ليس ناشطًا اجتماعيًا طارئًا على المشهد الفلسطيني؛ فهو صحفي عمل مراسلًا لقناة “الجزيرة مباشر”، وأدار شبكة “جي ميديا”، وعُرف بحضوره في المجال الإعلامي والسياسي، كما سبق أن أمضى فترات في سجون الاحتلال. وتوثق مصادر حقوقية وإعلامية اعتقاله أكثر من مرة على خلفية عمله ونشاطه الإعلامي.

لكن حضوره الأخير لم يرتبط بملف سياسي أو فصائلي مباشر، بل بقضية اجتماعية تمس حياة آلاف الفلسطينيين: الديون والشيكات والتعثر المالي.

وهنا تبرز مفارقة الاعتقال؛ إذ يأتي في وقت كان فيه الريماوي يستخدم حضوره الإعلامي ومنصات التواصل لتشجيع أصحاب الحقوق على التنازل عن جزء من مستحقاتهم أو كلها، دون أن تقوم المبادرة على جمع الأموال أو طلب التبرعات، وإنما على تحويل الحق المالي إلى مساحة للمسامحة لمن يختار ذلك طوعًا.

التأثير الذي لا يمر عبر السياسة

يرى ناشطون ومتابعون للشأن الفلسطيني أن التأثير المجتمعي بات يشكل مساحة متزايدة الأهمية في ظل قدرة وسائل التواصل الاجتماعي على صناعة شخصيات مؤثرة خارج الأطر الحزبية والتنظيمية التقليدية.

فالناشط أو الصحفي أو صاحب المبادرة الاجتماعية يستطيع، في غضون أيام، الوصول إلى آلاف الأشخاص، وتحويل فكرة فردية إلى سلوك جماعي، كما حدث مع “تنازل لله”، التي انتقلت من حالة بدأت بدين مستحق لمعلمة إلى عشرات ومئات حالات المسامحة في مناطق مختلفة.

يقول الناشط ضياء الزين لـ”قدس برس”: “من هذه الزاوية، لا تبدو ملاحقة الشخصيات المؤثرة محصورة في السياسيين أو النشطاء المعروفين بمواقفهم المباشرة من الاحتلال؛ إذ يمكن أن تمتد إلى أصحاب التأثير الإعلامي والاجتماعي، خصوصًا عندما تتحول منصاتهم إلى أدوات قادرة على حشد الناس حول مبادرات مستقلة أو خلق حالة تضامن مجتمعي واسعة”.

ويضيف: “لا يعني ذلك بالضرورة أن الاعتقال الحالي مرتبط رسميًا بمبادرة “تنازل لله”، لكن توقيته، بعد الانتشار الواسع للمبادرة، يفتح باب التساؤل حول حدود المساحات التي يسمح الاحتلال للفلسطينيين بالتحرك فيها، حتى عندما يكون النشاط اجتماعيًا وإنسانيًا بعيدًا عن العمل السياسي المباشر”.

أثر يتجاوز صاحبها

بدوره، يقول الداعية هاشم جعفر إن “المفارقة الأبرز أن المبادرة التي ارتبط اسمها بالريماوي لم تعد تعتمد عليه وحده. فقد دعا منذ البداية إلى ألا تبقى الحملة مرتبطة بشخص أو مؤسسة، وأن تتحول إلى سلوك ذاتي في البلدات والمناطق الفلسطينية”.

وبالفعل، ظهرت مبادرات محلية في شمال غرب القدس وسلواد والعيزرية وطولكرم وغيرها، كما أعلنت عائلات وأفراد وتجار عن إسقاط ديون متفاوتة القيمة، بعضها بعشرات الشواكل، وبعضها بعشرات ومئات آلاف الشواكل.

ويستدرك الداعية قائلًا: “وهذا ما يجعل اعتقال صاحب المبادرة لا يعني بالضرورة انتهاء الفكرة؛ فقد تحولت “تنازل لله” من اسم شخص إلى خطاب اجتماعي، ومن منشورات على منصات التواصل إلى أفعال فعلية تضمنت إتلاف شيكات ودفاتر ديون والتنازل عن حقوق مالية”.

وفي هذا السياق، تبدو قضية الريماوي أوسع من شخصه؛ فهي تطرح سؤالًا عن مساحة النشاط المجتمعي الفلسطيني في ظل الاحتلال، وعن قدرة الفلسطينيين على بناء مبادرات مستقلة تتجاوز الانقسام السياسي وتخاطب احتياجات الناس اليومية.

فالاحتلال الذي يملك سجلًا طويلًا في اعتقال الصحفيين والنشطاء، يواجه اليوم مجتمعًا فلسطينيًا تتعدد فيه أدوات التأثير؛ من الصحافة إلى وسائل التواصل، ومن العمل السياسي إلى المبادرات الإنسانية والاجتماعية.

وبينما ينتظر الفلسطينيون معرفة مصير الريماوي وأسباب اعتقاله، تبقى مبادرته حاضرة في الشارع عبر عشرات الحالات التي اختار أصحابها إسقاط الديون عن متعثرين، لتطرح واقعة الاعتقال سؤالًا أكبر: هل بات مجرد امتلاك القدرة على التأثير في الناس، حتى عبر فعل اجتماعي وإنساني، سببًا كافيًا لجذب انتباه الاحتلال وملاحقته؟

SOURCE: QUDS PRESS INTERNATIONAL NEWS AGENCY